|
بينما هو سائر استوقفه شخص وسأله عن وجهته، ثم قال له بلهجة آمرة ولكنها مهذبة: أوصل الحاجة في طريقك إلى أول الشارع.. التفت فوجدها سيدة عجوز في العقد السابع من عمرها تقريبا وترتدي ملابس سوداء بسيطة متكئة علي عصا، وثيابها متربة وكأنها قدمت لتوها من سفر بعيد..
رحب بطلب الشخص وأخذ بيد السيدة، فسارت وهي تتكئ على عصاها، وعلى وجه الشخص ارتسمت علامات الارتياح..
"بارك الله فيك يا بني". قالتها السيدة العجوز.. فأجابها بأن مساعدة الآخرين واجبة دوما..
- شكرا لك يا بني، وليس البيت بالبعيد فلا تقلق.
- لا ضير في ذلك.
عادت لتكرر شكرها له وهي تضحك.. وبالرغم من تلك الضحكات شعر بشيء في خلجاتها وصوت تنفسها المضطرب وكأنها تنشج، أحس وكأنها تشبه نبتة صحراوية مجتثـة مستسلمة تدفعها الرياح في طريقها إلى فرار متواصل أو إلى سعي متواصل..
- هل تعرفين مكان بيتك الذي نتوجه إليه جيدا.
- طبعا، وهل ينسى المرء مكان بيته؟!.
كان الطريق مزدحما والسيدة تمشي ببطء، فأبطأ من سرعة سيره ليسايرها، فكانت كل خمس خطوات لها تعادل خطوتين له..
- لا تؤاخذني إن كنت قد عطلتك يا بني، ولا تقلق فالبيت قريب، وهو البيت أبيض الجدران الكائن بالشارع القادم.
هو يعرف هذا البيت جيدا ويعلم أن تلك السيدة ليست من بين ساكنيه.. سألها إن كانت بينها وبين ساكني البيت صلة قرابة ولكن بدا عليها أنها لم تسمعه.. شعر أنها تتعمد عدم الإجابة.. عاد ليسألها عم إذا كانت لا تذكر مكان البيت، فلم تجبه ولكنها دعته لتناول شراب في بيتها إكراما له على مساعدتها، فقال لها إنه شاكر لدعوتها واعتذر لضيق وقته..
ومع اقترابهما من البيت شاهد سيدة عجوز تتسول والإعياء بادٍ عليها، فشعر بالسيدة بجواره وكأن رجفة تنتابها، هو الآخر تأثر بالمشهد وراعه كون السيدة العجوز بلا عائل في شيخوختها..
وعند البيت أبيض الجدران وقفت وشكرته، ودعها وابتعد قليلا ثم عاد ليلتفت، فوجد السيدة وبعد أن تظاهرت بالاقتراب من باب البيت عادت إلى الشارع واستوقفت شخصا.. وقف حائرا، ثم أدرك أنها تسأله أن يوصلها إلى بيتها الذي يوجد -قطعا- في نهاية شارع..
النقد والتعليق:
يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:
إذا كان لكل رحلة بداية معلومة، فلا بد أن لها نهاية معلومة أيضا، وما بين البداية والنهاية طريق لا بد للمرء أن يسير فيه ويستكشف معالمه ويسبر أغواره كي تكون رحلته هذه ذات جدوى. وفي قصة "بيت في نهاية شارع" للقاص رامي الورقي، نجد أمامنا نصا مُلغِزا بقدر ما هو بسيط، فنحن أمام نص قصصي ذي بُعدين أو مستويين في التلقي، إننا أمام شخص استوقفه آخر وأوصاه أن يصحب امرأة عجوزا حتى يوصلها إلى بيتها، وسار هذا الشخص بخطى متباطئة إلى جوار هذه العجوز التي ظلت تشكره وتثني على خلقه، وعندما سألها عن مكان بيتها وصفت له منزلا يعرفه جيدا ويعرف كل ساكنيه، فدهش؛ لأنه لا يعرفها وعندما ألح في سؤالها.. "شعر أنها تتعمد عدم الإجابة"... إلخ، وعند ذلك البيت تركها وابتعد وعندما التفت نحوها وجدها تُوقف شخصا آخر طالبة منه أن يوصلها لبيتها في آخر الشارع. إننا إذن أمام مفارقة عجيبة، فمن هذه السيدة العجوز التي تطلب من الجميع توصيلها، ثم تتعامل معهم كأنهم محطات متتابعة؟ وما هو ذلك الشارع الذي لا تتضح له نهاية الذي تقول المرأة إن بيتها في نهايته؟.
لو تعاملنا مع هذا النص من خلال الحكاية، فهي حكاية تحمل مفارقة وتشويقا وهي أيضا تفتح أبوابا عدة للتعامل مع هذه المرأة وهؤلاء الأشخاص.
لكن لو أردنا تتبع ما ترمز إليه هذه السيدة وهذا الطريق -الذي لا تظهر نهايته- وأيضا البيت المفترض أنه في النهاية؛ سنجد أنفسنا أمام محاولة لنفاذ فلسفي إلى طبيعة الحياة التي نعيشها وإلى نظرة الإنسان نحو النهاية التي لا بد أنها آتية، ويتجلى ذلك في هذه السيدة العجوز والأشخاص الذين تتكئ عليهم، وأيضا الطريق الذي هو مرادفٌ لرحلة الحياة ذاتها، ثم المستقر الأخير وهو بيتها أي مستودعها (مستودعنا) النهائي في آخر رحلة الحياة.
لقد نجح الكاتب في عمل نص قصصي متماسك، وأدار الحوار بين شخصياته بحنكة، كما جاء النص مكثفا خاليا من الاستطرادات السردية، لولا بعض الكلمات التي تكررت في نفس الجملة، أو في جمل متتابعة، خاصة في البداية.
وهذا النص يؤكد امتلاك كاتبه لأدوات القص، كما يؤكد أيضا امتلاكه رؤية خاصة تجاه الحياة وتجاه الآخرين، وهذا يلقي على كاهل القاص رامي الورقي بعبءٍ ثقيل ألا وهو الوقوف على الرصيد القصصي للسابقين، والإلمام بمدارس الفن المختلفة حتى يتسنى له عمل سمْتٍ خاص به.
|