English

 

الثلاثاء. مارس. 28, 2006

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مـشـهـد

أحمد عبد الحميد

Image

جلست حسيرة العينين يكسو ملامح وجهها الأسى وتبدو عليها أمارات الفقر، وقد أسبلت يديها على طفل صغير يلهو في حجرها غير آبه بما تموج به الدنيا من حوله، وكأن حسبه من الدنيا جلسته في حجر أمه. ولم يكن الفقر وحده هو الذي كسا قسمات وجهها بكل هذا الحزن بل كانت الحاجة.

كان الضعف والهزال باديين عليها. وبدا أن طول عهدها بالفقر والحاجة قد ترك في وجهها آثارا لا يدركها وصف. وكأن كل يوم يمر عليها يخلف ما كان فيه من بؤس وأسى على مخايلها.

لم تكن -على حالها هذه- تسأل أحدا ممن يمر بها شيئا، ولم تكن تقلب عينيها في وجوه الناس، كأنما استغنت بمشهدها هي وابنها الصغير عن كل هذا، أو كأن بقية من عزة النفس في قلبها أبت عليها أن تستعطف الناس وهم يرون مشهدها هذا. وكأنها علمت أن من لا يجد في قلبه رقة لمشهد كهذا فلا حاجة لسؤاله.

بينما هي كذلك إذ أقبل عليها رجلٌ ممن كانوا يؤدون الصلاة في المسجد، وكأنه يريد إعطاءها صدقة. ولما رأته يستحث الخطى إليها رفعت بصرها إليه وقد امتزج الأسى في عينيها ببعض رجاء بدا شعاعه مطلا منهما. كانت ترنو إليه كمن يشكو حاله وقلة اكتراث الناس به. ولا ريب أنها كانت ترجو من هذا الرجل المقبل بعض مال تستعين به على قسوة العيش وجهد الحياة.

فلما بلغها الرجل انحنى إليها، وهي تنظر إليه من طرف خفيٍ، ثم نظر إلى طفلها الذي كان لا يزال يلهو على حاله، فمد إليه كفه وبسطها فإذا بها بعض قطع الحلوى. هنالك سكن الطفل ونظر إلى ما انفرجت عنه كف الرجل ثم مد يده الصغيرة إلى ما كان بها، وكأنما خلبت أوراق الحلوى الملونة لبه أو سحرت عينيه. ثم أخذ يتأملها ويتحسسها في تؤدة وشغف، وكأنه لا يدري لأي شيء هي. ثم طفق يصفق بيديه ورجليه جذلا وقد أضاء وجهه فرحا وامتلأت عيناه غبطة وحبورا.

كانت المرأة ترقب هذا المشهد وقد انحسر عن عينيها الرجاء وتبدت فيهما خيبة الأمل، فما تصنع ببعض قطع الحلوى وهي لا تكاد تجد قوت يومها. فلما وقع بصرها على طفلها ورأت ما حل به من الفرح والسرور إذا بخيبة الأمل تنحسر عن عينيها وتتبدل رويدا وكأنما بدد مرآها طفلها على تلك الحال ما خالط نفسها من المرارة. وكلما ازداد سرور طفلها غلب على وجهها الراحة والرضا حتى هدأت وبدت على أساريرها السكينة وكأنما كفاها فرح طفلها أمر دنياها ووجدت في غبطته ذهاب حزنها وقرار عينها.

هنالك أشاحت بوجهها إلى الرجل وهي تنظر إليه في امتنان وتتمتم بشكر ودعاءٍ خافتين له ثم التفتت إلى طفلها وضمته إلى صدرها وقد تبدت في أرجاء وجهها علامات الرضا والقناعة. فمضيت إلى سبيلي والمرائي ترتجف في عيني من الدمع.


النقد والتعليق

يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:

تتشابك الظروف وتتداخل ملقية بظلالها على مختلف طبقات المجتمع، وهناك فئات عديدة تطحنها هذه الظروف وتشكل مسارات حياتها، وفي هذه القصة نلتقط مشهدا قصصيا يرصد حالة إنسانية شديدة الرهافة وشديدة الانسحاق أيضا، القاص أحمد عبد الحميد يرصد حالة أم تجلس واضعة طفلها في "حجرها" أمام أحد المساجد تتسقط الهبات من الناس كي تستعين بها على حياتها.

يبدأ العمل بوصف سريع وكاشف فنجده يقول: "جلست حسيرة العينين يكسو ملامح وجهها الأسى... إلخ" وعندما يعرج عليها رجل ويعطي طفلها قطعة حلوى، يفرح الطفل وتنفرج أسارير الأم.

وقد استطاع القاص بذكاء أن يلتقط مشهدا غاية في الرقة والجمال لكنه لم يكن موفقا في منظومته كلها؛ إذ إن هذا العمل كان يكفيه أقصوصة صغيرة -دفقة- ترصد في تكثيف عال لهذا المشهد؛ لأنه ورغم قصر النص، أقحم عليه جملا سردية لم تضف إليه شيئا بل كانت جملا لا داعي لها، أعاقت تواصلنا مع الحالة الفنية.

ولقد أفسد الكاتب تجربته عندما أنهى العمل بجملة... "فمضيت إلى سبيلي والمرائي ترتجف...إلخ" وهو بهذا يؤكد على فصلنا عن العمل؛ لأنه غيّر مستوى الروي، وأحال العمل إلى مجرد محاولة تسجيلية "لمشهد القص به"، ويحسب للكاتب تعامله الواعي مع اللغة ومخيلته العالية التي ساعدته على عمل لقطات سريعة جيدة، وهذا النص يؤكد امتلاك كاتبه أدوات القص وتمكنه من ناحية الكتابة، لكن عليه أن يحدد وجهته الحقيقية في الكتابة وأن يراعي التكثيف واختيار موضوعاته خاصة وهو يمتلك قلمًا مُجيدًا يعد مكسبا حقيقيا.


صحفي مهتم بالشأن الثقافي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم