|
ها هو ينظر إليها من بعيد، من خلف زجاج غرفتها العازل، وقد أحاط أهلها بها، حائرة النفس، متخاذلة الأعضاء، كاسفة الوجه، ميتة الهوى، لا تتماسك لما ألم بها من الضعف والخمود، بدت كأنها تتذوق بما في روحها من المرارة، تنظر إلى الدنيا بملء عينيها زهدا فيها، كأنما بث المرض في عينيها شعاعا ينفذ إلى حقائقها، ثم يخترق الحقائق إلى صميمها...
إنه لا يريد أن يدخل غرفتها الغرفة 89 لأنه لا يحب أن ترى في عينيه نظرات الحسرة والأسى تجاهها.. لأنها كانت في الماضي القريب قوية دائما، وترفض أن تكون موضع إشفاق من أحد حتى ولو كان حبيبها الذي سيكون زوجها بعد فترة قصيرة كما كان الاتفاق بينهما منذ زمن...
تنتابه الهواجس.. وتتصارع في ذهنه الأفكار والخواطر، ولا يعرف إن كان من المناسب أن يخبرها بحقيقة وضعها الصحي أم لا ؟..
من على خده تسقط دمعة..تتلوها دمعات، ليفقد السيطرة على قدميه.. ويحس أمام ضغط الحقيقة المرة أنه سينهار تماما.. لكنه يعاود ترتيب أفكاره ويطرد هواجسه، ويقول لنفسه:
-مطلوب منك أن تكون جبل شامخا، وليس هشيما تذروه الرياح.. يمسح بقايا الدموع عن عينيه، ويحاول عبثا التخلص من حمرتهما، ثم يدلف إلى غرفتها، متصنعا الابتسامة ومخفيا ارتباكه.. يلقي التحية على الجميع، وتبادره هي بابتسامة عريضة استبشارا بقدومه.. يسلم عليها.. ويقف بجوار سريرها. .تحاول أن تعدل من جلستها، ثم تقول له في حسرة:
-عادل : لقد أخبروني أنني سأمكث في المستشفى لبعض الوقت، فأمامي اختبارات طبية عديدة.
تشق الابتسامة وجهه ويقول لها:
-ستكونين بخير..أنا متأكد من ذلك يا حبيبتي..
ساد الصمت في الغرفة التي ضاقت بزوار (عبير) من أهلها ومحبيها وأصدقائها في العمل، وهي لا تكف عن محاولة طمأنتهم عن حالتها الصحية..إلى درجة أنها قالت لصديقتها الحميمة، مازحة:
-لا تنسي أنك مطالبة بأن تشتري لي هدية زواج جميلة وغالية، فكري في ذلك من الآن فلم يبق أمامك سوى شهر ونصف، أيتها البخيلة..
تقهقه في ضعف، في حين تكتفي صديقتها بابتسامة تصنعتها في ألم..
تعاود الهواجس المتناقضة اقتحام ذهنه وجذبه بعيدا عن الصخب المصطنع في الغرفة.
هل سيخبرها بالحقيقة التي أعلمه بها الطبيب المعالج؟ هل سيقول لها أنها تعاني من ورم لا يرحم، وهو الآن في مراحله الأخيرة؟؟
هل سيخبرها أنها لن تعيش أكثر من شهرين على أبعد تقدير؟؟
هل سيفجعها بحقيقة أنهما لن يتزوجا..لسبب واحد هو أنها ستموت؟؟
يحس بارتباك شديد، إلا أن صوت الهاتف الخلوي ينقذه من هذه الورطة، فيجد الفرصة لمغادرة الغرفة دون تقديم أعذار،كانت ستبدو كاذبة بلا شك..
ها هو جالس على كرسي الردهة الضيقة، واضعا وجهه بين كفيه، وقد أنهكه التفكير وحاصرته الأسئلة، لكنه هب منتفضا وكأن تيارا قويا من الكهرباء قد سرى في جسده فجأة.. صاح في إصرار: سنتزوج، لماذا لا نتزوج؟؟ لا بد أن نتزوج..!!
رمقته الممرضة القابعة خلف مكتبها بنظرات دهشة، سرعان ما تحولت إلى مشاركة وتعاطف..
إذا كان الموت يطاردنا في كل لحظة، فهل سيتغير شيء إذا عرفنا موعده بالتحديد؟! أليس علينا أن نعيش كل لحظة متبقية لنا في هذه الحياة بغض النظر عن الموت الذي ينتظرنا في كل منعطف؟؟
أقنع نفسه بهذا التحليل البسيط المنطقي، بينما كانت قدماه تقودانه إلى غرفتها ليزف لها خبر موعد يوم الزفاف : يوم الخميس القادم... سبعة أيام بالضبط (ويكونا) عريسين...
كل شيء يكتسي بالألوان اليوم، حتى أنك تحسب نفسك في قاعة مخصصة للحفلات وليس في مستشفى للأمراض المستعصية الفتاكة وفي قسم العناية لمن هم شخصوا أنهم في الرمق الأخير Terminal stage !! حتى الممرضات علت وجوههن حمرة فاقعة من فرط (الماكياج) الذي لطخن به وجوههن..والكل يتوجه إلى هناك حيث الغرفة رقم 89..
اكتظت الردهة المؤدية إلى الغرفة بالواقفين والواقفات، في حين يسير هو وسط هذه الجموع، التي ترمقه بالإعجاب حينا وبالتعجب أخرى..
يدخل الغرفة وقد علت وجهه ابتسامة عريضة صادرة من الأعماق، تستقبله عبير بأخرى مماثلة، ثم تبادره بالقول:
- آسفة يا حبيبي، لكنك أنت من أصررت على زواجنا رغم المرض، كان بالإمكان أن نؤخر هذا حتى أخرج من المستشفى، إنها مسألة أسابيع فقط..
قال لها مازحا:
لا أستطيع الانتظار أكثر يا حبيبتي!!
جلسا سويا -يدا بيد- على الكرسيين المخصصين لهما. في حين علت تصفيقات الحضور داخل الغرفة وخارجها. إنه يوم استثنائي في تاريخ هذا المستشفى..
تسللت دمعتان من عينيهما، حاولا عبثا محاصرتها بالابتسام، لكن شجون الفرح الحزين غلبتهما.. فبادرها بقوله:
-أحبك يا عبير أحبك
ردت وهي تضغط على كفه:
- أحبك.. أحبك إلى الأبد!! إلى الأبد!!
لم (يبقى) على المدة التي حددها الأطباء لعبير سوى خمسة أيام، وهو الآن في كل يوم يلعب لعبة النسيان مع الزمن..تمر الأيام ويشعر بها وكأنها أوراق عمره تسقط منه ولا يملك إيقافها..لكنه يعاود مخاطبة نفسه:
- عليك أن تكون جبلا شامخا وليس هشيما تذروه الرياح..
خمسة عشر يوما وانتقلا إلى بيت متواضع أعمره الحب والأمل ودعوات الأهل والأصدقاء...
شهر
ثلاثة أشهر
تسعة أشهر
ثمانية عشر شهرا
سنتان
ما زالت حية..!!!
صحيح أن المرض قد ترك بصماته عليها، لكنها ما زالت تقاوم..ينسى هو قصة الموت المحتم، في حين تكتفي هي في كل مرة بالاعتذار وبوعده بأنها ستشفى قريبا..ولن تكون بحاجة لأي علاج...
ها قد مرت سنتان كاملتان زيادة عن المدة التي حددها لهل الأطباء، وها هو في كل يوم يجدد لها عقد الحب بينهما وهي تجدد له هي الوعد بأنها ستشفى تماما بل وستنجب له طفلا يملا حياتهما أنسا لأنها تحس بأنها ستكون بخير..
هذا اليوم يدخل إلى الغرفة ليجدها قد وفت بوعدها.. لكنها ليست على السرير!!!
النقد والتعليق:
يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:
إن أهم خصيصة تدفع الإنسان إلى الأمام وتعضده في مواجهة الظروف المحيطة هي الأمل، لأنه يمنح الفرد شحنات هائلة من الطاقة التي تعينه على تجاوز كل ما هو معوق.
هذا هو المحور الذي تدور من حوله قصة "حب وطب.. الغرفة 89" للقاص سالم صلاح الدين، ولقد صاغ الكاتب عمله في قالب ميلودرامي كي يكسب تعاطف المتلقي، وقام بعمل حبكة جيدة كانت إضافية للحالة التي رصدها هنا.
وهذه القصة تعتمد على البناء التقليدي الذي ينتهج مقدمة –فرشة- وبداية ووسط ونهاية، ولقد تخير الكاتب قصة حب تجمع بين اثنين كي يعبر من خلالها عن دعوته إلى التشبث بأهداب الحياة، والاستمتاع بما فيها، وتحدي كل الظروف المحيطة، لأن المرء يحيا مرة واحدة فقط.
وأضفى الكاتب حسا شجنيا وجوا ميلودراميا علة عمله، بحيث جعل الفتاة –الحبيبة- تصاب بمرض خطير وضعها على نهاية الطريق وجعلها في انتظار لحظة الخلاص، لكن الشاب –الحبيب- يقرر أن يتحدى كل ذلك ويتزوجها رغم تحذيرات الأطباء الذين أكدوا أنها لن تعيش سوى خمسة أيام فقط، لكن المفاجأة هي أنها عاشت سنتين كاملتين معه، متحدية المرض، ومتواصلة مع من تحب.
والفكرة التي تطرحها القصة، فكرة جيدة تدعو الإنسان لضرورة مقاومة الظروف المحيطة وعدم الاستسلام لها حتى يتسنى له العيش وفق ما يرغب، وأدار الكاتب حواره بذكاء، جاء مرتبكا مثل..."إنه لا يريد أن يدخل غرفتها الغرفة 89..." لأنه هنا بتكرار كلمة الغرفة أفسد إيقاع العمل وجعلنا نشعر أنه إنما ذكر ذلك لمجرد أن نعلم رقم الغرفة مع أن ذكر الرقم لم تكن ضرورة مطلقا.
وأيضا استخدام الكاتب للراوي الخارجي - العليم بكل شيء- جعله يسترسل أحيانا في السرد بينما هو مطالب دائما بالتكثيف.
وجاءت النهاية المفتوحة غير منسجمة مع جو القصة والحالة السيكولوجية، إلا أن هذا العمل يقدم شحنة كبيرة من الأحاسيس الجيدة ويعزف بذكاء على أوتار المشاعر الإنسانية، وتؤكد هذه القصة امتلاك كاتبها لأدوات القص، كما تؤكد قدرته على نسج عالم قصصي جيد، لكنه مطالب أيضا بالبحث أكثر في تفاصيل الحياة اليومية وأيضا عليه أن يتعامل بإجادة أكثر مع اللغة، لأنها وعاء فكر أي كاتب صاحب رسالة حقيقية وموهبة صادقة.
|