|
نظرت الأم إلى زوجها في أسى وهي تحاوره..
- هكذا هي الآن.. تذرع الشقة جيئة وذهابًا.. في وجوم وصمت مقلقان.. تمشي عبر الردهات والطرقات والحجرات شاردة اللب سارحة ببصرها في الفراغ.. لا تتكلم ولا تنبس ببنت شفة.. لا تلتفت لأحد.. كأنها لا ترى أحد.. سجنها حزنها.. أسرتها بلوتها.. هذه ليست هبة التي أعرفها.. ليست هبة ابنتي.. ليست الفتاة المنطلقة التي تنمق ثوبها وحجابها استعدادًا للخروج مع صديقاتها.. أين الابتسامة التي تلازم شفتيها.. أين السرور الذي يتقافز من وجهها ويتراقص فيه.. أين بهلوانيتها.. أين ثوت تلك الروح..
تمتم الرجل في حزن يشوبه ضجر
- لا حول ولا قوة إلا بالله..
واستطردت الأم قائلة:
- منذ أن رفضت الشاب الذي تقدم لخطبتها وهي واجمة عزف صدرها عن الحياة.. وطارت بسمتها.. وكانفت الشرود..
ثم صمتت صمت ذا مغزى..
فقال الأب بضجر..
- أكان من الأفضل أن أقبله..
فنغمت الأم صوتها وقالت بغنج
- ولم لا يا حاج.. لقد جمعهما حب كبير.. هي تهواه.. وهو يهواها ويعزها.. ويكن لها من المشاعر أدفئها..
قال في صوتٍ عميق كأن الأحرف تؤنبه..
- لا يكفي.. لا يكفي يا عزيزتي..
فقالت بنبرة استعطاف
- ولم لا يكفي.. لمه .. إنه-
فقاطعها بنبرة حزينة..
- أعرف.. أعرف.. إنه شاب طيب وابن حلال ونعرف أهله وبيئته معرفة جيدة.. كل هذا أعلمه.. ولكنه طالب يا حبيبتي.. كيف سيتكفل بزوجة.. كيف سيعول أسرة.. كيف سيفتح بيت.. كيف سيتحمل مسئوليات منزل لا تهدأ احتياجاته وهو طالب.. من أين له بنقود تضمن لي راحتها.. إياك أن تظني أنني أريد بيعها.. ابنتي ليست سلعة.. ولن تكون.. ابنتي هي قرة عيني.. هي قطعة مني.. ولأنها عزيزتي وأغلى ما عندي فإني لا أريد لها حياة شاقة.. لا أريد لها حياة تتجرع فيها أي بؤس.. أريد لها حياة رغيدة مريحة.. لا تعب فيها ولا شقاء.. أتريني طماعاً أو أباً شريراً.. أتريني أباً يريد أن يطمس قلب ابنته.. صدقيني إن الكوابيس كانت تزورني في كل ليلة عندما أتصور أنها ستتزوجه.. لقد كنت أصحو فزعاً فأغرق في بكاء من شدة حزني على تلك الحياة التي ستقبل عليها معصوبة العينين بذلك الإحساس الذي لا يكترث لأي ماديات..
أطرقت الأم صامتة..
- دبري لي يا زوجتي الغالية.. دبري لي.. نفدت حيلي.. لم يَعُد عقلي قادراً على التفكير.. أكاد أجن.. ابنتي تريد أن تقذف بنفسها في هوةٍ سحيقةٍ من التشرد.. وأنا أريد أن أتشبث بها فأقيدها بخيوط من نار.. تتلظى منها وتكوي.. لو تركتها.. لماتت من الجوع بقلب يتدفق حباً ويقطر عشقاً.. ولو منعتها لماتت من التخمة بقلب أعجف.. دبري لي.. دبري لي يا عزيزتي.. تكاد الحيرة تفتك بي.. دبري لي..
ظلت الأم صامتة.. وبدت عيناها مغرورقتان.. وقالت في صوت متهدج
- يا حبيبتي يا ابنتي..
وكظمت انتحابها ثم استطردت..
- كم أرثى لحالها.. نظراتها الذابلة.. فكاهتها الدابرة... خفة ظلها التي ذوت.. شحوب وجهها.. طول شرودها... وتحديقها في الفراغ.. إن كان هذا الزواج سيعيد لي هبة التي تضج بها أرجاء المنزل فلتتزوجه.. فلتتزوجه..
حنق الأب من اللوم المضطرم في أحشائه فقام فزعاً هارباً من توسلات الأم وقال والمرارة تعصف بصدره..
- صدقيني.. ستكون أكبر غلطة..
- وما نفعله الآن.. أهو الصواب..
فقال الأب وصوته يميل إلى الانهيار
- أرشديني أنت..
فقالت الأم في لوم:
- وماذا عن إعراضك عنها ونبذك لأي حديث معها.. إنك تحملها ما لا تطيق..
هوى الأب على مقعد دافنًا رأسه في كفه مقاومًا موجة من البكاء..
- كيف أواجهها.. كيف.. أأذهب وأقول لها أبوك يسعى لقهرك.. يبغي إتعاسك.. يريدك أن تعيشي باقي عمرك بقلب ممزق وذكرى حب مؤملة تسهدك لياليك.. أهذا ما أنت تريدينه.. لا أستطيع.. تريديني أن أذهب إليها وأقول لها أبوك يتلذذ برؤيتك ماكثة ها هنا بعيدًا عن أحلامك الوردية.. أبوك الذي رقص أمام الأطباء والممرضين حينما لفظتك أمك.. أبوك الذي أحبك أكثر من أي مخلوق في الحياة.. أبوك الذي كان ترياقه ابتسامتك الطفولية.. أبوك الذي اتصل بكل الأهل والأقارب عندما خطوت أول خطوة ونمت لك أول أسنانك.. مستحيل..
- إذن ما الحل..
فساد صمت ثقيل.. مفعم بدموع غير مسالة.. وولولة غير مسموعة..
وبعد مرور لحظات تفكير طويلة اتسعت عينا الأب وكأنه وجد ضالة ما.. فانتصب واقفاً وقال في حسم..
- نعم الرأي ما ألهمت به الآن..
ثم جذب زوجته وخرجا من الحجرة..
* * *
كانت هبة آن ذاك متسمرة على إحدى مقاعد الصالون.. لا تحدث صوتاً أو حركة.. جلست تمثال من لحمٍ ودمٍ.. تمثال يحدق في اللاشيء..
جلست والأحداث الأخيرة تستعر في رأسها كيف رفض أهلها.. كيف.. ولمه.. لم لن تتزوجه.. ما عيبه.. ما علته.. بل ما أسبابهم..
إن الحياة بدونه جوفاء.. كيف الحياة بدون نظرته التي تلفني.. وكلماته التي تسندي.. وصمته الخليق ببث روح الكفاح في..
راح عقلها يجتر كل لحظة جمعتهما.. راحت تتلذذ بكل ثانية تسترجعها.. أخذت تتذكر كل حركاته وسكناته وتتساءل كيف ستحيي دونها.. كيف تستأنف حياتها بدون هذا الشاب الذي رسم بيتهما بريشة رقيقة على ألواح السماء..
ووصل إلى مسامعها صوت..
كان دبيب أقدام... يقترب.. يعلو.. حتى وقف خلفها.. فكرت في أن تستدير لتعرف من صاحب الدبيب.. ولكن لا طائل.. أن صاحب الصوت ليس هو على أية حالة.. لقد حفظت حتى صوت أقدامه.. والصوت ليس الصوت..
ربتت يد حانية على كتفيها.. ثم نادى صاحب اليد عليها... لم تجب.. تجاهلته ومصدره.. واستأنفت تفكرها.. حتى ألح الصوت وكرر النداء.. فاضطرت للانتباه والاستيقاظ من فكرها وشرودها..
- نعم.. ماذا تريدان..
قال الأب بنبرة تقطر حناناً..
- اسمعي يا ابنتي.. لن أطيل عليك.. فقد واتتني فكرة.. وفي ظني أنها عين الصواب.. والصواب عندي هو ألا أخسرك.. سواء أخسر فؤادك وأنت حبيسة جدران المنزل بعيدة عن حبيبك.. أو أن أخسر روحك التي ستذبل إذا تزوجت منه.. لذا رأيت.. أن أقبل تلك الزيجة..
انبرى على وجه هبة دهشة بالغة.. وظهرت بوادر ابتسامة مشرقة.. ولاح على صفحة وجهها علامات بعث ما مات من روح مصدومة..
- نعم.. سأقبل.. ويا ليتني قبلته قبل أن تنتابك تلك الموجة من السهوم.. ولا أعلم كيف لم تحضرني تلك الفكرة منذ أول يوم عصف الأمر برأسي.. على أية حال.. ستتزوجان.. في شقة نحن سنشتريها لكما.. وعفش من مالنا..
وابتسم وقال في عطف أبوي معهود..
- وهل لنا غير هبة واحدة..
فانداحت على وجه هبة كل أمارات السرور..
- إن المال مالك في آخر الأمر.. وهو لك الآن أنفع.. يكفي أنه سينقذك مما أنت فيه.. لشد ما عانيت من علمي بتمزق قلبك.. ولكن سامحيني.. فأنا السبب.. ولكن وعد مني.. لن أقف في أي طريق بعد ذلك يفضي لسعادتك.. أنت قرة عيني.. أتفهمين.. إذا سالت دموعك على خديك فإنها تسبب لي آلاماً قد ترديني إلى الموت.. تقبرني وأنا حي.. تهيل على الأسى وتؤدني بمرارتها..
ثم ساد صمت برهة.. استعاد كل بسمته.. وجفف كل دمعته.. ومحق كل من مخيلته عذابه.. قد انزاح الهم الجاثم على أركان البيت..
- هيا.. اذهبي إليه.. هيا أرينني قفزاتك ومرحك المعهود.. الذي يهز الأرض بعنف ويهز قلبي طرباً.. هيا اذهبي إليه وقولي له انصرم عهد العذاب ودنا عهد المعاشرة المؤسسة على الحب.. هيا..
وألقت هبة بنفسها في صدر أبيها تجهش في بكاء من فرط الفرحة ومن شدة وطأة قرار أبيها الجلل.. الذي غير -في ثانية- خط سيرها التي رسمته محفوف بالإحباط مكتظ بالهموم والغموم..
ها هي شمس جديدة تكسو الأديم والأفق بنورها الباهر..
هرولت هبة إلى الباب فخرجت وصفقته وراءها.. وانصرفت ثملة.. قلبها يردد وافرحتاه..
وافرحتاه..
النقد والتعليق
يقول الناقد والسيناريست عماد مطاوع:
يعتمد أي مجتمع على فصيل مهم من فصائله، يعول عليه كثيرًا في مسيرته الحياتية وهو الشباب، وكثير من المجتمعات تحرص على الاستفادة من هذا الفصيل بكل وسيلة ممكنة.
ولن يأتي ذلك إلا بتوفير مناخ مناسب حتى يتسنى لهذا الشباب أن يعطي وأن يسهم في بناء وتطور مجتمعه. والحق أن بلادنا العربية تعاني من أزمة شديدة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي -العشرين-، حيث أدت الموجات الانفتاحية الاقتصادية إلى اتساع الهوة بين الطبقات، وكادت الطبقة الوسطى -التي تُعَدّ الميزان الحقيقي للتوازن في المجتمع- أن تندثر أمام هذه التغيرات الهادرة.
وقصة "عذاب جيل" للكاتب مصطفى محمد حسين، تلقي الضوء على واحدة من أخطر الظواهر التي تفت في عضد جيل الشباب وتباعد بينه وبين حقه في الزواج وبناء بيت مستقر يكون لبنة لبناء مجتمع فاعل/ منتج فنحن أمام أب وأم يحزنهما الحالة الواجمة التي أصبحت عليها ابنتهما جراء رفض الأب ارتباطها بمن تحب؛ لأنه غير مؤهل لتحمل مسئولية أسرة وبيت.
وأدار الكاتب حوارًا جيدًا وشيقًا بين الأب والأم، استطاع فيه أن ينفذ إلى صميم الذات البشرية بكل ما تحمله من مشاعر متضاربة ومن أهواء وحاجات.
ويتعامل بصورة مثالية بعض الشيء مع الأزمة يرضخ الأب في النهاية لمشاعر ابنته ويقرر شراء بيت الزوجية لها، وأيضًا يقرر تأثيثه لتتزوج ممن تحب وهو زميلها الطالب.
وكأن المأساة تتعلق فقط بالبيت وقطع الأثاث، خاصة أن الزوج المرجو ما زال طالبًا، أمامه طريق طويل من التحصيل والدرس، ثم يخرج ليعرك الحياة ويتمكن من التعايش وسط المجتمع بقوة وعطاء.
وهنا نجد أن القاص قد تعامل مع هذه المشكلة برومانسية مفرطة، ووضعنا دون أن نشعر في موقف مضاد للفتاة، وجعلنا غير متعاطفين معها هي وزميلها، فهل هما في وضع يسمح لهما بالزواج، خاصة أنهما لا يزالان طالبين يدرسان؟.
ثم هل أصبح واجب الأهل أن ينساقوا وراء أهواء مراهقة لأبنائهم في مراحل عمرهم الأولى، هذا على المستوى الاجتماعي الذي ينبثق من مفهوم المجتمعية ودور الأسرة فيها.
أما على المستوى الاقتصادي.. فهل كل الأسر قادرة على فعل نفس الشيء الذي فعله الأب في هذه القصة؟
إنها أسئلة عديدة ربما تتجاوز بالطبع وتتماس مع الأزمة التي يعاني منها هذا الجيل، وأجيال عديدة متتابعة.
لقد استخدم القاص هنا أسلوبًا تقليديًّا في السرد، واستطاع أن يتماس مع التركيبة النفسية لشخصيتي الأب والأم، وإن كانتا نمطيتين ولقد ظهر ذلك في معالجة الكاتب للقصة، ووضعه ذلك الحل المتخيل.
والحق أنه قدم نموذجًا لأسرة متعاونة ومتفهمة -رغم طوباوية هذا التقديم بالطبع- والقاص هنا يمتلك أدوات القص، ويمتلك رؤية مجتمعية جيدة، لكنها لا تزال غضة بعض الشيء، وأجدني أطالبه بضرورة الغوص أكثر داخل المشكلات وتعريتها؛ إذ يُعَدّ ذلك من أهم أدوار الفن في الحياة، أما الحلول فهي متروكة لطبيعة كل مشكلة ولطبيعة المجتمع ككل وكيفية انسيابية مكوناته وتضافرها في آن واحد.
إن الكاتب مصطفى محمد حسين قد تخير الانحياز لمشكلات ربما تعبر عن فصيل عريض في المجتمع، لكن عليه أن يكون أكثر وعيًا وأن يرتاد عوالم أخرى تعمل على إثراء تجربته التي تنبئ بكاتب متمكن نرجو أن يجرب أكثر وأكثر في دنيا القص حتى يخرج لنا أفضل ما تمتلكه موهبته.
|