English

 

السبت. ديسمبر. 31, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الزوج

Image

_ اخرج يا (مصطفى) من المطبخ.
_ اترك الغسيل يا (مصطفى).
_ (مصطفى) تلك أمور نسائية مالك بها!.

يتلو إحداها حتما شجار يصل لرب السماء مداه.. الزوج (مصطفى) عصبى بطبعه ويثور سريعاً.. يشتعل وجهه النحيل غضباً.. تنفر عروق رابضة في عنقه.. يصفع أذنيّ زوجته بالسباب؛ وهي في المقابل لطبيعتها الهادئة -بعد صيحات محدودة- يتلقفها البكاء لساعات، أثناءها يسكنان ثم يتصافيان وتكسو الضحكات وجهيهما.

شهور يتكرر ذلك المشهد خلالها، تشتد حدة الموقف بالتتابع و(هناء) الزوجة لا تملك سوى الصبر وسؤال أوحد تطارد به زوجها:

_ لماذا تتدخل بشئون المنزل التي من المفترض أنها تخُصني؟!.

فيُعلل برد بسيط:

_ إنني أحاول مساعدتك يا حبيبتي.

المنطق يُريحها بعض الشيء وإدراكها لخطورة الأمر واستحالة احتماله يربكها.. لكم تخشى الآتي، فأيًّا كان الحب بينهما لا ينفي هذا كونها إنسان، بشر، له حد أقصى على الصمود والوقت قد يطول.. يستفحل والضغط عليها يتفاقم.. في العمل، في المنزل، والآن الزوج!...

تفكر في العيال.. (محمد) الصغير الذي أتم عامه العاشر الأسبوع الماضي، و(أحمد) المراهق المعارض على طول الخط.. إلام سيؤول مصيرهما إذا انهارت؟، ولو ظلت بتماسكها فكيف عساها تضمن ألا يكتسب الأبناء مساوئ أبيهما، خاصة بعدما سمعت رأى (أحمد):_

_ عندما أتزوج لن أساعد زوجتي مطلقاً.. فالرجل رجل مهما حدث.

واجبها كأم يُلزمها الحفاظ عليهما من أفعال الأب الجامحة.. الشرود أضحى عادة لديها، تُحدث نفسها دوماً عن حال الزوج وتصرفاته، تتذكر محاولاته لصرف نظرها عن الحقيقة بقوله:_

_ علمتنى أمي في صباي طهي الطعام وتنظيف الملابس وحياكتها كي أستطيع الاعتماد على ذاتي في الكبر، وها قد أتى الوقت لأُسخّر ما تعلمت لخدمتك.

يساورها شك بأنه يختلق الحكاية؛ ويقين بأن بقاءه بالبيت دون عمل منذ خصخصة شركته قبالة الستة أشهر السبب وراء ما يجري.. نصحته هي كثيراً وساندته أكثر.. حاولت منعه من بعزقة المال حيث لا جدوى، لكنه اندفع وأنفق العشرين ألف جنيه مكافأته على تحسين المنزل وطلاء جدرانه وشراء بعض الأجهزة والملابس ثم فوجئ بأنه خاوي الوفاض لا يملك من حطام الوظيفة غير مائة جنيه شهريًّا بالكاد تكفيهم جانب راتب زوجته الضئيل؛ واضطرها الموقف للسعي له عن وظائف أخرى صدمها شرط مُجحف فيها بألا يتخطى سن المتقدم لشغلها عن أربعين عاماً.

ليل نهار تراه لا يهمد، تشعر بغليانه ومعاناته لنسيان سجائره المستوردة والبسمة التي لم تفارق روحه.. صار يستيقظ قبل الجميع.. يحشو أرغفة الخبز (الفينو) بالجبن، يضع بعضها داخل حقائب أبنائه ويترك لها ما تبقىَ.. ينزل السوق يبتاع الأطعمة بنفسه.. يعتنى بغسل الملابس وكيّها.. عندما تعود من عملها تجده قد جهز الغداء وكنس البيت ينتظرها.. الولدان يستاءان من فعله.. يتغامزان عليه كل حين، و(هناء) قلقة، تخاف يوماً تتبدل فيه الأدوار!...

هدوء تلك الليلة هيأها للحديث، فالولدان نائمان والغرفة مغّلقة النوافذ حجبت ضوضاء الشارع عنهما.. الزوج ممدد فوق الفراش بين القائم والنائم يُتابع فيلماً في التلفاز، فلم تهتم واخترقت الصمت:_

_ إلى متى ستظل على هذه الحال؟.

في صوتها استشف نبرة إصرار.. اعتدل يخطف علبة سجائره، يلتقط إحداها بأصابع متوترة ويشعلها فتتصاعد الأدخنة.. يحدق في التلفاز هرباً من نظرات الزوجة كأنه لم يسمعها، والأدخنة تكثُر.. تُعيد السؤال عليه فيتلاشاه ويستغرق في ملاحقة الفيلم، ويشعل لفافة أخرى.. تزعق به، تنهال عليه باللوم وهو ساكت فالفيلم يحتوي كيانه، يبتلعه.. الولدان يستيقظان، يبكيان و(مصطفى) لا يتحرك ولا يرى شيئاً بعد أن حجبت عنه سحب الدخان العالم.


النقد والتعليق

تقول منسقة النادي/ لمياء يس~:

الأخ الفاضل/ وسيم المغربي، السلام عليكم ورحمة الله..

مرحبًا بك وبمساهمتك معنا..

قصتك توفرت فيها عناصر من الإجادة رفعتها وأمور أخرى لم تساعد على الوصول بها إلى المستوى المطلوب.

من عناصر الإجادة في قصتك:

  • حسن الاستهلال، وهو بداية القصة التي ألقت بالمتلقي في أجواء وأحداث القصة مباشرة دون حشو أو تقدمات تغني عنها قراءة الأحداث مباشرة، أو تصبغ القصة بصبغة من حكايات التراث.

  • السرد لديك متماسك ومتخلص من الحشو إلى درجة كبيرة. كما أن توظيف الحوار وجمل القوْل في خلال السرد جاء جيدًا جدًّا، وفي مواضعه المناسِبة.

  • اللغة فصيحة قوية، وتحوي كثيرًا من الألفاظ الدالة في موضعها، والتي تنبئ عن قراءات متعددة، غير أنها لم تسلم من بعض الأخطاء التي سأذكرها لك في موضعها. وقد استتبع جودة اللغة الإتيان بصور جيدة، ومن ذلك: (عروق رابضة - يصفع أذني زوجته - يتلقفها البكاء - يوم تتبدل فيه الأدوار...).

نأتي للهنات التي أضرّت بالقصة:

  • ظهر خطأ نحوي: (كونها إنسان.. بشر- الصحيح: إنسانًا.. بشرًا) لأنه خبر (كون) و"بشر" معطوف عليه.

  • ظهرت بعض الأخطاء اللغوية في الألفاظ وفي التراكيب، ففي الألفاظ:

  • "القائم"، فهي لم ترد في اللغة بمعنى "المُستيقظ" الذي دلّ عليه سياق الكلام.

  • "يتلاشاه"، التلاشي بمعنى الزوال والانتهاء، بينما أنت تريد هنا أنه "يتفادى" السؤال أو يتجنبه.

ومن أخطاء التراكيب:

  • "لهُ حدٌّ أقصى على الصمود" والصحيح: "... من الصمود".

  • "الستة أشهر"، فالأولى أن تقول "الأشهر الستة". وكذلك "العشرين ألف جنيه". (راجع قاعدة العدد في أي مصدر نحوي لمزيد من التفاصيل).

  • "للسعي له عن وظائف". فإما أن تقول: "للبحث له عن وظائف"، أو "للسعي له في وظائف"، لكن أن يتعدى "السعي" بـ "عن" فهذا غير صحيح لغويًّا.

  • "بألا يتخطى سن المتقدم لها عن أربعين عامًا"، لا حاجة هنا لـ "عن" فالفعل "يتخطى" يتعدى بنفسه بغير وسائط.

  • افتقر جزء من القصة إلى المنظق، فالقصة تصوّر -على لسان الزوجة- أحوال الزوج على أنها "مساوئ" تخشى أن يرثها ولداهما بالاكتساب، في حين أن النصف الثاني من القصة يوضح أن الحال التي يعيشها الزوج ناتجة عن تسريحه من عمله، وعدم وجود فرصة عمل متاحة له لتعديه السن المسموح به، فكيف تعدها الزوجة "مساوئ" بينما هي ظروف خارجة عن إرادته، وخاضعة لعوامل خارجية؟

  • بعض التفاصيل لم يكن لها حاجةٌ فنيًّا، فقد جنحت بالقصة إلى الناحية التوثيقية بعيدًا عن القصصية، وذلك مثل تحديد مبلغ مكافأة نهاية الخدمة، وكذلك مقدار راتب الزوج أو معاشه بعد التقاعد، فهذه التفاصيل هنا أضفت على القصة روحًا مما نقرؤه في أبواب المشاكل والحلول، أو "بريد القُراء" مثلا، ولا مجال له في قصة قصيرة، في حين أن مثل هذه التفصيلات تكون ضرورية في الرواية مثلا أو في الحلقات المسلسلة.

  • نهاية القصة: في الحقيقة جاءت مضرّة جدًّا بمستواها، فبعد أن يصل القارئ إلى شبه الذروة بقرار الزوجة أن تكلم زوجها؛ نجد النهاية تصدم المتلقي، إذ لم تصل إلى شيء على الإطلاق! ولا حتى كانت جيدة فنيًّا، فقد جاءت مبتورة ولم تُقدم أي نوع من المعالجة أو الحل بعد لحظة الذروة.

حاول أن تجلس إلى القصة ثانية، وتفكر لها بتريُث في نهاية أخرى تخدم القصة، أو على الأقل تكون فنياتها أعلى من هذه، ففي ظني أن النهاية لو تغيرت فسوف تنقل القصة إلى مستوى آخر من الإبداع يليق بسائر القصة.

نشكرك على قصتك، وننتظر منك أعمالا أجود، متمنين لك التوفيق.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم