|
سقطت بين يدي قصة قصيرة – من حيث لا أدري -..! ولم يكن بيني وبين هذا السقوط موعد..!
دفعني فضولي القصصي أن أقرأ ما فيها..!!
عنوانها يجذب الانتباه..! بدايتها مشجعة..
واصلت قراءتها..
رددت في نفسي.. هـذا الشكل الإبداعي يحتـاج إلى تركيز شديد..!!
غصت في دهاليزها.. الحدث غير واضح..
قرأت صورة تعبيرية كاملة لم أفهم شيئا..!! أي شيء..!!
سأستمر.. لعلّي أفهم..!!
قد تكون قدرتي على الفهم انخفضت..!!
ولكن..
مالي لا أتذوق عباراتها أيضا..!!
أتلاشت ذائقتي.. ؟!!
أُمنِّي نفسي - محاولا بث الثقة فيها – أن هناك صورا تعبيرية أخرى لم تمر عليها عيني.. ولم تصل إلى عقلي بعد..
لابد من ولوجها.. وفك رموزها..
- مـا هذه الكلمات المبهمة كالليل البهيم.. المتناثرة كحبات القمح في الأرض الجرداء..؟!
- وما هذه الجمل التصويرية المشتتة.. المتنافرة.. أرى كلا منها في واد..!!
علَّني أحتاج إلى قراءتها مرة ثانية..!
أُجَمِّعُ شتات ذهني.. نسيت ما حولي.. أدقق في العبارات.. أحاول البحث عن الفكرة.. أو عن خيط يدلني عليها.. تزداد محاولاتي..
كلمات مبعثرة..!!
ماذا تقصد بـ (... ) و (... ) و (... ) و...........!!!!!
يزداد حنقي..!
أكتم غيظي..!
أعاود القراءة..!!!
تثور نفسي.. تسألني.. متعجبة : أما زال لديك صبر..؟!
أجيبها على استحياء : سأقرؤها مرة رابعة.. وستكون الأخيرة!!
لم أفهم شيئا.. أي شيء..!!
كررت في نفسي.. متاهة قصيرة..!!
شعرت بالغثيان..!! قاومته..! فشلت..!!
أسرعت إلي...
تقيأت..
وكانت المفاجأة..
لم أتقيأ سوى كلمات المتاهة القصيرة...!!!
النقد والتعليق
يقول الناقد والسيناريست عماد مطاوع:
ماذا يحدث عندما يتعامل القاص مع مفردات القصة، ويفند أهم عناصرها والأسباب التي تجعل القارئ ينصرف عنها؟
كل هذه الأسئلة يجيب عنها القاص محمود حسين في قصته "متاهة قصيرة" فنحن أمام شخص يقرأ قصة قصيرة بدافع الفضول حيث جذبه عنوانها وبدايتها، لكنه عندما أمعن في القراءة اكتشف أنه غير قادر على التواصل مع هذا العمل وفهمه، وبدأ يفند عناصره وعدم قدرته على فهمه الفهم الكافي، ثم تنتابه حالة من الغثيان وأسرع ليتقيأ ففوجئ بأنه يلفظ كل الكلمات التي احتوتها القصة وحاول التواصل معها.
وهذا النص يتميز بسرعة الإيقاع وباللغة الصافية المقتحمة الخالية من أية زوائد، باستثناء بعض الاستعراضات اللغوية مثل: "ما هذه الكلمات المبهمة كالليل البهيم.. المتناثرة كحبات القمح في الأرض الجرداء".
ونص "متاهة قصيرة" هو مثال جيد على انتهاج "تيار الوعي" في الكتابة من خلال هذه التداعيات التي تحدث لبطل العمل والتي وضعته وسط دائرة مفرغة من التيه.. أليست متاهة قصصية؟.
ولقد مال الكاتب ـ ربما دون أن يشعر ـ نحو اللغة المسرحية الصارخة فنجده يقول: "مالي لا أتذوق عباراتها أيضا أتلاشت ذائقتي".
وهناك أيضا بعض الجمل الأخرى التي اقتربت من الخطابة مما يسيء لجو تيار الوعي الذي يتميز به هذا النص. والحق أن الكاتب لديه قدرة على عمل حبكة قصصية جيدة ومترابطة، لكنه يتعامل مع فكرته بشيء من الاستسهال ولا يعطيها حقها من التفكير المتأني، وكذا لا يتعامل معها بروية، لذا نجد بالنص -رغم إيقاعه السريع- بعض التشتت في مقاطعه، ويتضح ذلك في الطريقة التي تخيرها الكاتب لوضع جمل قصته على الورق "التشكيل اللغوي" لأن هذا التشكيل له دور كبير ومكمل في توصيل الرسالة التي يضمنها الكاتب عمله، كما أن لتوزيع الكلمات في فضاء الورقة دورا مهما في الإيقاع العام للقصة.
والقاص محمود حسين له بالفعل رؤية ناقدة، وقدرة على بناء حالة فنية، لكن عليه أن ينزوي قليلا في تخيره لموضوعات قصصه. إن هذا النص خلا تقريبا من اللحظات القصصية التي تعد مؤشرا لقدرة الكاتب على التعامل مع القص، كما أن مثل هذه اللحظات تثري العمل وتعمق الحالة الفنية التي ينسجها الكاتب / أي كاتب.
لذا فعلى محمود حسين أن يتأنى قليلا وأن يرتاد أرضا وآفاقا جديدة حتى يتسع أفقه وتزداد تجاربه ويتمكن من ولوج طريقه الذي يضمن له التواصل والإجادة، فمن العبث أن يمتلك إنسان موهبة خصبة كموهبة الفن ولا يعمل على تجويدها بالإضافة إليها حتى يتمكن من الإفادة منها وأيضا أن يفيد الآخرين بموهبته تلك.
|