English

 

الخميس. يونيو. 14, 2007

ثقافة وفن » حدث في العام الهجري

 

سقوط الفلوجة.. سقوط الكيلاني

أحمد تمام

Image

تعلقت الآمال في العالم العربي بثورة رشيد الكيلاني في العراق ضد بريطانيا العظمى التي لم تكن تغيب عنها الشمس، وتمنت لها النجاح في جهادها المقدس، ولم يقف الأمر عند حدود الأماني، حيث حاول عزيز المصري والطياران عبد المنعم عبد الرءوف وحسين ذو الفقار صبري أن يهربوا من مصر بإحدى طائرات سلاح الطيران المصري للاشتراك في محاربة الإنجليز، لكن محاولاتهم فشلت وسقطت بهم الطائرة قرب قليوب القريبة من القاهرة.

ويعبر أنور السادات عن صدى حركة الكيلاني في دوائر الجماعات الوطنية في الجيش المصري بقوله: كانت ثورة الكيلاني هي المتنفس الحقيقي الوحيد لنا في مصر، وكنا نتابع أنباء هذه الثورة في حماسة بالغة، ونعلق عليها آمالا واسعة، فقد كنا نريد أن نصنع ما صنعه رشيد عالي الكيلاني، فنقضي على الإنجليز ونعلنها عليهم في أزمتهم ثورة مسلحة.

صاحب الثورة

ولد رشيد الكيلاني في بغداد سنة (1311هـ= 1893م)، ونشأ في أسرة كريمة ينتهي نسبها إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني صاحب الطريقة الصوفية المعروفة بالقادرية، وتعلم في مدارس بغداد، ونال شهادة الحقوق وهو في التاسعة عشرة من عمره، وبعد تخرجه عمل في عدة وظائف حكومية، ثم اشتغل بالتدريس في كلية الحقوق، ثم عمل مديرا عاما لأوقاف الموصل، وقاضيا في محكمة الاستئناف.

غير أن شهرته بدأت مع توليه منصب وزير العدل سنة (1342هـ=1924م) في وزارة ياسين الهاشمي، ولم يتجاوز سنه واحدا وثلاثين عاما، وعلى الرغم من المدة القصيرة التي قضاها في الوزارة، فإنه نجح في إنشاء نقابة للمحامين وتنظيم المحاكم على أسس عصرية، وبعد خروجه من الوزارة اشترك مع ياسين الهاشمي في تأسيس حزب الإخاء الوطني.

وفي سنة (1351هـ=1932م) عين رئيسا للديوان الملكي وسكرتيرا خاصا للملك فيصل الأول، ثم لم يلبث أن تولى تشكيل وزارته الأولى في السنة نفسها، لكنها حلت بعد وفاة الملك العراقي.

ولما قام الفريق بكر الصدفي بأول انقلاب عسكري في العراق في (شعبان 1350هـ=1936م) ضد حكومة الهاشمي كان رشيد الكيلاني من بين الهاربين إلى خارج البلاد، وتنقل بين سوريا ولبنان، ولم يعد إلى بغداد إلا بعد اغتيال بكر الصدفي في (جمادى الآخرة 1356هـ =1937م).

وبعد عودته إلى بغداد تقلب في عدة مناصب وزارية حتى تولى منصب رئاسة الوزارة في (21 من صفر 1359هـ=31 من مارس 1940م).

في مواجهة الإنجليز

وأثناء تلك الفترة اشتدت خلافاته مع الإنجليز الذين كانوا يعانون مصاعب كثيرة في الحرب العالمية الثانية، وكان العراق بالنسبة لهم ذا أهمية إستراتيجية من حيث إنه الطريق الرئيسي الموصل إلى الهند، وحاجتهم إلى أرض العراق الواسعة وما بها من مطارات، بالإضافة إلى حاجتهم إلى نفط الموصل وكركوك لدعم مجهودهم الحربي؛ لذا كانت بريطانيا تعمل على دفع العراق إلى إعلان الحرب على دول المحور، وفي الوقت نفسه تطلعت ببصرها نحو البصرة الميناء الرئيسي للعراق على الخليج العربي حيث تقرر أن ترد المساعدات الأمريكية التي وعد روزفلت بإرسالها إلى الشرق الأوسط.

كانت بريطانيا ترتبط بالعراق بمعاهدة سنة 1931م، التي تضمنت عددا من الالتزامات يقوم بها كل من الطرفين تجاه الآخر، فيتعهد الجانب العراقي بأن يمنح طيلة مدة التحالف موقعين لقاعدتين جويتين لبريطانيا، أحدهما بالبصرة والآخر في الجبانية، وأن يقدم العراق في حالة اشتباك بريطانيا في حرب دولية ما وسعه من التسهيلات والمساعدات داخل الأراضي العراقية، وفي مقابل ذلك تتعهد بريطانيا بتقديم كل التسهيلات الممكنة من تقديم السلاح والعتاد والتجهيزات والسفن والطائرات من أحدث الطرز إلى القوات العراقية، لكن بريطانيا لم تكن تفي دائما بالتزاماتها، وتضع العراقيل للحيلولة بين الحكومة العراقية وشراء الأسلحة من دول أخرى.

وقد ازدادت العلاقات توترا بين الكيلاني والإنجليز بعد رفضه قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا التي أعلنت الحرب على الحلفاء في (جمادى الأولى 1359هـ= يونيو 1940م)، وامتناع بريطانيا عن إمداد الجيش العراقي باحتياجاته من الأسلحة والمعدات؛ بحجة أن الجيش العراقي ليس مهددا من قبل دولة أخرى، ووصلت العلاقات بين الطرفين إلى طريق مسدود بعد أن أقدمت بريطانيا على تقديم رسالة شديدة اللهجة للحكومة العراقية، تعبر فيها عن عدم ثقتها في وزارة الكيلاني، وأنه ما لم تشكل حكومة بدونه فإن العلاقات بين الدولتين ستتعرض إلى التدهور، فاستجاب الوصي على العرش لهذا التهديد وطلب من الكيلاني تقديم استقالته، فاستقال في (2 من المحرم سنة 1360هـ= 30  من يناير 1941م).

تلقى الجيش والشعب هذا النبأ بحزن شديد، واشتعلت المظاهرات المؤيدة له، وقام بعض قادة الجيش بانقلاب في (14 من ربيع الأول 1360هـ=11من إبريل 1941) ضد الأمير عبد الإله بن علي بن الحسين الوصي على العرش الذي هرب إلى إحدى السفن البريطانية، وتم إسقاط حكومة طه الهاشمي، وسيطر الجيش على المرافق العامة، وأعلن في اجتماع المجلس النيابي تنصيب وصي جديد للعرش بدلا من عبد الإله الهارب، وألفت حكومة دفاع وطني برئاسة رشيد الكيلاني وعضوية ناجي السويدي وعلي محمود الشيخ، ومحمد علي محمود وغيرهم.

كانت هذه الخطوة تمثل تحديا لمصالح بريطانيا، خصوصا وقد تزامن هذا مع انتصارات دول المحور في الصحراء الغربية واليونان وغرب أوربا؛ لذا قررت بريطانيا القضاء على هذه الحركة وتصفيتها مبكرا قبل أن يستفحل خطرها، وكان تشرشل رئيس الوزراء البريطاني هو الذي يشرف بنفسه على تصفية هذه الحركة، واتبع في ذلك أساليب عنيفة، حيث أوصى السفير البريطاني في العراق بضرورة الإطاحة بالحركة بالقوة.

التدخل البريطاني

كانت بريطانيا تبحث عن ذريعة للتدخل العسكري ضد حركة الكيلاني، فطلبت من الحكومة العراقية السماح بمرور بعض قواتها القادمة من الهند والمتجهة إلى فلسطين، وكانت الحاجة حينئذ أقوى من أي وقت مضى لتعزيز القوات البريطانية في فلسطين ومصر بسبب قيام قوات المحور بهجوم كاسح على شمال إفريقيا وزحفها صوب الحدود المصرية.

وافق الكيلاني على الطلب البريطاني، وسمح بنزول 3 آلاف جندي من القوات البريطانية في البصرة، على أن تتحرك بسرعة إلى وجهتها النهائية؛ لأن استمرار وجودها يمثل تهديدا على نظام حكمه، ووضع الكيلاني شروطا أخرى لنزول القوات البريطانية، منها الإبلاغ سلفا عن وصول أية قوات بريطانية إلى العراق، وعدم جواز إنزال قوة بريطانية أخرى قبل أن تجتاز القوات السابقة حدود العراق، وألا يزيد حجم القوات عن لواء واحد فقط، وكانت هذه الضغوط التي مارسها الكيلاني تهدف إلى الحصول على اعتراف كامل بحكومته من بريطانيا.

وعلى الرغم من أن القوات البريطانية التي سبق نزولها بالبصرة لم تكن بارحت الأراضي العراقية بعد، فقد أبلغت بريطانيا الخارجية العراقية بأن 3 سفن توشك أن تصل إلى البصرة حاملة ألفين من الجنود التابعين للوحدات والتشكيلات التي وصلت من قبل، لكن مجلس الوزراء العراقي رفض هذا الطلب وقرر عدم السماح بإنزال قوات جديدة قبل أن تبدأ القوات التي وصلت من قبل في عبور الحدود العراقية، وأن استبقاء القوات البريطانية في البصرة يعد انتهاكا لمعاهدة 1930 المبرمة بين البلدين.

انفجار الأزمة

حاول السفير البريطاني في العراق الضغط على الكيلاني بقبول الطلب البريطاني، لكنه رفض بشدة، وما كان من السفير إلا أن أبلغ الكيلاني بكل صلف وغرور أن الجنود البريطانيين سينزلون البصرة شاء أم أبى، وأنه سيترتب على مقاومة القوات العراقية لهم نتائج خطيرة، فرد عليه رشيد الكيلاني بأنه إذا نزل هؤلاء الجنود البصرة قبل أن يبارحها الجنود الذين وصلوا قبلا، فإنه سوف يذيع بيانا يندد فيه بهذا التصرف، وأنه لن يكون مسئولا عن النتائج التي ستنجم من انفجار الشعور الوطني.

وبنزول الجنود البريطانيين البصرة في (2 من ربيع الآخر 1360هـ= 29 من إبريل 1941م) واحتجاج الحكومة العراقية في اليوم التالي على إنزالهم دون موافقتها تفجر الموقف وتعذر التفاهم بين الطرفين، وعلى الفور أمرت قيادة الجيش القوات العراقية بمعسكر الرشيد الذي يبعد  7 أميال إلى الجنوب من بغداد بالتحرك صوب القاعدة الجوية البريطانية بالحبانية، ولم تلبث أن أخذت هذه القوات مواضعها على التلال المواجهة للقاعدة، وفرضت حصارا عليها، وكانت القوات العراقية تقدر بعشرة آلاف جندي مسلحين تسليحا كاملا ومزودين بعدد من المدافع والدبابات، على حين كانت الحامية البريطانية في القاعدة الجوية تقدر بألف ومائتين من الجنود وبضعة آلاف من الموظفين والعمال المدنيين، ونصف كتيبة من المشاة، بالإضافة إلى 8 طائرات من مختلف الأنواع.

وفي صباح اليوم التالي لنزول القوات العراقية أصدرت القيادة العراقية إنذارا إلى قيادة القاعدة بإيقاف تحليق الطائرات البريطانية في الجو وإبقائها في قواعدها، وهددت بإسقاط كل الطائرات المخالفة، لكن قائد القاعدة رفض الإنذار، وأعلن أن التدريبات ستستمر، وأن كل محاولة للتدخل ستعد من أعمال الحرب، وفي الوقت نفسه وجه إنذارا إلى القوات العراقية بلزوم الانسحاب وفك الحصار، ولما رفضت القوات العراقية الإنذار لم يعد هناك مفر من اللجوء إلى القوة.

وفي فجر يوم (5 من ربيع الآخر 1360هـ= 2 من مايو 1941م) بدأت الطائرات البريطانية في ضرب القوات العراقية، وردت القوات العراقية بالمثل، واستمر القتال طوال اليوم، وفي اليوم التالي استمرت الطائرات البريطانية في هجومها على القوات العراقية التي فشلت في اختراق خط الأسلاك المكهرب المحيط بالمعسكر البريطاني في الحبانية، ومنيت بخسائر كبيرة، الأمر الذي اضطرهم إلى إخلاء جزء من المرتفعات المشرفة على القاعدة بعد 5 أيام من بدء المعركة، والتراجع صوب الفلوجة، تاركين وراءهم كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر.

وفي اليوم التالي نجحت القوات البريطانية في فك الحصار وطردت الجيش العراقي من مواقعه، وبدأت في قصف منظم للمطارات العراقية، واستمرت القوات البريطانية في تقدمها بعد أن عجزت القوات العراقية في إيقافها واستعانت بقوات إضافية من شرق الأردن، وكان الأمير عبد الله قد وافق على اشتراك قوات الجيش العربي الأردني في ضرب الثورة العراقية.

فشل ثورة الكيلاني

وبعد سقوط مدينة الفلوجة في (19 من ربيع الآخر 1360هـ= 15 من مايو 1941م) أصبح الطريق مفتوحا أمام القوات البريطانية إلى بغداد، وأدرك قادة الثورة أن الأمر خرج من أيديهم، فغادروا بغداد، وكان من بين المغادرين الكيلاني الذي تنقل بين عدة دول عربية وأوربية حتى وافته منيته ببيروت  في (1 من جمادى الأولى 1385هـ= 28 من أغسطس1965م).

هوامش ومصادر:

  • إسماعيل أحمد ياغي- حركة رشيد عالي الكيلاني- دار الطليعة للطباعة والنشر- بيروت 1974م.
  • صلاح العقاد- المشرق العربي المعاصر- مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة -1979م.
  • جلال يحيى- العالم العربي الحديث- دار المعارف- القاهرة- 1985م.
  • يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية - منشورات مؤسسة فيصل للتمويل -إستانبول - 1988م.

  باحث مصري في التاريخ والتراث.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم