English

 

الاثنين. يوليو. 16, 2001

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

يوسف وهبي.. أرستقراطي انحاز للفقراء‍!

مصر- حتى الآن ما يزال تاريخ ميلاد الفنان الراحل يوسف وهبي غير محدد، وقد اختلف عليه ما بين الأعوام (1898 - 1901)، لكن المعروف أنه وُلد في مدينة الفيوم لأب أرستقراطي يعمل مهندسًا للري هو عبد الله باشا وهبي، ويحمل كل تقاليد الطبقة الأرستقراطية الثرية وأم من ذات المستوى وخمسة أشقاء تولوا أرفع المناصب.

وكان أول عهد يوسف وهبي بالمسرح والتمثيل من خلال فرقة "أبو سليم القرداحي" الممثل اللبناني التي شاهدها في بلدته، ومن خلالها أحب يوسف وهبي فن التمثيل وعشقه.

ثم كانت انطلاقاته بعد ما جاء هو والأسرة إلى القاهرة، وتعرف على الفنان محمد كريم، وبدآ معًا محاولاتهم للتمثيل.. كل هذا وهو دون الثالثة عشرة رغم معارضة والده للتمثيل.

وظل هو في دراسته حتى حصل على شهادة المعهد الزراعي، وهو يمارس هوايته، متحديًا تقاليد طبقته الأرستقراطية.

إصرار رغم الصعاب

ثم سافر إلى إيطاليا؛ ليدرس التمثيل، مخالفًا والده وتاركًا أسرته وراءه، مصممًا على دراسة فن التمثيل بمعهد "الكونسرفتواردي دراماتيكا"، وهناك عمل بإحدى الفرق المسرحية، وكذلك بالعديد من المهن البسيطة ليغطي نفقات تعليمه وإقامته، وكان قد اتخذ لنفسه اسمًا فرعونيًا فنيًا هو رمسيس.

ثم عاد يوسف وهبي بعد ذلك إلى القاهرة بعد أن أكمل دراساته المسرحية، وكان والده قد تُوفي تاركًا له إرثًا كبيرًا أنفقه على إنشاء مسرحه الجديد "مسرح رمسيس"، وفرقته المسرحية التي ضمت عزيز عيد وفاطمة رشدي وفاطمة اليوسف".

وبدأ أولى مسرحياته على مسرح "راديو"، وكانت عام 1923 باسم "المجنون"، وتوالت أعماله المسرحية الواحدة تلو الأخرى، أحيانًا تقابل النجاح وأحيانًا تقابل الفشل، وتميزت أعماله بالكثرة في الموسم الواحد، وكان معظمها يحمل الطابع الميلودرامي، وكذلك غالبيتها مترجمة عن أعمال عالمية لشكسبير وموليير وأبسن، وقد عمل رغم ذلك على تشجيع المسرحية المؤلفة المصرية، والتي كانت بداية للاهتمام بالكتاب المسرحيين من المصريين.

وقد عمد يوسف وهبي بجانب تمثيله الأدوار الرئيسية في مسرحياته إلى التأليف والإخراج، وكان يهدف من وراء أعماله إلى نشر الوعي الاجتماعي ونقد عيوب المجتمع؛ حيث عرض لمشكلات، مثل: الزواج من أجنبيات، وأطفال الشوارع، والصراع بين الضمير والعاطفة، كذلك عمد إلى محاربة الاستعمار والفساد.

لقب رائد المسرح

وتكمن أهمية يوسف وهبي كأحد أهم الرواد لفن المسرح المصري؛ حيث إنه قد أدخل روحًا جديدة على هذا الفن، ووضع تقاليد له ما زالت تُؤرخ باسمه حتى الآن، فقد أدخل أفكارًا لم تكن معروفة في المسرح المصري مثل فكرة الموسيقى التصويرية قبل رفع الستار، ولم تكن معروفة إلا في أكبر المسارح في العالم، وكذلك اهتم بالديكورات والإضاءة باعتبارهما أهم مكملات للعرض المسرحي.

كما اهتم بتوعية جمهور المسرح، وتغيير الاهتمام بالمسرح الهازل إلى الاهتمام بالفن والمسرح الجاد، وقد منع التدخين في قاعات العرض، وعمل على احترام مواعيد رفع الستار، ووضع "إتيكيت" للممثل، متمثلاً في الحفاظ على المواعيد، والالتزام بالنص، وتنفيذ تعليمات المخرج، وهو ما دفع الحكومة لتكليفه عام 1933 بتشكيل فرقتها المسرحية التي كانت نواة المسرح القومي فيما بعد.

وظل يحاول من خلال مسرحه محاربة الفساد والاستعمار، متمردًا على طبقته، وساند ثورة 1952، وعمل على تأييدها من خلال أعماله التي بدت ذات ميول اشتراكية، وتدعو إلى نشر المحبة والإخاء.

وكان لدى يوسف وهبي العديد من الصفات الطبيعية التي حباه بها الله، والتي كان لها كبير الأثر في تفرده، مثل: طول القامة، ونبرات صوته القوية، وكذلك قوة الشخصية، والثقافة الواسعة، مع إجادة عدة لغات، وهو ما هيأه للاطلاع على كثير من الثقافات، وكذلك على تاريخ المسرح العالمي، ومن أهم أعماله التي تُعد علامات في تاريخه الفني "كرسي الاعتراف"، و"راسبوتين"، و"أولاد الفقراء"، و"المجنون".

المجتمع بين الجد والهزل

ورغم أن يوسف وهبي أثرى الفن المسرحي وجذب اهتمام المثقفين المصريين بفن المسرح الجاد، فبدأت الحركة النقدية تهتم بالمسرح وظهرت مجلات متخصصة في النقد على أيدي أدباء مثل العقاد ومحمد حسين هيكل والمازني- فإن مسرحه توقف نتيجة ظهور مسارح الهزل واهتمامها بالمشاكل الاجتماعية في قالب ساخر يختلف عن الطابع الميلودرامي الذي يقدمه يوسف وهبي، وكان من أشد منافسيه في هذا المجال نجيب الريحاني وعلي الكسار. ثم توقف عن العمل المسرحي ليستكمل مشواره مع الأفلام السينمائية في التمثيل والإخراج.

وتقديرًا لأعماله الفنية القيمة منحه الملك فاروق رتبة البكوية، وحاز جائزة الدولة التقديرية والدكتوراة الفخرية عام 1975م من الرئيس السادات، كما منحه بابا الفاتيكان وسام الدفاع عن الحقوق الكاثوليكية، وهو أول مسلم يحصل على هذه الجائزة.

وظل يعمل في التمثيل حتى وفاته في أكتوبر عام 1984، مع رصيد يصل إلى 320 مسرحية، و62 فيلمًا سينمائيًّا.

والآن يمر قرن على ميلاده قضى معظمه على خشبة المسرح وأمام الكاميرات، محاولاً إظهار جوهر الإنسان المصري، مؤمنًا على طول رحلته بأن الفنان مرآة أرضه وشعبه.. ورغم أن معظم ما قدمه كان مترجمًا عن أعمال عالمية، فإنه قدمها بروح مصرية في محاولة لربط الإنسان المصري أكثر بأرضه ومشاكله.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم