English

 

الأحد. أغسطس. 26, 2001

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 

الحياة والموت في متحف محمود خليل!

وسام الدويك

Image
محمد محمود خليل بك

"باريس" - فبراير 1903

أربعمائة جنية كاملة دفعتها "إميلين" اليوم ثمنًا للوحة امرأة رسمها "رنوار".. إنه مبلغ كبير، أنا لا أتصور أن يدفع كل هذا المبلغ في لوحة واحدة! لكن "إميلين" تقول: إننا رابحون من هذه الصفقة، ومن يدري فقد نكون كذلك؟!

مقطع من مذكرات محمد محمود خليل بك صاحب القصر الشهير الواقع على نيل الجيزة، والحائز على أغلى لوحات العالم، "زهرة الخشخاش" لـ"فان جوخ"، و"الحياة والموت" لـ"بول جوجان".

ولد محمود خليل عام 1877 في عائلة ثرية تمتلك أراضيَ زراعية شاسعة؛ ولهذا درس الزراعة، لكنه سافر إلى باريس لدراسة القانون في جامعة "السوربون"، وهناك قابل "إميلين هيكتور" الفتاة المنتمية إلى الطبقة الفرنسية المتوسطة، والتي كانت تدرس الموسيقى، وتزوجا عام 1901.

هوايته الفن

وقد عرف (البك) هواية جمع روائع الأعمال الفنية عن طريق الزوجة الشابة الجميلة، رغم التكلفة الكبيرة لهذه الهواية، وهذا ما يتضح لنا من الفقرة الواردة في مذكراته، ورغم أن 400 جنيه كان مبلغًا ضخمًا كي يُدفع –وقتها- ثمنًا للوحة، فإن ثمن هذه اللوحة الآن يتجاوز بالفعل (40) مليون جنيه.

وُلد لأب من ملاك الأراضي، ولأم ثانية، وتلقى تعليمه في المدارس الأجنبية، كان لا يرتدي الطربوش عادة، وكان وجهه متجهمًا بجدية ظاهرة.

محمد محمود خليل بك الذي يُعد من أكثر الشخصيات المصرية التي يحيط بها الغموض، وتتضارب حولها الآراء، فهو من ناحية رجل سياسة مقتدر شغل منصب الوزير وعضو مجلس الشيوخ، ثم انتُخب رئيسًا للمجلس لثلاث دورات متتالية، ولكن يُذكر أكثر بمجموعته الفنية النادرة، وهو من أكبر أغنياء عصر ما قبل ثورة يوليو في مصر، الذين عُرف عنهم البخل الشديد، لكنه صاحبُ واحدةٍ من أكثرِ الهباتِ العامة سخاءً؛ فهو قد وهب بلده وأهله –بل والعالم- متحفًا فنيًا نادرًا، ويُذكر له أنه كان السؤال الأول عن الجناح المصري في معرض باريس الدولي للفنون في العام نفسه، فهو الذي أقنع الملك الشاب "فاروق" الذي لم يكن قد مضى إلا عام واحد على تولّيه عرش مصر بالأهمية الحضارية لوجود مصر في هذا المحفل الدولي.

وقد أقيم المعرض في حدائق "التروكاديرو" الواقعة قرب برج إيفل، وافتتحه رئيس جمهورية فرنسا "ألبيرلوبران"، كما كان الرجل أحد مؤسسي جمعية "محبي الفنون الجميلة" عام 1923 مع الأمير يوسف كمال، وفي عام 1928 حين أراد الملك "فؤاد" إقامة متحف للفن الحديث عَهِد بذلك إلى محمد محمود خليل الذي كان يسافر للخارج لاقتناء اللوحات للمتحف الجديد الذي استقر به المطاف حاليًا بمتحف الجزيرة الواقع بأرض الأوبرا.

تقليدي الذوق

وقد كان محمود خليل بك خبير فنون، وصاحب ذوق كلاسيكي لا يميل كثيرًا للتجارب الجديدة في الفن؛ ففي الوقت الذي كان يقتني فيه لوحات مدرسة القرن التاسع عشر التأثيرية لـ"مونية"، و"رينوار"، و"سيزلي"، و"بيارو" وغيرهم، كان الفن الفرنسي قد ثار منذ فترة على مدرسة القرن التاسع عشر، فقدم "هنري ماتيس" مدرسته ذات الألوان الوحشية المعروفة باسم "الفوف Fave"، وقدم كل من "براك" وشاجال" مدرستيهما التكعبية والتعبيرية، بل إن "بيكاسو" و"دالي" كانا متواجديْن أيضًا على الساحة بتجاربهما غير المسبوقة، لكن محمد محمود خليل لم يكن يسمح لأي من هؤلاء بأن يقتحم مجموعته الفريدة، التي ظل يدعمها حتى رحيله عام 1953.

ولم تقتصر اهتمامات محمود خليل بك على الفنون وحدها؛ فقد كان محبًا للموسيقى والأدب؛ حيث ترك في مقره مكتبة موسيقية لا يستهان بها، كما زخر القصر بمجموعة نفيسة من الكتب تُقدر بحوالي 400 كتاب معظمها باللغة الفرنسية.

وقد لا يعرف البعض أن محمد محمود خليل كان أحد الضيوف الدائمين في منزل عميد الأدب العربي د. طه حسين، وكان منزل محمود خليل نفسه صالونًا دائمًا؛ حيث كان يدعو إلى مائدة عشاء في اليوم الأول من كل شهر الوزراء والوجهاء وعلية القوم.

أما عن المواقع السياسية التي شغلها؛ فقد كان رئيس مجلس الشيوخ بين عام 38، 1942 حين انتُخب بدلاً من محمود حمزة بك، كما كان وزيرًا للزراعة في وزارة مصطفى النحاس باشا عام 1937 في وقت كانت وزارة الزراعة تُعتبر من أهم الوزارات، كما كان أيضًا أبرز رجال الوفد في الثلاثينيات والأربعينيات.

أما القصر الواقع على نيل الجيزة، والبالغ مساحته حوالي 8 آلاف متر فقد بناه -في بداية القرن العشرين- أحد أفراد عائلة "سواس" اليهودية المصرية ممن كان لهم نشاط كبير في مجال البنوك والأعمال، ولما لم يكن قد رُزق بأطفال انتقلت ملكية القصر حسب وصية "روفائيل مناحم سواس" إلى ابنة زوجته من زواج سابق وذلك بعد وفاته في 1909، ثم بيع القصر إلى أحد أفراد العائلة المالكة عام 1925 إلى أن اشتراه في الأربعينيات محمد محمود خليل بك الذي ذهب بعد وفاته إلى زوجته. وقد بُني القصر على طراز "الآرديكو، والآريفقو" Art Neauveayx المنبثقين من طراز "الروكوكو"، ويتكون من أربعة مستويات، وبه سلم رئيسي يصل بين الدورين الأرضي والأول، وكذلك سلم فرعي ومصعد يخدم جميع الأدوار، وهو بهذا يتكون من ثلاثة طوابق ومخزن وبدروم.

ما آل إليه القصر

وقد تم تحويل البدروم إلى مكتبة –حاليًا- تضم ما كان يمتلكه محمود خليل بك من كتب بعد أن أصبح القصر متحفًا، والحقيقة أن المتحف -القصر سابقًا- كان قد وهب بمحتوياته إلى زوجته الفرنسية بعقد مسجل في 19 مايو 1947؛ أي قبل وفاته بست سنوات، وقد كان من الممكن أن تنتقل الملكية بلا ضجة، ولكن ما إن تُوفي الرجل في 29 ديسمبر 1953 حتى قام صراع آنذاك؛ فقد اعترضت السيدة "سعاد راشد" الزوجة الثانية لمحمد محمود خليل -التي كان قد تزوجها في أوائل الأربعينيات في ظروف يكتنفها نفس الغموض الذي أحاط برجلنا- على حصول الزوجة الفرنسية على القصر ومحتوياته.

ولكن المفاجأة ظهرت حين توفيت السيدة إميلين في مارس 1960 عن 84 عامًا، وأعلن حسن الأبراشي محاميها أن موكلته قد وهبت القصر المتنازَع عليه إلى الدولة؛ ليصبح متحفًا.

وما إن انتهت مراسم الجنازة الخاصة بزوجة محمود خليل -التي كانت قد أشهرت إسلامها قبل ذلك بسنوات، والتي دُفنت في القبر الذي بناه زوجها عام 1949 بمنطقة "الإمام الشافعي"، والذي كان مكونًا من غرفتين؛ دفن هو في إحداهما، ودفنت هي في الأخرى- حتى وقف الأبراشي يقرأ أمام الورثة ومندوبي بيت المال الذين جاءوا لتحصيل الضرائب على العقد تفاصيل وصية موكلته التي أوصت بأن يؤول القصر بكل محتوياته من لوحات وتحف وأثاث إلى الدولة ليتحول إلى متحف، وقد كان لها ذلك خلال خمسة أشهر من وفاتها، وكانت تعريفة الدخول خمسة قروش.

شهادة المصدر

إلا أن المتحف تم إخلاؤه عام 1972، ليلحق بمسكن الرئيس السابق أنور السادات، وتم تخزين الأعمال العظيمة التي كان يحتويها، على الرغم مما قاله توفيق الحكيم من أن الأمم المتحدة اعتادت تحويل القصور إلى متاحف، وليس العكس.

وقد افتُتح المتحف لأول مرة عام 1962، ثم أُعيد افتتاحه في سبتمبر 1995 بعد تطويره، وقد أُنفق عليه حوالي (20 ) مليون جنيه مصري.

تأصلت هوية اقتناء الأعمال الفنية بمرور الوقت خلال نصف قرن بين عامي 1903، 1953، وقد استعان بخبراء -غير زوجته- من بينهم اليهودي "ريشار موصيري"، الذي كان يحتفظ بجميع وثائق حصول مقتنيات محمد محمود خليل، خاصة ما يُعرف لدى العاملين في مجال التحف القديمة بـ(شهادة المصدر التي تحدد كيفية حصول مقتني اللوحة عليها من مزاد كذا، أو قاعة عرض كذا).

وقد استعانت الدولة -حين آل المتحف إليها- بالناقد والمؤرخ "عبد الغني محمد صدقي الجباخنجي" الذي أصدر أول دليل لمجموعة محمد محمود خليل خلال حياته، وبـ"موصيري" الذي كان قد شارك في شرائها.

والسبب الرئيسي في شك غير المتخصصين في أصالة مجموعة خليل هو اختفاء جميع الوثائق الخاصة بالمجموعة، والتي كانت في حوزة "موصيري" بعد سفره، حتى إن الدولة لم تكن تملك أية شهادة مصدر لأيٍ من اللوحات المجموعة.

عروض في باريس

ولكن وزارة الثقافة حين عرضت مجموعة خليل والأعمال الفرنسية الأخرى الموجودة بمتحف الجزيرة بمتحف "الأوروساي" بباريس عام 1994؛ أي في مقر دار الفن الفرنسي كان في جانب منه بمثابة شهادة دولية مؤكدة أصالة هذه الأعمال، وإنهاء ما دار حولها من تضارب.

فقد قام الفرنسيون بتأصيل مصادر كل لوحة عن طريق العودة لجهات البيع التي كانت معروفة في النصف الأول من القرن العشرين، والاطلاع على سجلات مبيعاتها بحثًا عن اسم مشتريها فوجدوا أكثر من مرة ذكرًا لمحمد محمود خليل بك أو "مدام محمود خليل"، وهكذا أمكن مثلاً معرفة تاريخ لوحة (بول جوجان 1848-1903) الشهيرة والمعروفة باسم "الحياة والموت" التي أنجزها الفنان عام 1889؛ فداخل السجلات الفرنسية كانت ضمن مجموعة "أدوار برناديس" الخاصة في "كوبنجاهم" منذ 1893، ثم انتقلت إلى مجموعة "شوسترمان" بباريس؛ حيث اشتراها محمد محمود خليل بك إلى أن آلت ملكيتها إلى الدولة المصرية عام 1960 بموجب وصية حرم محمود خليل.

كما أصبح مؤكدًا أيضًا أن تمثال رودان (1840-1917) المعروف باسم "بلزاك مرتديًا الردونجوف" كان ضمن مجموعة "هنري دية برين"، ثم انتقل إلى مجموعة "برينو"، ثم عُرض في جاليري جوج بيتي؛ حيث اشتراه "محمد محمود خليل بك – الجيزة – مصر".

حتى إن اللوحات التي اشتراها في مصر أمكن تعقب أصلها وتسجيلها؛ فقد ذكر كتالوج معرض الأوروساي "أن لوحتيْ: "لديلا كرواه (1798 ـ 1864) وكوربين (1819-1877)" قد اشتراهما محمود خليل في 14 من مارس 1947 من مزاد أقيم بمنزل (بنزيون) بالقاهرة، وهو صاحب المحلات التي لا تزال تحمل اسمه حتى الآن، وكان عضوًا بجمعية محبي الفنون الجميلة التي كان يرأسها خليل.

أما أشهر الأعمال الموجودة بالمتحف فهي لوحة زهرة الخشخاش للفنان الهولندي الأشهر فان جوخ -كما ينطقها الهولنديون-؛ فقد أثيرت حولها ضجة كبيرة في يونيو 1988 حين أعلن د. يوسف إدريس على صفحات جريدة الأهرام أن اللوحة الموجودة بالمتحف نسخة مزيفة، وأن الأصلية قد بيعت مؤخرًا في إحدى أكبر صالات المزادات بلندن بمبلغ 43 مليون دولار.

وكانت لوحة زهرة الخشخاش قد تعرضت لعملية سرقة غامضة في عام 1978 أعيدت بعدها بقليل إلى المتحف بطريقة أكثر غموضًا، وهو ما جعل البعض يقول بأن الغرض من السرقة كان نسخ اللوحة، وأن الموجودة هي النسخة المقلدة، والأصلية هربت إلى الخارج.

وقد تصادف أن اختفاء اللوحة قد تزامن مع زيارة "ريشار موصيري" للقاهرة، ونُشر في ذلك الوقت أن الشرطة المصرية أجرت معه تحقيقًا حول هذا الموضوع غادر على إثره البلاد.

والواقع أن اختفاء لوحة زهرة الخشخاش أثار ضجة في العالم كله، خاصة بعد إبلاغ الإنتربول الذي أبلغ أوصاف اللوحة لجميع الموانئ الدولية، فضيق بذلك الخناق حول السارق، فاستحال عليه تهريب اللوحة؛ فأعادها من حيث أخذها دون أن يتعرف عليه أحد.

ولكن أيا ما كان وراء هذا الاختفاء الغامض فإن اللوحة التي فحصها الخبراء الفرنسيون، التي قبلت الحكومة الفرنسية على نفسها دفع مبلغ (50) مليون دولار لمصر في حالة ضياعها أو تلفها قد حصلت على شهادة بأصالتها من أكبر المراكز الفنية في العالم، فانجلى بذلك جانب آخر من الغموض والتضارب في الآراء التي أحاط بلوحات مجموعة محمد محمود خليل.

هوامش ومصادر:

  1. محمد محمود خليل : الرجل والمتحف، محمد سلماوي، مصطف الرزار، وزارة الثقافة، متحف محمود خليل وحرمه 1995.

  2. جولات المعد الميدانية وحوارات مع بعض أمناء المتحف 2000.


شاعر وباحث

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم