|
حقيبة السفر بيدي.. شواهد تتراءى أمام ناظري، قريتي الصغيرة، بيت طيني ذو رائحة لذيذة، أختي ذات الجدائل الطويلة، أمي صاحبة الدفء العارم... تستفزني صور منثورة هنا وهناك، تثيرني أصوات قادمة من بعيد، أشرد عنها تقتحم لحظتي بقسوة، أستسلم، ألقي عليهم نظرة أخيرة...
يستقر جسدي المكدود على أول مقعد في هذا القطار يحيطني هدوء عاصف يهز أوتار سكوني، تتناهى إلى أسماعي حكايات كثيرة.. تصدح بها أفواه عطشى للثرثرة، تمجها حواسي المأسورة في قمقم اللحظة المفاجئة، أخرج من جيبي ورقة صغيرة أرمقها بشدة، تتداعى كلماتي كالسيف الجارف نحوها "لو لم أرك لكنت معهم الآن" غمامات سوداء تختلس النظر عبر نوافذ المساء تشق جدار النور تهتك ستره الشفاف، تعبر خيوط الدفء من هتون ذاكرة مشحونة بالألم، يصرخ الحنين داخلي، أكتمه، يزيد أقمعه، يتحول أنينًا ينتشر في صدري الواهن... أرنو بعيني الذابلتين، نحو ركاب تحيطهم زوابع التعب... نام الجميع... إلا.. أنا، أحلق بأنظاري فوقهم.. ماذا أرى؟ أهداف هاربة.. يثقلها الشجن، أجساد نحيلة تخالها بقايا هياكل منسية لم توارَ تحت الثرى، لربما لأن النبض لم يفارقها بعد، أرض مجدبة تمطرها سحائب الفقر المتلاحقة.. رحلوا مثلي بحثًا عن دنانير.. دنانير.. يا له من حلم صغير يداعب أجفانهم كل ليلة، يعود ذاك الصفير ليعلن شارة الوصول.. أتردد في خطاي، تدفعني الأيدي الممتلئة بالعجلة، أندفع بقوة مصطنعة، أخرج تلك الورقة ثانية، أتفرس العنوان جيدًا، أجر قدمي جرًّا، ها قد وصلت.. يا للهول.. هناك الكثير تساقطوا فوق المعابر، أسير بينهم أتأملهم، ذات الملامح التي فارقتها لتوي... سرقت أحلامهم منهم.. أغلقت أبواب الأمل في وجوههم الشاحبة، أضحوا جذورًا ميتة وطأتها أقدام الجشع بقسوة.. تمزقت.. تناثرت.. غدت أشلاء، لم يبق إلا الصور الماضية، التقطتها يد سارقي الحلم، باعوها بثمن رخيص، وهم من دفع الثمن، لفني رعب مبهم تغلغل في شراييني.. انسحب.. تسرع خطواتي الثكلى، تبتغي خطوات أخرى أسرع أكثر.. يحاصرني صوت شديد أصغي بأذني، لم يكن إلا طيف الحقيقة يهمس بي: "احذريهم إنهم سارقو الحلم، إياك أن تعودي فيسرقوا حلمك الوليد" أفيق فجأة على صوت أمي "أما زلت نائمة؟ سيفوتك القطار".. أتصنع النوم، أقرر ألا أفيق، لن أدعهم يسرقون حلمي وحلمك يا أمي..
النقد والتعليق
**يقول الكاتب والناقد/ إبراهيم عادل:
البدايات والحلم.. في "سارقو الحلم"
أكثر ما يميز هذه القصة، بعد سلاسة عبارتها وجودة اللغة فيها هو التكثيف، فقد استطاعت القاصة أن تحكم بناء القصة، وتختزل العديد من العبارات لتصور مشهدًا محددًا هو مشهد الرحيل ذلك، ولكن بقيت مشكلة بدايات الكتابة، والاعتماد على (تيمة) الحلم، لا أعلم لذلك مبررًا محددًا، ولكنها الوسيلة الأكثر ذيوعًا في كتابات البداية، أن يضع الكاتب القصة كلها كما شاء، ثم يذيلها بعبارة تدل على أنه كان (يحلم)، ربما يعود ذلك لارتباط الخيال في ذهن الكاتب (المبتدئ) بالحلم، أو -من جهة أخرى- لسهولة "التخلص" من نهاية القصة -إن جاز هذا التعبير- بهذه النهاية الجاهزة!.
على هذا النحو، يظل أقل الأجزاء القصة جودة، هو ذلك الجزء الأخير، فيما عدا ذلك استطاعت الكاتبة أن تسرد لنا موقفًا متكاملاً، بأسلوب مميز، جعلتنا نعيش أجواء القصة، وكأنها تحدث بالفعل أمامنا، بالقصة إحساس عالٍ، استطاعت الكاتبة/ القاصة أن تنقله إلى القارئ، وذلك من خلال بعض الجمل السردية المعبرة التي تعكس الأجواء المحيطة ببطلة القصة جيدًا (غمامات سوداء تختلس النظر عبر نوافذ المساء تشق جدار النور تهتك ستره الشفاف، تعبر خيوط الدفء من هتون ذاكرة مشحونة بالألم، يصرخ الحنين داخلي، أكتمه، يزيد أقمعه، يتحول أنينًا ينتشر في صدري الواهن... أرنو بعيني الذابلتين، نحو ركاب تحيطهم زوابع التعب... نام الجميع... إلا.. أنا، أحلق بأنظاري فوقهم).
في الحقيقة لم يأت عنوان النص متسقًا مع القصة بالشكل الملائم، فالقصة تتحدث عن الرحلة، ومشاهد الفراق، والألم، ومأساة ترك الديار، والأم، من أجل بضعة (دنانير)، ولم يرد ذكر (سارقي الأحلام) إلا عرضًا في حديث القاصة عن هؤلاء الذين ستعمل عندهم البطلة، كان متوقعًا أن يستفيض النص أكثر في بيان حالهم، أو وصف كيف تم اعتبارهم (سارقي أحلام!!) أو -على الأرجح- تغيير عنوان القصة؛ ليكون متلائمًا مع محتواها.
في القصة الكثير من الجمل التعبيرية الجيدة، وإحكام بناء عالي المستوى، يدل على أننا بإزاء موهبة قصصية جادة، ننتظر منها المزيد.
|