English

 

الخميس. سبتمبر. 7, 2006

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

ريـم والوحش

Image
  اقتربت الساعة من الثانية ظهرا، انظر إلى ورقة الامتحان بقلق، تتصبب يدي عرقا لا أستطيع التركيز فلم يعد أمامي سوى ساعة واحدة للموعد المحدد، بعدها لن أستطيع المبيت في منزلي.

أغلقت قلمي ولملمت أوراق الإجابة، سلمتها بعجلة للمراقب، ينظر إلي بعينين حائرتين كأنه يود أن يسأل لم التسرع، أتجه بنظراتي نحو الساعة خلفه فيستدرك نفسه بنظرات متفهمة يستلم الأوراق ولسان حاله يقول أعانكم الله.

أسرعت نحو بوابة الجامعة وجدت أصدقائي ينتظروني هناك وقد امتلأت حركاتهم ونظراتهم قلقا وغضبا.

_ لم تأخرت؟!

_ حاولت أن أنهي ما استطعت من الامتحان، كيف كان امتحانكم ؟

_ ليس بمهم، المهم الآن أن نستطيع الوصول بأقصى سرعة، أم تود منا أن نبيت على (الحاجز)!!

لم أعرف كيف أرد رغم ما بذلته من عجلة، فتابعت طريقي معهم في صمت لم يقطعه سوى صوت فرامل سيارة الأجرة وصوت سائقها يطلب منا الصعود من دون الحاجة لسؤلنا إلى أين!

لم تمض سوى دقائق قليلة حتى وصلنا إلى (الحاجز)، نظرت من حولي فإذا بها المعاناة اليومية نفسها، شمس صيفية تتربع وسط السماء، كيلومترات ممتدة بالشمس تطول وتقصر، مريض هنا وشيخ مسن هناك، عجوز هنا، وهناك أم بأطفالها منهم من لم ير النور بعد.

تنهدت بصمت لأكمل طريقي بين قصص من معاناة بشرية ترويها وجوه شاحبة مرهقة قد ملت الاستنجاد فلم يعد أمامها إلا أن تحتسب وتكمل طريقها بصمت غلفهُ الغضب...

أغرق البحر بعينيّ لعله يمتص جزءًا من غضبي، وأهجرهما عن الجهة الأخرى فالشعور بالذل مقيت، أصعب من أن يوصف.

تابعت مسيرتي، الصور هي نفسها تتكرر كل يوم، بل تزداد اضطرابا وشحوبا، لم يغيرها سوى صوت عذب رقيق تطرق إلى أذني فأتبعته بصري...

 قدماها الصغيرتان تداعب الأرض ببطء، ابتسامتها البريئة تقتل الإحساس بالألم، طفلة في زهاء العامين تضحك بلا منغص، لا تعرف للخوف معنى ولا للموت اسم.

تداعب الناس جميعا، منهم من يبادلونها العبرات الباسمة، وآخرون أعاقتهم همومهم من التبسم لطفلة صغيرة.

مالت عن الطريق، تلاحق زهرة حمراء وحيدة، عبيرها مسكٌ قد غطى المكان. ابتعدت أكثر بدأ يعتريني القلق لم أفكر قبل هذه اللحظات أين أمها أو أباها أو إخوتها عنها... أهي ضائعة أم علقت في زحام الأرجل؟!

بدأ الوحش يتململ في مكانه، يهز قرنه الوحشي يمينا ويسارا.. ازددت رعبا اضيقت أنفاسي، أصبح ثلاثتنا في مستوى واحد، تناقض غريب لم أشهده أعهده من قبل، حركته كزلزال يرج الأرض، براءتها كنسيم صباحي عذب، موت وحياة، خير وشر، سعادة وألم... كأن معاني الدنيا جميعا امتثلت أمام عينيي، يتبعها بقرنه الوحشي مع كل خطوة تخطوها، تجمدت في مكاني لم أستطع الحراك انخفضت الجلبة من حولي حتى انعدمت لم يبقى سوى صوت ضحكة صغيرة تنساب من بين الجموع لتداعب أذني بلطف، أرفع نظري لأعلى حيث الوحش قد جمع كل قواه وصوب قرنه الوحشي لأنموذج الحياة، كأنها منافس عنيد أو فريسة سهلة، لا أدري قد يبدو الأمر له سيان...

تزداد دقات قلبي وتنقبض، أغمض عيني وأفتحهما لأجد في كل مرة أن المسافة الفاصلة بين الموت والحياة تضيق وتضيق...

أصرخ بداخلي، أحاول الحراك لم تسعفني قدماي كأنهم عامودان ثابتان في الأرض، لم يبق لي سوى الرجاء.

 فجأة يأتي صوت الأمل ويكسر الصمت من حولي...

- ريم...ريم...

مازال يتردد يقترب أكثر فأكثر، لم تمض سوى لحظات حتى رأيتها تعانق ريم تضم ريم بشدة لصدرها وتحملها لبعيد، لا أدري كيف ظهرت من بين الجموع! بكل سهولة اخترقت حاجز الخوف تعدت شجاعة الفرسان لم يكن أمام عينيها سوى ريم، تعصرها بين ذراعيها وهي تبكي وريم تبكي، تبكي زهرتها التي تركتها وحيدة، كأنها تعاتب أمها لما باعدت بينهما...

تنفست الصعداء، لكني ما زلت جامدا في مكاني، يمر شريط لحظات قد خلت أمام عيني كأنه دهر كامل، لم يوقظ جمودي سوى صوت أحد الأصدقاء

- أحمد... أحمد... هيا بنا لقد تأخرنا.

- نعم هيا بنا.

 تمضي الأيام وتمر الأشهر تبقى ريم محفورة في ذهني لأراها في كل ما أرى، ها أنا ذا أعود اليوم للحاجز بدون حاجز، لأجد ريم على أطلال الوحش، تقطف الأزهار، تلاحق الورود، تنظر إلى أمها بضحكتها البريئة نفسها، وتلوح بيدها الصغيرة لها، ثم تعود لملاحقة الأزهار ومداعبة الورود، أحضنها بنظراتي، أعانقها بابتسامتي، بكل خطوة تخطوها تنفرج أساريري أكثر فأكثر أود أن أضمها إلي واركض معها بين الورود.

 أرفع نظري لأعلى فلا أجد الوحش، أعلى قليلا فلا أرى الوحش، أعلى أكثر لأراه ليس ببعيد والدخان يتصاعد في أثره ومازال رافعا قرنه الوحشي، مكشرا عن أنيابه التي لوثت بالدماء ومازالت تقطر دما... فتتقلص ابتسامتي و تنكمش فرحتي، فيأتني صوت الإيمان من داخلي مسرعا يصيح بي بقوة هزت كياني: "اصبر! اثبت ولا تحزن".. يستجيب وجداني لهذه الكلمات ترتسم ابتسامة أعرض على شفتي وتتملكني قشعريرة بثوب الفرحة.. فالريم التي أرى الآن هنا، أراها هناك وهي أيضا تقطف الزهور.

النقد والتعليق

تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان:

أتساءل دومًا هل فترات الأزمات لدى الشعوب هي خالقة الإبداع والابتكار؟ وأجد الإجابة بنعم هي الصحيحة، لكنها لا تنفي الإبداع والابتكار عن لحظات ما بعد الحرية، وإن كانت لكل فترة سماتها الخاصة، لكننا لو قرأنا ما كتبه تولستوي قبل وبعد الثورة البلشفية فسنجد بالتأكيد اختلافًا، ولو قرأنا ما كتبه محمود درويش وما كتبه أمل دنقل وكثيرون فسنرى الفرق، إذ لحظاتُ الوحدة والعزل والشعور بالاحتلال لحظات غاية في الروعة، لها القدرة على تكوين مناطق شديدة الخصوبة في الإبداع، فكل فرد في وطن محتل لديه مناطق تميز غير الآخرين، بل إن لكل فرد رؤيته وتصوره ومنطق تقبله للمستعمر.

هذا ما أجده متحققًا أمام عدد من النماذج للكتاب الفلسطينيين الذين أقرأ لهم فأنا الآن أمام ملمح مختلف عما قرأته من قبل، ملمح هذا الإنسان الذي يحاول أن يعيش باعتيادية متعايشًا مع العدوّ بصورة أو بأخرى ومتقبلاً له في قرارة نفسه بانكسار شديد، فلا يهتم بإجابته في الامتحان كما يهتم أن يصل في الموعد الذي حدده المستعمر حتى يمكنه عبور الحاجز المفتعل ليصل إلى بيته. هو تعايـُش ضمنيّ وشكل من أشكال الخضوع والانكسار إزاء المستعمر. هذه الحالة التي تُـشعر بالخزي أمام طفلة صغيرة لا تعرف الخوف بعد، فتنفلت إثر أحلامها تقطف أزهارها غير عابئة ببارود أو مخاوف سحق. "ريم والوحش" عنوان يشي بقصة للصغار تكتشف عند قراءتها أنها مجرد محاولة للحاق ببراءة الأطفال التي افتقدها البعض، يلتقط أحمد لحظة عبور الحاجز ويحاول أن ينقل الصورة موضحًا العبء النفسي في جمل مثل: "فإذا بها المعاناة اليومية نفسها، شمس صيفية،.. مريض هنا وشيخ مسنّ هناك..."

وهو يدافع هنا عن استسلام بطله أمام شجاعة الطفلة ريم فنجده يقول

"تنهدت بصمت لأكمل طريقي بين قصص من معاناة بشرية ترويها وجوه شاحبة مرهقة قد ملت الاستنجاد فلم يعد أمامها إلا أن تحتسب وتكمل طريقها بصمت غلفه الغضب". وإن كان يحاول أن يدفع عنه الاستسلام ويشير لوجود غضب شديد.

القصة في أغلبها تجنح للوضوح ولا تحتاج إلى المجاز فحتى مع عدم ذكر الأسماء فالقصة تعطي نفسها لقارئها؛ فلا يحتاج إلى أي مجهود ليعرف أن القاص يتحدث عن فتى فلسطيني، والوضوح والمباشرة هنا لم يأتيا في غير صالح النص، بل وظفهما القاصّ بشكل جيد، وابتعد عن المباشرة المخلة. ولكن غيرُ المُبرَّر هو هذا المجاز العالي جدًا عند الحديث عن العدو الإسرائيلي وتمثيله بالوحش، وهو مجاز غير قوي، أعتقد أن القاص ربما لجأ إليه تمشيًا مع الحلم والأمل الذي استولده من هذه الطفلة الصغيرة وشجاعتها.

القصة تميزت بالجملة التقريرية القصيرة، والانتقال بالوصف من لقطة لأخرى دون إطناب، وتحولت في نصفها الثاني للاسترسال والمجاز. وأتصور أنه لو تم مزج المباشرة والمجاز في عموم القصة فسنجد قصة مختلفة ومتميزة

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم