English

 

الاثنين. أغسطس. 22, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

انتحارٌ مُرجأ

Image

الكفان في جيبي السروال.. القميص المفتوح يرفل خلف ظهره مع هبات رياح شتوية بُعيد الغروب. الخطوات هادئة بطيئة.. المواء الحزين للقطط يأتي كخلفية مريعة لسيمفونية تعزفها الرياح المجنونة بارتدادها المتواصل بين جدران بيوت الزقاق الضيق.

بلا مبالاة، منحني الرأس، يخطو بكل عنفوان الانكسار متجاهلا ظلين سدا عليه الطريق.

عبارات سوقية تخرج من فمين بلا أسنان.. نصل حاد على العنق ويد تقلب بجنون مرعوب ما في الجيبين.

قطع نقدية قليلة وهمهمة ضيق تنفلت من أحد الظلين، وعزم على البحث عن ضحية أخرى.

- لحظة...!!

يقولها بهدوء ساخر، ويعيد كفيه للجيبين، متابعا بصوت باك:

- ثمة ورقة نقدية في الجيب الخلفي.. لست أحتاجها!! إنها كهذه الحياة، محض وهم.

يندهش الظلان لهذا الجنون ويعود أحدهما ويعود النصل الحاد مجددا للعنق، واليد المتوترة إلى الجيب الخلفي، ثم صيحة ظافرة وورقة نقدية، وسعادة تغمر الظلين البائسين.

بهدوء يكمل طريقه، سعيدا لسعادة البائسين، خارجا من الزقاق الضيق إلى تقاطع طريقين تمرق السيارات بهما بسرعات مجنونة في ظلام هذا الليل البارد. وعادت لذاكرته تقاطعات صور وذكريات. حاول كل جهده أن يكون شيطانا كما تفرض ردود الفعل لحياة أقسى من القسوة، لكن الفشل قرر أن يكون أبدا له نِعْم الرفيق.

ملاك هو رغما عنه.. والحياة لا تحتمل رقته.

يخطو بثقة خارج رصيف الانتظار، وضوء قادم بجنون مصحوب بنفير ينطلق بجنون أكبر. ثبات غريب أمام الكتلة البهيمية المندفعة المتسربلة بظلام ليل بائس. النفير يزداد.. الثقة متواصلة. أطياف صور تمر بذهنه، ثم قفزة تعيده للرصيف.

فشل مجددا.. حتى في الموت فاشل حد الموت. في آخر لحظة يمر خاطر عن السائق البائس.. هو: لو ارتمى أسفل القوة القادمة لارتاح، لكن السائق سيغرق تحت قوانين جنائية لم يسمع بها قبلا.

"فلتكن نهايتي بيدي"، قرار ما بعده قرار، وبحث عن جبل للصعود حتى القمة من أجل الارتماء إلى الهاوية، وهو يحمل على كتفيه المتهدلين جبلا فشل في تسلقه.

حاول مرة إلقاء نفسه من نفسه، وإلى الآن ما زال يسير بحثا عن انتحار مرجأ.


النقد والتعليق

يقول الناقد والسيناريست عماد مطاوع:

إن أجمل القصص هي تلك القصص مبتورة المقدمة التي تلج إلى أحداثها مباشرة. وهذا ما نجده في قصة "انتحار مرجأ" للقاص محمد سعيد أجيوج، فنحن أمام بداية تهيئة قصصية جيدة ذات بناء محكم. متوترة تعدنا للدخول إلى عالم هذا البطل المعذب، إنه محاصر بالقسوة التي ولَّدت لديه رغبة في أن يكون قاسيا حتى يتمكن من التعامل مع الآخرين المحيطين به، فنجده يقول: "حاول كل جهده أن يكون شيطانا كما تفرض ردود الفعل لحياة أقسى من القسوة".

لكنه يفشل في ذلك أيضا، حتى إنه عندما يتعرض للسرقة نجده يصف مَنْ يودان سرقته بأوصاف تبعث على الرثاء لحالهما، ونجده أيضا يقوم بفعل لا معقول عندما يدلهما على نقود معه لم ينتبها إليها، وهذا الفعل يعكس لا مبالاة وعدمية هذا الشخص، فنجده يقول لهما: "ثمة ورقة نقدية في الجيب الخلفي لست أحتاجها، إنها كهذه الحياة محض وهم".

ثم يصف سعادة من سرقها بقوله: بهدوء يكمل طريقه سعيدا لسعادة البائسين.

وهذا التصرف عبثي بقدر ما يحيط بنا العبث من كل الجهات، ويظل هذا الشخص مؤرَّقا بهَمٍّ داخلي يود لو تخلص منه ومن حياته أيضا، فيحاول الانتحار أكثر من مرة ولكنه يفشل، ويظل انتحاره هذا مرجأ، وربما يكون ذلك انتصارا لرغبة الحياة داخله وإن كانت حياة معذبة قلقة.

وهذه القصة جيدة البناء، استطاع كاتبها أن يحافظ على إيقاع اللحظات القصصية ولم يستطرد في السرد، وحافظ على ذلك الحس العدمي الذي غلف عمله والذي ساعده أكثر في بناء شخصية بطله، واستطاع في عمله المكثف هذا أن يقدم حالة فنية إنسانية جيدة ولكنه كان مطالبا ببعض الكشف عن الملابسات التي أورثت بطله هذا المنحنى في حياته، وأسلمته لهذا المصير.

والحق أن الكاتب محمد سعيد يمتلك أدوات يستخدمها بحرفية عالية، ولا ينقصه سوى التجريب أكثر في دروب القصص المختلفة، والوقوف على طرائق التعبير المتعددة؛ حتى يخرج من دائرة العدمية التي نراها واضحة هنا. وعليه أن يجد لنفسه سمتا خاصا يميز إبداعاته حتى تكسب قاصا مجيدا يضيف إلى منظومة القصة القصيرة.

** ولغة القاص لا غبار عليها، ولكن هناك خطأ لغويا وقع فيه، في قوله: "وهو يحمل على كتفيه المتهدلين.." والصواب أن يقول: على كتفيه المتهدلتين؛ لأن الكتف مؤنثة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم