English

 

الاثنين. أكتوبر. 10, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

على لوح الصف

Image

 قطرات مطر خجولة تتساقط تباعا على نافذة الصف.. 

تك..

تك.. تك.. 

أتوقف عن الكلام للحظة وأستمع لصوت المطر بخشوع، ثم أكمل الشرح، يعلو صوتي محاولة أن أثير حماسهم. 

"الوطن العربي يتوسط موقعا إستراتيجيا مهما، ويمتلك موارد طبيعية ضخمة"..

تطالعني وجوه الطلاب الواجمة، ثم تشيح عني غير مكترثة، وتتابع انهمار قطرات المطر من وراء النافذة.. 

"أتعرفون ما معنى الموارد الطبيعية؟". 

تطالعني الوجوه باللامبالاة ذاتها.. 

"والموقع الإستراتيجي؟".

وأقرأ هذه المرة سخرية في الوجوه تشعرني بغصة، وأشعر بإهانة توجع وطني العجوز لكنني لا أستسلم وأكمل محاولتي المثيرة للشفقة، وأضع الخريطة الملونة جانبا، وأمسك قلمي، وأقرر بأن أرسم لهؤلاء الصغار وطنا، أن أعلمهم أن يضعوا الخرائط التي رسمها لهم الآخرون جانبا. أن يرسموا وطنا وعلى شفاههم ابتسامة،  كما علمني والدي الذي رسم لي يوما خطوطا لم أفهم معناها على لوحي الخشبي الأسود، ثم نظر للرسم بفخر وقال: 

"هذا هو الوطن". "وما معنى الوطن؟". 

سألته حينها وحملني على كتفيه "تعالي لأريك إياه". واقترب من النافذة المغلقة. كان اليوم ماطرا ومن بعيد رأيت نخيلا وغيوما. وقلت له: "أهذا هو الوطن؟"، ابتسم وقبلني ولم يجب. 

ويومها فهمت أن وطني سماء ونخيل وأناس يشبهون أبي.. 

أكمل الرسم وأرسمه وطنا من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.. أرسمه بلا حدود وأنا أعلم بأني أكذب على نفسي وهؤلاء الأبرياء. نتنفس للحظات حرية تشعرنا بسعادة غريبة تتلاشى سريعا أمام الخطوط المتعرجة التي تثير الحزن. يظل تلاميذي واجمين، منتظرين لما قد يفاجئهم، الخطوط المتعرجة لم تكن تنبض بالحياة.

"ما رأيكم بأن ترسموا معي الوطن؟" 

ينظرون إلى بعضهم مستغربين واقطع صمتهم.. 

"عصام، تعال وارسم لي في هذه المساحة البيضاء الخالية بين الخطوط ما يعنيه لك الوطن". 

يقترب عصام من اللوح مرتبكا وأربت على كتفه فيطمئن.. ويمسك القلم، يرسم بيتا صغيرا له باب صغير ونافذتان.. أهنئه على الرسم الجميل ويرجع إلى مقعده ليقفز عمر يريد أن يشاركني الرسم أيضا، يقترب من اللوح ويرسم إلى جوار البيت شجرة يحلق فوقها عصفور.. 

يسري نبض حياة بين الصغار ويضحكون..

يتشجع سامح الصغير ويقترب خجولا ويرسم وجه امرأة طيبة ترتدي غطاء للرأس..

يشاركه حمزة ويرسم سبحة طويلة وسجادة صلاة.. 

فؤاد يرسم صليبا يطل من وراء الجبل.. 

عامر يرسم تفاحا وسلة تمر.. 

أسامة برسمه المتواضع، يرسم أطفالا يلعبون الكرة ولؤي -الأول على الصف-  يرسم كتابا وقلما.. 

ومن مقاعدهم يشارك من خجلوا من الوقوف أمام اللوح باقتراحاتهم .. 

"ارسم مدرسة.. 

ارسم نهرا وبحيرة.. 

ارسم بندقية..". 

أبتعد عنهم وأرقبهم من زاوية، وأشعر بفخر كبير وأنا أرى وطني يكبر في عيونهم وبأقلامهم وبين أصابعهم الجميلة التي ترسم بنشاط وفرح.. أهمس في أذن لؤي الواقف بقربي "ارسم  نخيلا وغيوما.." ويفعل..

ويمتد الوطن.. ويتسع.. ويصبح جميلا.. ملونا.. مشعا كعيونهم ونابضا كقلوبهم الصغيرة بالإيمان..

"عرفتم الآن معنى الوطن؟" أسألهم.

لا يبالون بسؤالي ويكملون الرسم وقد حمل كل منهم وطنه بين يديه..


النقد والتعليق

يقول الناقد والسيناريست عماد مطاوع:

إذا سلم الجميع باستحالة الفعل -أي فعل- والعمل على تبني رؤى مستقبلية فهذا يعني الموات؛ فما بالنا إذا تعلق الأمر بوطن كبير -هكذا يجب أن يكون- محاصر وجيل جديد مستلب الوعي.

إن ذلك ما تلقي بنا وسط لجته قصة "على لوح الصف" للقاصة أروى إبراهيم؛ فمنذ البداية المختزلة/المكثفة نجدنا مهيئين للتلقي والتعامل مع هذه الحالة الفنية الإنسانية؛ فنحن أمام مدرسة شابة تحاول أن تحيي في نفوس التلاميذ الصغار معنى الوطن، ولقد اختارت مقدمة جيدة لهذه المقطوعة القصصية فنجدها تقول:

" قطرات مطر خجولة تتساقط على الصف تك تك تك..."، وكأنها بتصويرها لصوت ارتطام تلك القطرات تنبهنا كما يفعل المسرحيون عادة عندما يدقون على خشبة المسرح بضع دقات متتابعة للإعلان عن الدخول إلى عالم المسرحية، وفرض السكون على المتلقي، وإعداده للولوج إلى هذا العالم.

وتطرح المدرسة على التلاميذ جملة محورية تعد مفتاحا للأزمات التي يعاني منها وطننا العربي الكبير منذ بداية تخلقه.. فنجدها تقول: "الوطن العربي يتوسط موقعا إستراتيجيا مهما، ويمتلك موارد طبيعية ضخمة". وكأنها تضع يدها على النقطة الجوهرية في هذا التيه الذي ضرب من حولنا بسبب موقعنا الجغرافي وبسبب مواردنا، وتستمر رغبتها في استفزاز ما بداخل الصغار ثم تنحي الخريطة الملونة قائلة: "أعلمهم أن يضعوا الخرائط التي رسمها لهم الآخرون جانبا"، وكأنها تخبرها بضرورة ألا نعول على الآخرين في معرفة أوطاننا، بل علينا أن نكتشف ذلك كله بأنفسنا، ثم تبدأ في رسم خريطة جديدة للوطن من المحيط للخليج.

ثم تستفزهم أكثر ليرسموا بأيديهم وطنهم، أو ما يتمنون أن يجدوه في وطنهم، ويبدأ الصغار في رسم وطنهم المتخيل/المأمول؛ ليخرج الجميع ما بداخله في محاولة تخلق وطنا حقيقيا، ولو كانت بداية حلم.. لم لا؟ أليست كل الأعمال العظيمة بدأت بحلم؟.

ولقد استخدمت القاصة أسلوبا محكما في قصتها، اعتمدت فيه على المقدمة والحبكة، وكل عناصر البناء التقليدي، واستطاعت أن تبني شخصيات عملها بمهارة شديدة تخدم فكرتها، كما استطاعت أن تنسج نصا، تتضافر فيه لغة القص بلغة شاعرة تنضح شجنا مثل قولها: "ويومها فهمت أن وطني سماء ونخيل وأناس يشبهون أبي"، وأيضا نجد الكاتبة تقترب بنصها من النص الشعري مفجرة موسيقاه وآلياته مثل قولها: "فؤاد يرسم صليبا يطل من وراء الجبل.. عامر يرسم تفاحة وسلة تمر...".

ولقد تعاملت الكاتبة مع الحوار في هذه القصة بشكل ربما لم يكن موفقا؛ إذ حرصت على نقل حوارها بشكل مفصل، وهي لم تكن مطالبة بذلك، خاصة وقد اختارت أن تكون البطلة هي راوية العمل.

والحق أن هذا النص يقدم كاتبته أروى إبراهيم بشكل جيد؛ فهو محكم البناء، محدد الأطر الفنية، يحمل رسالة استطاعت إذابة هذه الجمل وسط الحالة التي نسجتها بحنكة ودرية، ولا ينقصها سوى الالتفات قليلا للغة في محاولة لفك طلاسمها، حتى تتمكن من الإمساك بطرف خاص بها يمكنها من التعبير عما يعتمل بداخلها، كما أجدها مطالبة بالمزيد من التجريب، كما تتشبع بعالم القص الذي أعطاها بعض مفاتيحه.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم