|
| شعار مهرجان كان
|
مثل أغنية فيروز الشهيرة التي خرجت بها عن وقارها المألوف، وغنت "مش كاين هيك يكون"، جاء مهرجان "كان" في دورته الرابعة والخمسين؛ ليكون – مثل أغنية فيروز - كلاما غير مرتب، لكنه يقول شيئا ما!
شهد المهرجان السينمائي الأكبر والأشهر في دورته هذه تغيرا ظاهريا تمثَّل في مدير جديد له، وضع بصمته بحشد أكبر كَمٍّ من الأفلام الفرنسية التي شاركت في أقسامه المختلفة، وكادت من كثرتها أن تحوله لمهرجان قومي محلي، رغم عدم فوز أي منها بجائزة كبرى.
وجاء التغير الثاني في طبيعة المهرجان بتنازل فرنسا عن اعتزازها الثقافي ورغبتها في مقاومة الزحف الأمريكي الداهم، لدرجة أن شعار المهرجان "رجل يرفع قبعته تحية للعولمة"!!
أما التغير الثالث؛ فهو في طبيعة موضوعات الأفلام وطريقة تناولها، لنشهد بذلك تراجعا لأفلام الحركة والعنف، في شكلها التقليدي، لتعكس الأفلام حالة من العنف الذاتي، والرغبة الإنسانية المهووسة في تدمير الآخرين حولنا، وهو انعكاس لحالة عامة في المجتمع دون شك.
الأفلام المقدمة
ففيلم "أستاذة البيانو" للمخرج النمساوي "ميشيل هانيك"، والذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، وفازت فيه بجائزة "أحسن ممثلة" الممثلة الفرنسية "إيزابيل هوبير" عن دورها في الفيلم نفسه، كما فاز بجائزة "أحسن ممثل" الممثل الفرنسي "بينوات ماجيميل".
تدور أحداثه حول شخصية "إيريك هوت" أستاذة البيانو التي تعيش مع أمها العجوز التي تعاملها بقسوة وتحاسبها على تصرفاتها، رغم أنها تعدت سن الأربعين، وتكتشف بعد ذلك أن أمها من تركيبة نفسية مختلة، تجمع بين المازوخية والسادية التي تدفعها إلى تعذيب نفسها والآخرين بقسوة وعنف دموي يصل إلى حد الوحشية، ورغم قسوة الفيلم فإن أداء إيزابيل يجعل المتفرج يتعاطف مع شخصية البطلة.
وهناك فيلم "الوعد" الذي كان مرشحا للفوز بجائزة أحسن ممثل للأمريكي "جاك نيكلسون"، والفيلم مأخوذ عن قصة الكاتب الشهير "فريدريك دورينمات"، وتكلَّف 30 مليون دولار، ويتناول قصة راعي كنيسة يقوم بسلسلة جرائم واعتداء وقتل ووحشية لفتيات صغار تتراوح أعمارهن بين 8 و10 سنوات، بعد استدراجهن بالهدايا في أماكن بعيدة، ويؤدي فيه "جاك نيكلسون" شخصية ضابط المخابرات "جيري بلاك" الذي يكلَّف بالتحقيق في قضية العثور على جثة طفلة عمرها 8 سنوات وُجدت مقتولة وسط الجليد بجبال نيفادا.
أما فيلم "الأرض غير المأهولة"، الذي فاز بجائزة أحسن تصوير، والذي أخرجه المخرج البوسني "دانيس تانوفيتش"؛ فقد تحدَّث عن عنف من نوع آخر هو العنف السياسي؛ إذ يتناول الجانب الأحمق في الحرب، ويقدم رؤية سياسية ساخرة للحرب وصورة المجتمع الدولي وقوات حفظ السلام الدولية والإعلام؛ حيث يتناول القضية من خلال جنديين أحدهما من الصرب والآخر من البوسنة، يجدان نفسيهما في خندق واحد بالمنطقة الواقعة بين خطي النار، بجوار جندي جريح ينتظر الموت فوق قنبلة موقوتة.
السعفة الذهبية
|
|
لقطة من فيلم غرفة الابن
|
ومع أنه لم يكن هناك إجماع بين النقاد على فيلم معين لترشيحه للفوز بالجائزة الكبرى للمهرجان، فإنه تبدّى في الأفق خلال الفترة الأخيرة من المهرجان قَدْر من الإجماع بين آراء النقاد أدى إلى فوز فيلم "غرفة الابن" للإيطالي "ناني موريني" بجائزة السعفة الذهبية للأفلام الطويلة لهذا العام.
وهذا الفيلم يسير في نفس دائرة التجول النوعي للعنف؛ حيث يقدم من خلاله المخرج تجربة إنسانية قاسية، يمر بها طبيب أمراض نفسية عندما يفقد ابنه الشاب (18 سنة) في حادث أثناء رحلة غوص، ويشعر الأب بألم وحزن شديدين؛ لأنه لم يودع ابنه في اللحظات الأخيرة، بعد أن ترك أسرته خلال الإجازة التي يمضونها على البحر؛ استجابةً لطلب عاجل من أحد مرضاه.
كما كان هناك أيضًا الفيلم الإيراني "سفر قندهار" للمخرج الإيراني "محسن مخملباف" الذي تناول قضية وضع المرأة في أفغانستان، والقهر الذي تتعرض له؛ ليكون محور فيلمه الذي يدور حول فتاة أفغانية مهاجرة في كندا، تضطر للعودة إلى أفغانستان؛ لكي تنقذ شقيقتها من الانتحار، وخلال الرحلة تشاهد الأوضاع الاجتماعية والصحية المتردية التي يعاني منها بلد يقع فريسة التخلف والتعصب الديني والفكري.
وهكذا أكد المهرجان هذا العام أن العنف ظاهرة مستقرة في عالم ينسحق فيه الإنسان تحت وطأة أوضاع لم يصنعها وظروف لم يشارك فيها، وبالنظر إلى كَمّ الأفلام الغربية التي تُعبر عن سيطرة العنف بكافة أشكاله وصوره؛ يصبح من الواضح أن تلك الشعارات التي يرفعها الساسة وصناع القرارات في الدول الغربية – بكل غناها وتقدمها وما تعلنه من حرصها على رفاهية مواطنيها والارتقاء به – إنما تكمن في داخلها أمراض اجتماعية خطيرة، تنْخُر في عظامها، وتطرح إلى كل هاوية سحيقة كل الشعارات الكاذبة التي فضحتها مشاهد السينما المعبرة بصدق عن حالة التردي التي وصلت إليها تلك المجتمعات.
اقرأ في الموضوع:
|