English

 

الجمعة. فبراير. 2, 2001

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

السينما.. سلة تفاح أمريكانى

أسامة حسين

Image

البضاعة الثقافية الأمريكية تشبه في عرضها "قفص الفاكهة" الذي يبيعه الفلاح في سوق الجملة، ويشتريه الفاكهاني؛ ليكتشف إغراء شكل الفاكهة الناضجة والمغرية , و بمجرد إزالة غطاء القفص يكتشف الحقيقة،السطح مليئ بالفاكهة الطازجة بينما وسط "القفص" و"أسفله" الثمار غير الناضجة والمتعفنة أيضاً!.

وإذا كان الغزو السينمائي الأمريكي لمصر على سبيل المثال في موجته الكبرى، قد بدأ في إنشاء عدد كبير من دور العرض في بداية العام الماضي، فإنه قد اختار أيامها أفلامًا استحقت المشاهدة، حتى وإن اختلف عليها مشاهدوها، لكنها في النهاية كانت تحمل قيمًا جمالية فنية لا يمكن إنكارها، فضلاً عن الإبهار والتكنولوجيا التي تميزها، ويذكر من هذه الأفلام "تيتانيك" و"الشاطئ" و "الجمال الأمريكي"، وحتى "المصارع" صنعت كلها دون استسهال، بينما جاءت الموجة الثانية هذا العام أيضًا لتثبت أن قاع القفص أسوأ أنواع الفاكهة السينمائية الأمريكية وأقبحها.

الأمريكي الراقي

في البداية كانت الضجة التي أثارها فيلم "تايتنيك" بنجاحه الهائل ورومانسيته التي استطاع مخرجه أن "يضفرها" ناجحة مع الاستعانة بالتكنولوجيا، ساعده في ذلك الإنتاج السخي فقد وصلت تكلفة الفيلم إلى نحو مليار دولار، وفي الوقت نفسه كانت الحكومة المصرية قد أبرمت قانونًا للاستثمار في السينما يمنح شركات الإنتاج التي يتعدى رأسمالها الـ 200 مليون جنيه إعفاءات مغرية للإنتاج السينمائي وبناء دور العرض.

وبالفعل بدأت شركتان فقط (هما اللتان بلغ رأسمالهما 200 مليون جنيه) في إنشاء العديد من دور العرض (وما زال الإنشاء مستمرًا حتى الآن) وهو ما صنع طفرة واضحة في عدد دور العرض بمصر، ولكنّ أيًا من الشركتين لم يساهم بإنتاج أي فيلم، وهو ما جعل دور العرض تصبح مستعدة تمامًا لاستقبال أي فيلم "أمريكي" وإلا ستصبح خالية؛ فالإنتاج متوقف ودور العرض خالية!

وتساءل حينها بعض السينمائيين عن أنواع أخرى من السينما (آسيوية، وفرنسية، أو غيرهما)، وهل يمكن أن تعرض في دور العرض، وكان الرد المباشر والواضح من هؤلاء هو: لا مخاطرة، فهو رأسمال يتاجر في البضاعة التي يعرف أن لها سوقًا رائجة، وهو ما لا ينطبق سوى على السينما الأمريكية، إذن فلتكن السينما الأمريكية!.

ورغم الفجاجة الأمريكية التي ترافق هذه السينما سواء في الدعاية أم في احتقار "الآخر" وخاصة إذا كان عربيًا أو إفريقيًا، فإن عرض أي فيلم أمريكي جديد، كان بمثابة احتفالية لا يتأخر ناقد سينمائي عنها، خاصة مع قدرة فروع الشركات الأمريكية المنتجة على إقامة علاقات قوية مع الحقل السينمائي في أي بلد، والنماذج التي تم عرضها في تلك الفترة كانت لافتة في حقيقة الأمر، وخاصة "الجمال الأمريكي" الذي قام ببطولته "كيفن بيس"، واستطاع خلاله أن يكشف خواء المجتمع الأمريكي، وتعفنه من الداخل، وذلك بسيناريو شديد الذكاء، ومشاهد لا تتطرق للقبح ولا تقبل به.

وكأن جاء بعده فيلم "الشاطئ" الذي قام ببطولته "ليوناردو دي كابريو" بطل تيتانيك الوسيم. فقد حاول أن يؤكد من خلاله أن هذا الشاب الأمريكي أرهقته التكنولوجيا الأمريكية والزحام الأمريكي والضجيج؛ فأراد أن يترك كل هذا ليهرب إلى مجتمع تميزه البكارة والدفء والإنسانية في ثوبها الأكثر بُدائية، ولكنه اكتشف أن أمريكا التحضر؛ فأسرع إليها مدمرًا في سبيل ذلك كل ما وقعت عليه عيناه!!

وغير ذلك كثير من الأفلام التي صنعت في النهاية برُقِيّ ودقة وجدية يصعب معها القول: إنها غير مقبولة.

سينما العالم الثالث

وتبقى أزمة السينما الأمريكية تماما كأزمة الاقتصاد الأمريكي، فكما يتم تصدير التضخم في الاقتصاد إلى دول العالم الثالث إذا حدث في أمريكا، فقد تم تصدير القبح على شاشة السينما إلى مصر وبقية الدول العربية في أفلام، مثل: "الحقيقة الخفية" الذي قام ببطولته اثنان من ألمع نجوم هوليود هما: "هاريسون فورد"، و"ميشيل فايفر"، وجاء ليحكي قصة زوج خائن تكشف خيانته وقتله لعشيقته "العفاريت" ويتحقق من خلالها العدالة؛ ليتم في الفيلم طرح النموذج الأكثر انحرافا وتمزقًا للمجتمع الأمريكي.

ورغم تاريخ فورد، وفايفر فإنهما قبلا القيام بدورين في فيلم كان إيقاعه أسوأ ما فيه، فضلاً عن كونه أقرب للأفلام التليفزيونية، والتي لن يسمح للأطفال بمشاهدتها نظرًا لكمية الدماء غير المبررة، فضلاً عن مشاهد العنف التي كانت "مطًّا وتطويلا" أقرب إلى ترهل المسلسلات المصرية الاجتماعية، أما النموذج الأكثر قبحًا فهو "نادي الحسناوات"، والذي لمزيد من الدهشة عرض في سينما يمتلك حقوق العرض فيها يوسف شاهين المخرج المصري العالمي، والمفروض أنه ضد السينما الأمريكية.

والفيلم عرض بهذا الاسم في مصر فقط، أما اسمه فهو "كويوت البشع" و "كويوت" وهو بار"حانة" تقف فيه حسناوات مبتذلات يبعن الخمور وأشياء أخرى، تنضم إليهن خادمة تطمح في أن تصبح مطربة ومؤلفة أغاني لكنها مصابة بعقدة الخوف من المسرح.

والفيلم رغم عدم وجود مشاهد قتل أو دماء فيه فإنه يحوي كمًّا من العنف غير قليل؛ حيث زجاجات الخمر والعري هي القاسم المشترك الأعظم فيه، فضلاً عن ابتذال كل ما يمت للقيّم بصلة، والتأسيس لقوانين الحصول على المال دون اهتمام بالكيفية، هو في النهاية فيلم بلا موضوع، بلا بناء حقيقي، إلا إذا اعتبرنا الحياة داخل مكان يحمل سمات البار وبيت الدعارة واستعراض تفاصيلها "المقرفة" يصلح كبناء لفيلم.. فإن ذلك الشيء يصلح فيلمًا.

الجمهور

في دور العرض الأمريكية بالقاهرة، يصعب على المراقب أن يلمح وجهًا تظهر ملامحه أنه تعدى الخامسة والعشرين، بل والغالبية العظمى تبقى دون العشرين، وهذه هي الأزمة الحقيقة فيما تعرضه السينما الأمريكية بقبحها الذي تقوم بتصديره إلى وطننا العربي، وهي أفلام إن صح ما يشاع عنها فإنها تصنع خصيصًا لنا!! وللأبناء الذي يمسخهم من الداخل ما يشاهدونه على شاشة لا ينتمون لها، ولا تنتمي لعالمهم.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم