|
في ليلة دخلة الابن البكر داخل جدران شقة تطل على تمثال رمسيس بأحد أهم ميادين العاصمة المصرية القاهرة ، وواجهة محطة القطارات التي تظهر كقطعة أساسية من الديكور في عمق الفراغ المسرحي المضاءة بطريقة جذابة .. مثقلة بالمركزية .. مثقلة بالتاريخ والقمع الواضح والصريح.
هنا تدور أحداث المسرحية السياسية " الناس اللي في الثالث " للكاتب أسامة أنور عكاشة – التي تكشف أزمات المجتمع المصري كنموذج للمجتمعات العربية، ولتبرز شيخوخة الحركة الوطنية الديمقراطية، وكساح المستقبل العاجز الذي تضيع آفاقه في ظل هيمنة الأجهزة الأمنية، تلك المسرحية يتم عرضها على خشبة المسرح القومي.
تفضح خطوط العمل الدرامي بتراكم تدريجي هيمنة الأجهزة الأمنية في بعض الأحيان على حياة المواطنين، وتدخلها في أدق تفاصيل حياتهم الخاصة، وبدورها تساهم في خلق نقيضها على ضوء المكاشفة الإجبارية المهنية التي تفرضها هذه الأجهزة على أفراد العائلة.
تبدأ المسرحية بظهور فتى يجلس على كرسي متحرك يقوم بالعزف على عوده مغنيا بكلمات توحي بالألم من الوضع القائم، وتحمل قدرا من الأمل في مستقبل ما زال مجهولاً، يتبعه دخول خادمة وشقيقتها العانس ليحددا من خلال الحوار انتظارهما لوصول العريس في حفلة زفافهما في أحد النوادي.
يترافق الحدث العائلي مع تنظيم زيارة جنرال أفريقي إلى المتحف الوطني عبر الميدان الذي يحتله تمثال رمسيس الفرعون المصري الأشهر عبر التاريخ كتمهيد درامي لما يتبع ذلك من أحداث، حيث تتوالى عودة أفراد الأسرة فتعود الأم الفنانة "سميحة أيوب" أولا، ثم ابنها العريس الأربعيني "عبد العزيز مخيون" وعروسه، ممهدة لدخوله ومبررة تأخره في الزواج كونه كان يحب فتاة فقدها في سنوات نضاله واعتقاله المتعددة سنوات الهبّات الوطنية 1968 و1971 صولا إلى آخرها: انتفاضة كانون أول /يناير 1977 التي أطلق عليها الرئيس السادات "ثورة الحرامية".
ويظهر صديق الأب " رشوان توفيق " المناضل ضد الإنجليز والمساند لثورة تموز/ يوليو 1952 والمرتد عليها بعد ذلك مما يؤدي إلى اعتقاله في المعتقل الصحراوي بالقرب من "واحة سيوة "على الحدود المصرية الليبية .
ويعود أيضا الشقيق الأوسط "فاروق الفيشاوي" من سفره بحيث تجتمع رموز المسرحية التي تجد امتدادا لشخصيتها في الحالة والواقع الاجتماعي تحضيرا للمكاشفة وفضحا لدواخل الذات التي تعتمدها خطوط العمل المسرحي باجتياح رجال المخابرات والأمن المركزي للشقة التي في الدور "الثالث" بهدف تأمين موكب الزعيم الأفريقي الذي سيمر بعد قليل من أمام البيت ، يأتي اجتياحهم داهما وعنيفا يملأ خشبة المسرح في إيحاء إلى أن المشاهدين في حالة اعتقال أيضا تجب تعريتهم تحت شعار حماية الأمن أسوة بأبطال المسرحية.
مواجهة بالإكراه
ويقوم رجال المباحث والأمن المركزي بمنع العريس من الاختلاء بزوجته في ليلتهما الأولى، ويجري قائد القوة "رياض الخولي " تحقيقاً يتغلغل خلاله في خصوصيات أفراد العائلة، وتعريتهم أمام أنفسهم وأمام بعضهم بعضا بعد أن استولى على الأوراق الخاصة بكل فرد من أفراد العائلة بما فيهم العروس التي تقضي ليلتها الأولى بين أفراد عائلتها الجديدة.
رغم استجدائهم قائد القوة بأن يحافظ على خصوصيتهم؛ لأنه لا يملك الحق في الإطلالة عليهم فإنه يدفع من خلال تطور العمل الدرامي، أفراد العائلة إلى مواجهات تسفر عن اقتتالهم والقضاء على أفراحهم البسيطة.
ويقدم العريس على تطليق زوجته عندما يكشف له قائد القوة بأنها كانت على علاقة مع نائب مدير الشركة التي يعملان فيها، وأنها قامت قبل أيام من الزواج، بعملية جراحية لرتق غشاء بكارتها، وأنها بقيت على علاقة به بعد خطوبتهما.
ويكشف العريس الصراعات التي كانت تدور داخله طوال فترة الخطوبة، أنه كان يتوقع شيئا من هذا القبيل، ولكنه لم يتخذ موقفا مقابل الكثير من الوعود الوردية التي وعده بها نائب رئيس المؤسسة.
من جهة أخرى، تتم تعرية شخصية الشقيق الأوسط "فاروق الفيشاوي" الفاشل في حياته العملية ودوره في إهدار حقوق أشقائه في إرث أموال والدهم بالاستيلاء عليها، بحيث لم تمنعه أنانيته من تدمير أحلام شقيقته العانس التي تجمع وخطيبها الأموال لتحقيق حلمهما باستيلائه عليها بواسطة النصب.
أدى الأمر بشقيقته إلى مغادرة المنزل للسكن مع خطيبها الذي يتمسك بحبه لها متخلية عن أحلامها بتكوين نموذج كانت تسعى إلى تحقيقه، رغم كل وعوده بأن يعيد إليهما نقود خطيبها بعد أن أحضر معه مبالغ كبيرة استولى عليها بعمليات نصب مختلفة على العمال المصريين الذين يعملون في الخارج.
وتكتمل الحلقة بتعرية زيف الأم"سميحة أيوب"عندما يكشف الضابط معرفتها بأن خادمتها لم تكن سوى ابنة زوجها من امرأة أخرى، وأنها حرمتها طوال فترة إقامتها معهم، إثر وفاة والدتها، من حقوقها كأحد أفراد الأسرة.
تظهر في هذه الأثناء دعوات من الشقيق الأصغر الكسيح وصديق الوالد العجوز لأفراد الأسرة بعدم الاستجابة لضغوط قائد القوة الذي يقوم ورجاله بالاعتداء عليه، مما يدفع صديق الوالد إلى محاولة قتل قائد القوة بمسدس استولى عليه من أحد جنود الاحتلال البريطاني في أثناء قيامه بمحاربتهم في منطقة القناة.
يتكشف في المشهد الشلل الشامل الذي يعيشه أفراد العائلة تعبيرا عن رداءة الواقع الحالي الذي يراقبه الشقيق الكسيح ممثلا لجيل نظيف عاجز عن التأثير في مجريات الأحداث، وتجسد حالة المراوغة في المكان من خلال رؤيته حقيقة الوضع والتعبير عنها غنائيا، لتنتهي المسرحية وقد غادر الخشبة العريس الذي قرر الانتقال إلى مدينة أخرى، والشقيق الأوسط الذي أخذ الأموال التي استولى عليها نصبا ليبدأ مشروعا جديدا.
وبقيت الأم مع الشقيق الكسيح والشقيقة الخادمة التي تبين أن والدها كان قد ورثها الشقة ،و تنسحب قوات الأمن بعد مرور الموكب وبعد ان ساهم وجودها في تعرية أفراد الأسرة التي تتواطأ على العيش رغم ما بها من تشوهات ، تماما مثل كثير من مجتمعاتنا العربية ، التي ينقصها الصدق والمكاشفة بدورها.
وقد لعب النص في المسرحية دور البطولة الأولى؛ حيث لم يستخدم المخرج محمد عمر سوى ديكور ثابت تحتل جوانبه أبواب غرف الشقة، في حين احتل تمثال رمسيس ومحطة القطارات خلفية وعمق المسرح إضافة إلى قطع الأثاث التي تحولت في الكنبة إلى سجن لاعتقال رشوان توفيق بعد تمرده على قوات الأمن ، وقد استخدم المخرج المؤثرات الصوتية والضوئية بشكل محدود جدا، وتبع النص بشكل أساسي لتنفيذ الحوار.
وكان الشيء المؤثر إخراجيا وبحدود نسبية اندفاع رجال الأمن إلى القاعة ضمن إطار يوحي بتساوي القاعة مع خشبة العرض ومحاولة لصق الجمهور في النص.
يذكر أن المسرحية كتبها أسامة أنور عكاشة كتبها قبل ثماني سنوات، ولم تعرض حتى الآن بسبب رفض الرقابة المتكرر لذلك طوال هذه الفترة.
ناقد سينمائي
|