English

 

الخميس. ديسمبر. 29, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

حكايات ابن الرشيد

Image

يجلس وحيدا بعيدا عن الضوضاء. يسرق لحظات مع نفسه، صمت وتأمل . يندمج في السكون ينسج خيوط أحلامه, يعبث في واحته, يرسم شمسا, يلون قمرا, يلهو مع صفوف النمل, ينحني نحو الأرض لعله يلتقط صوتا يناديه. يدخل إلى حجرته, يلقي حمل جسده على فراشه, يحتضن وسادته يقبلها, يشتم رائحة عرقه فيها. يهمس لها بكلمات الحب يزداد التصاقا يحرك خصلة من شعره, يفرّك عيونه المتعبة, ينهض يبحث عن قطه الشقي يناديه, يراه يأتي يحاول المسكين خربشته في أسفل ساقه, يرتمي في أحضانه يداعبه بعشق متلطف يتركه يمضي.
يذهب إلى المرآة يتحسس وجهه وهي تشمئز من منظره الوقح، يخرج لها لسانه علامة التذمر والسخرية, وربما البلاهة, ينظر إلى أسنانه البيضاء والصف الآخر المقابل له المصابة بالتآكل, يترك نفسه على المصقولة ويذهب. يقرأ للمرة الأولى أي كتاب يختار, ربما لتوليستوي يقلب صفحة البداية, الحرب.. السلام أأهزوجة هي.. يواصل القراءة يتمهل لا يحس بود معه بطبيعته يرميه خلفه بإهمال لم يقتنع به. يدير جهاز التسجيل ويستمع (إني أغرق, أغرق.. ) يقول في نفسه يغرق؟ وأنا لن أنقذك ببساطه لأني لا أعرف السباحة.

مواء ثم مواء.. أليس هذا صوت قط, يفكر؟ نعم . يبحث عنه يجده يجلس على الشرفة يشاهد عصفورا صغيرا يلهو مع حبيبته لعله يظفر بلحظة حب والقط الشقي يحرك ذيله بأسلوب لم يتعود عليه,, لعله عاشق وهو لا يعلم . يُلمح لي بطرف عينه اليمنى بخبث ابتسمَ له ومضي.
يمسك براوية ( أمام العرش ). يخاطب محفوظا لعله يجيب ويسأله هل أنت نجيب؟ يقرأ ويزيد يسترسل من جديد في حكايات ابن الرشيد. يطوح بها أسفل السرير ويتجه نحو المطبخ لعله يظفر بكوب حليب, فلا يجد الإبريق يندب حظه الشريد عن حظه السعيد.
كل شيء بالمطبخ خال من معدات الطهي؛ ولذلك فإن المكان يحتاج إلى امرأة.. يفكر بالزواج وكلفته العالية, يصرف نظره عن الأمر مؤقتا ربما تحين في الأربعين.
الشيء الوحيد الذي تحصل عليه بدون وصاية من أحد هو كوب شاي غير محلى بالسكر؛ لأنه لم يشتر منذ الأسبوع الماضي والسبب الديون, وتأخر الراتب شهرين؛ ولذلك هو مفلس, والإفلاس يجلب الدين, وتجلب معها بالطبع مشاكل الدائنين؛ ولذا يتجرد من هموم الدنيا ويلازم بيته حتى لا يصبح زبونا لدى أطباء المستشفيات.
يحاول أن يقنع معدته أنه يعد لها وجبة شهية خيالية ويحشوها بأخبار غير حقيقية الدولة اليوم منحت المواطنين الفقراء قروضا لتحسين أوضاعهم المادية وتم تغيير بعض القوانين التي تكبله وفتحت المجال أمام الإنتاج الوطني... الخ تصدر المعدة أصواتا مبهمة ربما هي تكذب الخبر؟.
الوجبة اليوم تتكون من :
1- لحم وطني من الدرجة الأولى فمعدته لا تسمح بالدرجة الثانية للمواطنة.
2- أفخر العصائر وأجودها وهى لا تعرف المصنعة والمكررة صناعيا.
3- الوجبات صحية ولا يدخلها رموز ماركس ولينينية وليبرالية و سارترية و كنفوشوسية.
4- كوب من الماء الطبي غير مختلط بترسبات الزمن الأسود للعرب.
قائمة طويلة من الأكلات المعروفة التي لا يوجد لها أسماء سوى تعريف تقطيعها بين الأسنان.
أيضا لم يصل إلى نتيجة بينه وبينها، أخيرا تودد إليها وطلب منها الزواج برجاء مخيب للعقل والمنطق, أصابه الجنون, ربما من شدة الجوع؟ ذهب يجر وراءه همومه الطويلة وارتمى على الأرض في حجرته الوضيعة وهو يستمع من جديد لصوت الحالم أغرق.. أغرق. ففكر فيه وابتسم ابتسامه بلهاء.. وحدث نفسه قائلا (لعلك لن تغرق وحدك مجددا).


النقد والتعليق

يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:

" يجلس وحيدا بعيدا عن الضوضاء، يسرق لحظات مع نفسه..."

بداية جيدة تدخل بنا إلى الحدث مباشرة، ترصد حياة شخص تضافرت الظروف من حوله، فحولته إلى مجرد كائن سلبي، متلقي دائما، تصرفاته تكون ردودا لأفعال الآخرين، بينما يظل هو في وضع سكوني، غير قادر على فعل شيء.

وترصد القصة تصرفاته التي تنبئ عن حالته النفسية السيئة، فنجده يقيم علاقة خاصة مع وسادته حتى نتخيل أنه يعاملها كالحبيبة فنجده يقول... "يحتضن وسادته يقبلها، يشتم رائحة عرقه فيها، يهمس لها بكلمات الحب، يزداد التصاقا، يحرك خصلة من شعره..."

ثم يتابع طقوسه ويعبث مع قطه، ويقوم بمداعبة وجهه في المرآة، ويسخر من أسنانه المتآكله، ثم....

" يدير جهاز الكاسيت ويستمع "إني أغرق، أغرق )...".

ومن هذه اللحظة تتخذ القصة مسارا يخرج بها عن مفهوم القص، إذ يتحول النص إلى مجرد اسكتشات ساخرة، لكنها سخرية مريرة، بسبب وضعية بطل العمل، لكن الأسلوب جاء سطحيا مباشرا، ولقد أراد الكاتب "عبد القادر الدرسي" الاستفادة

 من الحبكة والبناء القصصي لتمرير وجهات نظره وموقفه من العالم، لكنه لم يتمكن من فعل ذلك وسقط العمل في هوة المباشرة والتقريرية ولغة تعتمد على التنظير ولهذا خلا النص من حرارة ودفء الفن.

والحق أن المشاهد الأولى من هذا النص تؤكد أن كاتبها لديه بالفعل القدرة على بناء عمل قصصي جيد ـ لو أراد هو ذلك ولو أخلص لفن القصة ـ فنجده يقول مثلا...

" يلهو مع صفوف النمل ......."

والبطل هنا يقوم بعمل "أنسنة" للنمل ويتحاور معه كبديل عن التحاور مع البشر، ربما لعدم قدرته على مد جسور التواصل معهم.

ونجده يقول أيضا...."يذهب إلى المرآة يتحسس وجهه وهي تشمئز من منظره الوقح... ".

والقاص في هذا المشهد يعبر بجلاء عن دخيلة البطل النفسية، وليت القاص يخلص لهذا الفن الممتع، إذ يمتلك أدواته بالفعل، ساعتها سنربح نحن قراء القصة قلما جيدا بالفعل.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم