|
| الأزهر الشريف بعد ترميمه
|
برغم ما أعلنه أكثر خبراء العالم شهرة في مجال الحفاظ على المدن التاريخية والآثار، من شعورهم بالارتياح للمنهجية التي اتبعها المجلس الأعلى للآثار بمصر من أجل الحفاظ على العمائر التاريخية في القاهرة الإسلامية، وما أنجزه المجلس من دراسات متخصصة في الترميم والعمارة وإعداده للوثائق الهامة الخاصة بصور ورسومات قديمة للمباني الأثرية توضح الترميمات المختلفة التي أجريت لهذه الآثار خلال 200 عام مضت -فإن خبراء وعلماء اليونسكو اختلفوا مع وجهات النظر المصرية في العديد من النقاط الخاصة بالحفاظ على العمائر والمدن التاريخية، وذلك خلال فعاليات المؤتمر الدولي الأول للحفاظ على آثار القاهرة الإسلامية الذي أقيم في مصر في الفترة من 16-20 فبراير 2002، وشارك في تنظيمه المجلس الأعلى للآثار ومركز التراث العالمي التابع لليونسكو.
سر الرسالة الإلكترونية
أول فصول قصة هذا المؤتمر بدأت حينما بعث عدد من العلماء والمهتمين بالآثار الإسلامية في مصر وأوروبا برسالة عبر "الإنترنت" إلى السيدة سوزان مبارك زوجة الرئيس المصري، طالبوا فيها بسرعة التدخل "لإنقاذ الآثار الإسلامية، وهو ما تتعرض له من أعمال الترميم الخاطئ"، وأعطوا مثلاً على ذلك ما يحدث في جامع ابن طولون وسور مجرى العيون، لذلك قرر وزير الثقافة المصري الدعوة لعقد المؤتمر لكي تتبين الحقائق بمساهمة أكثر من 60 عالمًا وخبيرًا دوليًّا من مصر واليونسكو متخصصين في ترميم الآثار والحفاظ على المدن التاريخية، إلى جانب مشاركة الدكتور هنريك ليليوس "رئيس مجلس التراث العالمي" والدكتور ميشيل بتزيت "رئيس المجلس الدولي للمعالم والمواقع الأثرية"، والأستاذ فرانشسكو بندارين "مدير مركز التراث العالمي التابع لليونسكو"، بالإضافة إلى ممثلي شركات الترميم المصرية والعاملين في مشروعات الترميم الحالية.
والواقع أن الخبراء الدوليين لم يكونوا وحدهم الذين يعترضون على الطريقة التي تتم بها ترميمات الآثار الإسلامية في مصر، فقد كان هناك أيضًا الكثير من علماء وخبراء الآثار والترميم من المصريين أنفسهم يرون أن ما يحدث لهذه الآثار ليس ترميمًا وإنما هو في أحسن الأحوال تجميلاً أو تزيينًا للأثر يدفع فيه الكثير من الأموال لشركات غير متخصصة في ذلك.
أثر من غير ناس..
فقد انتقد خبراء اليونسكو طريقة المصريين في تطوير المدن التاريخية، حيث رأى المصريون في نقل الأسواق التجارية وأصحاب الحرف التقليدية وسكان الأحياء القديمة أسلوبًا لتطوير مدينة القاهرة التاريخية، وهي تلك المنطقة التي تضم أحياء النحاسين والغورية والأزهر وشارع المعز لدين الله الفاطمي، وباب النصر والفتوح والمنطقة القديمة المحيطة بهذه الأحياء.
وقد عارض الخبراء الدوليون هذا الاتجاه وأكدوا على أهمية استمرار سكان القاهرة التاريخية في ممارسة أسلوب حياتهم المعتاد، وعدم نقل الأسواق وأصحاب الحرف القديمة في هذه المنطقة، مدللين على ذلك بنماذج في المدن التاريخية في العالم ما زالت تحتفظ بطابعها القديم ولم يتركها سكانها ولم تنقل أسواقها، مؤكدين أن المدينة التاريخية ليست مباني فقط تسكنها الأشباح وإنما هي مبان وبشر ونمط حياة وتاريخ وتقاليد قائمة منذ مئات السنين، وأن هذه الجوانب مجتمعة كانت سببًا في إدراج المدينة التاريخية ضمن قائمة التراث العالمي؛ فمنطقة القاهرة التاريخية التي تضم أهم الآثار الإسلامية بمصر، مسجلة منذ عام 1979 في قائمة التراث العالمي باليونسكو، لذلك دعوا إلى أن يكون التطوير شاملاً المباني الأثرية وما تضمه المدينة التاريخية من سكان وأسواق ومحال تجارية.
وكان الأمر نفسه في مسألة إعادة بناء المباني الأثرية المندثرة أو استكمال بعض الآثار التي سقطت أجزاؤها؛ فيرى الخبراء الدوليون أنه لا ينبغي إعادة بناء المباني الأثرية المندثرة والتي تهدمت بفعل الزمن وأن مبدأ إعادة الإنشاء هو مبدأ مرفوض في أساسه طبقًا للمواثيق الدولية للترميم، إلا إذا كان هناك ضرورة حتمية بحيث يعبر المبنى المراد إعادة بنائه عن شخصية وتراث أمة مثلاً.
أما وجهة النظر المصرية المتمثلة في المجلس الأعلى للآثار فترى عكس ذلك ولا تقر هذا المبدأ؛ حيث يشرف المجلس الأعلى للآثار حاليًا على مشروعات ترميم خاصة بإعادة بناء أجزاء كبيرة مندثرة من جامع المؤيد شيخ وجامع الظاهر بيبرس وأجزاء من سور مجرى العيون الأثري الذي يرجع تاريخ بنائه إلى 800 عام مضت.
ترميم بلا فك أو تركيب
كما انتقدوا تبني المرممين المصريين فكرة فك المباني الأثرية وإعادة بنائها مرة أخرى بهدف ترميمها وإعادتها إلى حالتها الأصلية، مؤكدين على أن هذا يفقدها كثيرًا من أصالتها وقيمتها الأثرية، وأعطوا أمثلة على ذلك ما يجري الآن في سور مجرى العيون حيث قامت الشركة المسؤولة عن ترميمه بفك بعض الأحجار والدعامات التي عانت من التدهور والميل الشديد في الآونة الأخيرة وأعادوا تركيبها من جديد، وهذا ما حدث في بيت السناري الأثري أيضًا.
وأشار خبراء اليونسكو إلى وجود تقنيات حديثة عالمية وأساليب متطورة في مجال ترميم الآثار، يجب على المرممين المصريين اتباعها لترميم الآثار التاريخية دون اللجوء إلى أسلوب الفك وإعادة البناء، وهذا ما استخدم مؤخرًا أثناء ترميم برج بيزا الذي شيد في القرن 14 الميلادي بإيطاليا والذي عانى من الميل الشديد، وهو ما هدد بسقوطه حيث تم معالجة هذا الميل دون اللجوء إلى فك البرج.
كما طالب العديد من الخبراء الدوليين بضرورة إيجاد جهة واحدة رسمية تكون المسئولة عن آثار القاهرة التاريخية، وجاء رد الدكتور جاب الله علي جاب الله الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بأن هذه سياسات وقوانين مصرية لا نسمح لأحد بالتدخل فيها. وهنا نطرح سؤالاً: هل من الأفضل أن تكون جهة واحدة المسئولة عن الحفاظ على الآثار أم تتضافر جهود الوزارات والهيئات والأفراد لحل مشاكل الآثار؟
فمن المعروف أن العديد من الآثار الإسلامية بمدينة القاهرة التاريخية تتبع هيئة الأوقاف ومحافظة القاهرة ووزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى للآثار.
ابن طولون أثار جدلاً
 |
|
مسجد أحمد بن طولون
|
ومن بين التساؤلات التي دارت خلال ندوات المؤتمر ذلك التساؤل الذي دار حول معنى كلمة الأصالة التي هي جزء أساسي في الاتفاقية الدولية لليونسكو، ومدى علاقة الأصالة بالترميم وطبيعة المادة المستخدمة في أعمال الترميم، وقد كانت ترميمات جامع أحمد بن طولون التي تنفذ حاليًا مثارًا للجدل واختلاف الآراء بين المرممين المصريين والدوليين، وخاصة حول أصالة المواد المستخدمة في ترميم الجامع، وهل هي نفس المواد التي استخدمت عند إنشائه في عام 265هـ، أم لا. ويذكر أن الشركة التي تقوم بترميم الجامع قد غيّرت لون طلائه، واستبدلت أرضيات صحنه التي كانت من الزلط والحجر بأرضيات أخرى من البلاط بدعوى أن الجامع عند إنشائه كان على هذه الصورة.
ومن هنا أكد المشاركون في المؤتمر على أهمية دور الوثائق القديمة وكتابات الرحالة والصور والرسومات الخاصة بالآثار لإمكانية الرجوع إليها، ومعرفة الصورة الحقيقية التي كان عليها الأثر في الماضي.
بماذا أوصوا؟
وأوصى خبراء اليونسكو في ختام المؤتمر بضرورة إعادة تخطيط القاهرة التاريخية وتحديد حدودها الجغرافية، وإنشاء مناطق عازلة حولها لتكون بذلك منطقة أثرية ذات طابع خاص. كما طالبوا الحكومة المصرية بضرورة وضع تشريعات تعطي أهمية خاصة للمباني التاريخية من أجل المحافظة على طابعها الفريد، مثل عمائر وسط العاصمة التي شيدت في القرن 18، 19 الميلادي على طراز العمارة الأوربية.
كما أوصوا محافظة القاهرة بالاهتمام بمنطقة آثار مصر القديمة التي تضم آثارا إسلامية ومسيحية ويهودية تمهيدًا لتسجيلها ضمن قائمة المعالم والمواقع الأثرية العالمية، كما شددوا على سرعة حل مشاكل المياه الجوفية والصرف الصحي والتلوث والغبار والمرور، تلك المشاكل التي تعاني منها القاهرة التاريخية وآثارها، مؤكدين على أنه في حالة استمرار هذه المشكلات فإن كثيرًا من أعمال الترميم التي تجرى اليوم قد يكون مآلها إلى التدهور السريع، وهو ما يستلزم إعادة ترميمها وتكلفة الحكومة المصرية أموال باهظة.
وقد أوضح المؤتمر العديد من وجهات النظر المختلفة بين المصريين وخبراء اليونسكو سواء في أساليب الترميم أو في الدراسات المساعدة والتقنيات الحديثة المتطورة واستخداماتها، كما أصر المرممون المصريون طوال أيام المؤتمر على التأكيد بوجود ما يطلقون عليه "رؤية مصرية خاصة لترميم الآثار المصرية"، وهذا الفكر قد يجعلنا نتساءل: هل صحيح أن أهل مكة أدرى بشعابها؟! أم أن عامل التمويل له دور في تأكيد هذا الفكر، فأغلب مشروعات ترميم الآثار التي تقام في مصر حاليًا هي بتمويل مصري ومن ميزانية المجلس الأعلى للآثار وليست منحا من الخارج، والسؤال: هل كان خبراء اليونسكو سيوجهون نفس انتقاداتهم لمشروعات ترميم وتطوير القاهرة التاريخية لو كانت بتمويل من هيئات أجنبية؟
صحافية مصرية، وباحثة في الآثار.
|