English

 

الاثنين. نوفمبر. 28, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أبيض وأسود

Image

"أنت لا تملك الشيء الضروري للحياة..!"

ربما في مكان آخر قد تأخذ ضرورات الحياة مفردات أخرى.. أو ربما في ذات المكان ولكن في زمان آخر..

قام من مكانه ودار في الغرفة قليلا، ثم قرر أن يتجه على المطبخ ليصنع لنفسه فنجانا من القهوة..

(بضعة) دقائق وكان قد أنهى ما جاء إلى المطبخ من أجله، أخذ يدير القهوة من الإبريق إلى الفنجان ..

ولقلة تركيزه.. انسكبت بعض القهوة على صحن الفنجان..

ثار غاضبا من نفسه : لم يعد يجيد صنع أي شيء.. وهم بسكب الإبريق كاملا في المغسلة..

ولكن صوتا انطلق في داخله جعله يتوقف..

" لا داعي أن تضيع كل شيء صنعته من أجل شيء صغير لم تنجح في فعله.."..

تأمل صحن الفنجان.. وتأمل الإبريق .. وابتسم..

تابع سكب القهوة وحمل فنجانه إلى شرفة المنزل ..

أطل على أولاد الجيران وهم يلعبون الكرة.. واستعاد ذكرياته القديمة..

" أما زلت تتقن اللعب..؟".

اتسعت ابتسامته قليلا.. فهو قليل الحظ مع القهوة..

تذكر كيف أنه منذ أيام سرقت منه إحدى مكائن القهوة في الطريق بعض المال حين لم تخرج الكأس من الماكينة.. وسكبت حلمه الصغير بفنجان قهوة في الهواء..

وكيف أنه جرب ماكينة أخرى، وأنها هذه المرة أنزلت كأسا فأحس بشيء من التفاؤل، لكن حين سكبت له الآلة لا شيء سوى الماء والسكر.. أدرك أن حلما صغيرا آخر قد ضاع..

ابتسم الآن لما حدث..

" لم أحصل على القهوة التي أريد.. ولكني حصلت على ماء .. وشيء حلو..

الماء ضروري للحياة .. بل هو الحياة ذاتها..".

زادت ابتسامته اتساعا..

" قد لا تمنحنا الحياة ما نريد.. لكنها قد تعطينا أشياء حلوة..".

صوت الأولاد بدا أشبه ما يكون بموسيقى صاحبت شريط الذكريات الذي أخذ يعرضه في نفسه..

"أما زلت تتقن اللعب؟..".

ومضى وقت لا يعلمه بالضبط قرر بعده العودة إلى غرفته..

على الطاولة كانت الجريدة ما تزال على حالها، وفي منتصف الصفحة كانت مربعات الكلمات المتقاطعة..

لم يلعب هذه اللعبة هي الأخرى منذ سنوات، مربعات باللونين "الأبيض والأسود" ..

"أما زلت تتقن اللعب؟"..

وشعر بغصة في حلقه لهذا الشبه بين كل تلك الأمور : كرة باللونين الأبيض والأسود منكمشة في زاوية الغرفة.. كلمات متقاطعة ومربعات بالأبيض والأسود .. وذكريات قديمة استرجعها في ذهنه كانت هي الأخرى بالأبيض والأسود.. تشابه مرير الطعم..

وأعاد السؤال على نفسه من جديد.. "أما زلت تتقن اللعب؟".

" شيء ضروري للحياة .. ثلاثة حروف".. ترى ما هو؟

أشياء كثيرة ضرورية للحياة: حرفان، ثلاثة، أربعة، خمسة حروف.. لماذا يريد (ثلاثا) فقط؟ وماذا يريد؟

جرب (بضعة) كلمات .. لكنها لم تكن ملائمة..

أعاد التجربة مرارا دون فائدة، وشعر بذات الغصة في الحلق..

ألقى قلمه جانبا .. طوى الجريدة.. وألقى برأسه (الثقيلة) على الطاولة.. مستسلما للفشل.. والغصة..

لم يعلم بالضبط كم مضى عليه من الوقت وهو على تلك الحال.. رفع رأسه ودار في الغرفة.. نظر للمرآة وتحسس ذقنه " إنها (خشنة) .. بحاجة على حلاقة.." ولكن ربما بعد الكلمات المتقاطعة..

فرد الجريدة من جديد.. " شيء ضروري للحياة.." .. أشياء كثيرة .. ولكن .." أما زلت تتقن اللعب؟".

وعاد ذلك الصوت في داخله من جديد:

" لماذا عليك أن تلعب لعبة صنعها غيرك؟ لماذا تتعب عقلك فيما يراه غيرك ضروريا للحياة؟".

وأدرك أن عليه أن يصنع هو لعبته..

مد يده إلى كومة الأوراق البيضاء، تناول واحدة ووضعها أمامه وخط بيده مجموعة من الخطوط العمودية والأفقية..

" أنا سأحدد ما هو الضروري للحياة.. أنا سأصنع اللعبة..".

وأخذ يشكل أحرفه وكلماته هو.. أفقيا وعموديا..

وحين كان يعجز عن تعبئة كل المربعات، كان يتركها بيضاء..لأحرف قد تأتي بعد حين..

" أنا سأصنع اللعبة.. وبلا مربعات سوداء..".

وبينما كانت يده تعيد ترتيب أحرفه وكلماته.. كان يردد في داخله : "أما زلت تتقن اللعب؟"..

وبدا له أن جدران الغرفة وكل شيء آخر فيها قد تمرد على صمته وردد ذات السؤال.."أما زلت تتقن اللعب؟".


النقد والتعليق

يقول الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع:

إذا ما أسلم الإنسان نفسه للظروف المحيطة، ولم يسع للتغلب عليها سقط في هوة الإحباط وعدم القدرة على الفعل.

وهذا ما تصوره منا قصة "أبيض وأسود" للقاص مراد حافظ الحبايبة، فالقصة تتبع الخط البياني لشخص مستسلم تماما لما يحدث من حوله، وربط بين ذلك وبين المربعات البيضاء والسوداء لرقعة الشطرنج وأيضا الكرة، ثم يقرر فجأة أن يحدد طريقه ويوجد لنفسه لعبته الخاصة، وهو تحول درامي تم التمهيد له بعد وصف حالة هذا الشخص.

لكن المقدمة جاءت إنشائية لم يتم نسجها داخل العمل فنجدها مبتورة عن البداية الفعلية للقصة وهي: "قام من مكانه ودار في الغرفة...".

ورغم الحالة الوجودية التي تسيطر على النص فإن القاص لم يكن مصيبا حين اعتمد على الجمل البلاغية التي تمثل حكما مثل: "الماء ضروري للحياة ... بل هو الحياة ذاتها". ومثل: "وقد لا تمنحنا الحياة ما نريد.. لكنها قد تعطينا أشياء حلوة"؛ ولهذا حفل النص بالبلاغة التي لم تفسح المجال .

" للمشاهد القصصية التي يجب أن يحفل بها النص القصصي، وربما كانت الجملة الوحيدة المقبولة من هذه الجمل هي: "...أنا سأحدد ما هو الضروري للحياة.. أنا سأصنع اللعبة.."

لأنها الجملة التي شهدت بداية التحول الذي جعل البطل هنا يقرر أن يأخذ بزمام الأمر، وأن يسعى للعبور فوق كل ما يواجهه من صعاب.

والعمل في مجمله يعد تجربة جيدة بفضل تلك الرؤية التي تحفز على التنوير والسعي لتغيير الأوضاع التي فرضت علينا، لكن كان على القاصّ أن يصفي عمله من أية جملٍ إنشائية يمكنها أن تفسر الجو العام للقص كما أن هناك أمرًا آخر مهمًا وهو الأخطاء اللغوية، ومنها مثلا، كلمة "مكائن" التي أراد الكاتب أن يعبر بها عن " الماكينات".

ونص "أبيض وأسود" ينبّئ بقلم يستطيع بالفعل بناء حالة فنية جيدة، لكن على الكاتب أن يخلص أكثر للقصّ وأن يركز على اللحظات الفنية/القصية، ويبتعد قدر المستطاع عن المباشرة والخطابة. "

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم