|
كان اليوم حارا..
تلك الحرارة التي تشعر بأن لها وجودا ملموسا وكأنها جزءا من مكونات الشارع.. جزءا بارزا من الفضاء.. يجثم على صدرك.. يلدغك في خديك.. يشعل جبينك نارا.. وتشعر بألسنه اللهب تعبر فتحتي أنفك مع كل شهيق وزفير..
وأسفل تلك الخوذة المعدنية أشعر برأسي (تغرق) في المياه الساخنة وكأن عقلي نفسه في سبيله إلى أن يُسلق..
وأمامي عند الأفق القريب تبدو لي الموجودات بصوره مهتزة عبر تلك التموجات التي أتخيلها متصاعدة من أسفلت الشارع الممتد أمامي من وجهه نظري المنخفضة نوعا..
وعند ذلك المنعطف القريب تعلق نظري.. إنهم قادمون من هناك.. كلنا ندرك ذلك.. هل يوجد خطر؟..
بالطبع.. إنهم أخطر من أي شيء يمكن أن تتخيله.. الطاعون.. السرطان.. البراكين.. الزلازل.. السفاحين.. الدائنين.. كل هذه الأخطار لا تقارن بهم..
هؤلاء العرب قنابل موقوتة..
بعد قليل سيظهرون عند ذلك المنعطف في جحافل لا نهاية لها.. وعندها سيبدأ الصخب..
و لكنني لست خائفا.. الأمر بمنتهى البساطة.. بضعه أحجار وبعدها سيصدر القائد الأوامر.. ثم.. (بانج.. بانج).. وينتهي الأمر..
لن يحققوا ما يسعون إليه أبدا..
فأنا هنا.. قدماي راسختان في الأرض.. حذائي الثقيل ملتصق بها بشكل جيد.. دبشك البندقية وكتفي أصبحا شيئا واحدا.. سبابتي اليمنى تعانق الزناد جيدا.. لا توجد قوه في الأرض بإمكانها أن تجعلني أتراجع ولو سنتيمترا واحدا عن الأرض التي أقف عليها.. ولا حتى هؤلاء العرب الثائرين..
*****
متى سيظهرون؟.. بدأت أشعر بالملل.. فتره طويلة لم أغير فيها وضعي المتأهب خلف تلك الحواجز الخراسانية..
بدأت أتسلى بالنظر إلى الوجوه حولي..
على يميني كان ذلك الفتى.. ما أسمه؟.. لا أذكر.. ربما ديفيد.. لأن زملاءنا في الكتيبة كانوا يدللونه.. ديديه..
عندما نظرت لوجهه لم أستطع أن أمنع نفسي من الابتسام.. تذكرته ليله أول أمس عندما كان يرقص مع الملازم كلمان في ملابس نسائيه في حفلتنا الليلية بالمعسكر عشيه قدومنا إلى خط المواجهة..لقد كان مضحكا بحق.. نظرت إلى وجهه الأبيض الناعم وملامحه الدقيقة وحركه فكه الرتيبة تداعب بطريقه باردة تلك اللبانة في فمه.. هذا الشاب يعتبر ما نحن مقدمون عليه مزحه كبيره.. شيء أشبه بإطلاق النيران مع صيحات الكاو بوي كما في الأفلام الأمريكية القديمة..
كان ديديه من أصل عربي.. ربما عانى والداه كثيرا من الاضطهاد.. لذلك فهو لا يتورع عن فعل أي شيء للفت الأنظار إلى نفسه حتى ولو حساب رجولته.. والتي هي أصلا محلا للشك مع ما يتردد كثيرا عن علاقته بالملازم كلمان..
التفت ديديه ناحيتي.. يبدو أنني قد أطلت النظر إليه أكثر من اللازم ويبدو أنه لاحظ ذلك..
نظر لي قليلا ثم ابتسم وغمز بعينه اليسرى مستهزئا.. لم أهتم وأشحت بوجهي عنه.. فعاد يتطلع إلى الطريق أمامنا عبر ناشينكان بندقيته..
لحظات مرت قبل أن أوجه نظراتي الفضولية للتعرف على الجندي القابع إلى يساري..
هذا الوجه أنا أعرفه جيدا.. ماذا كان أسمه؟.. أجل.. بارزوهار.. ناحوم بارزوهار..
بالأمس رأيته في الموقع فتعرفت عليه على الفور.. هززت له رأسي محييا ففعل المثل.. لم تكن علاقتنا تسمح بأكثر من هذا.. فهو لم يكن من أفراد فرقتي.. بل هو من عناصر الفرقة التي كانت موجودة بهذا الموقع قبل قدومنا بالأمس..
و لكن معرفتي به تعود إلى حوالي عام مضى عندما كنا معا في نفس معسكر التدريب في بداية التحاقنا بالجيش..
لم تكن لي علاقة به.. ولكن لم يكن في المعسكر من يجهل ناحوم بارزوهار المتعصب لدرجه تثير الضحك أحيانا..
ابتسمت عندما تذكرت الليلة التي صحا فيها من نومه بعد حلم رآه وأيقظ كل من بالثكنة وهو يصيح بهستيريا..
= الرب غاضب عليكم.. لقد جاءني في الحلم.. يريدكم أن تقتلوا مزيدا من العرب.. أرضوا الرب.. أقتلوا المزيد من العرب.. أقتلوا المزيد من العرب..
كانت حالته في تلك الليلة يرثى لها.. وتطلب الأمر تدخل قائد المعسكر لإخراسه..
لقد تربى ناحوم في إحدى المدارس التلمودية المتشددة.. ومثله مثل كل المتشددين _ في الأعوام الخمس الأخيرة _ أصبح يقدس باروخ جولدشتاين.. الذي قتل بعض العرب في الخليل..
كان باروخ يضع صورة لجولدشتاين على الحائط فوق فراشه في الثكنة.. وكان يقول دائما إن كتاب (سيره باروخ جولدشتاين) في مكانه أحد أسفار التوراة..
عدت من ذكرياتي وتطلعت مليا إليه في تلك اللحظة..
متحفزا تحفزا تاما.. عيناه تضيقان في تركيز.. سبابته متوترة على الزناد.. فكه السفلي ينبض انفعالا..
هذا الفتى ربما لن ينتظر أي أوامر بفتح النيران.. سيفعلها وحده بمجرد رؤية أول عربي.. سيفتح النيران بسخاء تام.. وسوف يصرخ بهستريا وهو يفعل.. وسوف تتسارع أنفاسه من فرط الانفعال..
أذكر مره قال لي أحد المتشددين من زملائنا.. (أن اليهودي الحق هو الذي يجد في قتل العرب نفس الإثارة والانفعال اللذان يجدهما سواه في الجنس.. هكذا أمرنا الرب.. وهكذا يرضى عنا )..
تذكرت هذه الكلمات وابتسمت.. فقد اكتشفت بعدها أن هذا الشاب مصاب بالعجز الجنسي.. ربما من الإفراط في تعاطي المخدرات أثناء مراهقته..
ولكن ما يعنيني أنا من هذا الهراء..
فقط.. أنا هنا.. حذائي الثقيل ثابت في الأرض.. البندقية في كتفي.. سبابتي تعانق الزناد.. ما من قوه في الأرض تستطيع أن تجعلني أتراجع سنتيمترا واحدا عن الأرض التي أقف عليها..
هكذا أمرني أسلافي.. وهكذا يرضى عني أبنائي..
*****
لا أعرف كم مر علينا ونحن في حاله تأهب.. ربما كان وقتا قصيرا.. ولكن الملل في تلك الحالات يكون سريعا..
هذه المرة بدأت أسلي نفسي بالعودة إلى الوراء.. تذكرت أمي وأخوتي.. تذكرت والدي.. تذكرت كلماته لي قبل رحيلي مباشرة..
= الثبات.. الثبات يا إيجال.. هذا ما تحتاج إليه.. هذا ما تحتاج إليه إسرائيل.. لا تهتم بكسب الأرض.. فهذا سيحدث تلقائيا.. فقط لا تتراجع عما كسبته.. الثبات يا إيجال.. الثبات..
كان هذا هو والدي.. وهذه هي أفكاره.. كان دائما يتحدث عن الثبات.. والترسيخ..
كان يتاجر في الأراضي.. وهي مهنه بدأها عندما خدم لفترة في سيناء خلال فترة تجنيده.. فقد نجح في كسب بعض مساحات من الأراضي من العرب باع منها البعض ولكن تجارته فسدت مع قيام الحرب..
وعندما عاد واصل نشاطاته في أراضي الفلسطينيين..
لقد كان والدي يقول إن الأرض هي الثبات.. هي الجذور..
كنت أحيانا أظن أنه مصاب بنوع من الهوس.. هوس الترسيخ.. حتى أني لن أتعجب إذا حفر يوما في الأرض ودفن قدماه ليرسخهما بها..
في حين كان جدي مختلفا تماما.. لم يكن راضيا عن عمل ابنه..
كان جدي يحيا معنا.. ولكنه مات قبل عامين.. مات كما يموت أي عجوز تخطى التسعين عاما.. مات لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يكن قد فعله بعد..
كان رجلا قعيدا.. يحيا على مقعد متحرك..
لم أكن أحبه كثيرا..
أذكر في طفولتي عندما كان يتجادل مع أبي.. كان حديثه مملا.. سمعته مئات المرات.. فكنت أنتظر حتى يبلغ ذروه انفعاله لأتسلل من خلفه وأصفعه على قفاه وأنطلق جاريا.. فيثور ويبدأ في السباب في حين كان والدي يبتسم من موقعه أمام الحوض حيث وقف يغسل أواني العشاء..
كان جدي _ كلود وروفسكي _ من أصل بولندي.. عانى من الاجتياح الألماني لبولندا.. وماتت زوجته الأولى.. ولكنه تمكن من الهرب.. هو ومجموعه من اليهود أثناء ترحيلهم لمعسكر شفيتس الرهيب..
و كما يقول تم هروبهم بمساعدة عدد من الجنرالات النازيين..
كان دائما يقول يقول غاضبا..
= لقد عانينا من النازيين فقط لنصبح ألعن منهم..
كانت هذه هي أفكار جدي الذي جاء إلى إسرائيل عام 1943.. وانضم إلى جماعة إيحود التي كانت تدعو للتعايش مع العرب..
و كان دائما ما يفخر بأنه حضر خطاب يهودس ماجنيس _ أحد مؤسسي إيحود _ أثناء افتتاح الجامعة العبرية في الأربعينات..
كان يقدس هذا الرجل.. وكان دائما إحدى مقولاته في الخطاب.. عندما قال ساخطا..
( إن الصوت اليهودي الجديد يخرج من فوهات البنادق.. هذه هي التوراة الجديدة لأرض إسرائيل )
كان جدي دائما ما يرددها أثناء جداله مع أبي.. وكان هذا غالبا ما يصيبني بالغثيان..
لا أعرف إذا كان من اللائق أن أذكر هذا أم لا.. ولكنني شعرت ببعض السعادة لوفاته..
و لكن ما يهمني الآن في خزعبلات عجوز مخرف..
مادمت هنا.. حذائي الثقيل راسخ في الأرض.. أحتضن البندقية بقوه..سباباتي متحفزة على الزناد.. ما من قوه في العالم يمكن أن تجبرني على التراجع سنتيمترا واحدا عن الأرض التي أقف عليها..
الثبات..
هكذا سيصبح أبي فخورا بي..
*****
انتهى الأمر..
لم أتزعزع..
بعض الجثث العربية تناثرت هنا وهناك.. لا يهمني كم عددهم..أو ما هي أسماءهم.. أو أعمارهم..
المهم أني لم أتزعزع..
الثبات كما قال أبي..
لازلت قدماي راسختان في الأرض.. وستظلان كذلك..
حتى مع الإصابة البشعة الني نعرض لها ناحوم في وجهه بإحدى الأحجار العربية.. فإنه ابتسم وشعر بالرضى لأن مزيدا من العرب ماتوا..
و لكن ليس هذا هو الغرض..
المهم الثبات.. كما قال أبي..
لم أتزحزح سنتيمترا واحدا.. وهذا هو المهم..
فليأتي مزيدا من العرب.. فليأتوا في موجات كاسحه..
فليواصلوا تفجير أنفسهم.. لا يهم..
تدار مباحثات أو لا تدار.. لا يهم..
توقع اتفاقيات أو لا توقع.. لا يهم..
المهم.. أني هنا.. قدماي راسختان في الأرض أبدا..
البندقية في يدي أبدا..
و إصبعي على الزناد أبدا..
فليمت منهم إذن من يموت.. فلن أتزحزح سنتيمترا واحدا عن الأرض التي أحتلها..
الثبات..
كما قال أبي..
النقد والتعليق
تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان:
الكراهية سلاح ذو حدين إذ كيف تتعلم الحياد والموضوعية مع كراهيتك بمعنى أن تعطي لعدوك قدره وقيمته حتى يمكنك التغلب عليه، لكن هذه الحياد لا ينجح فيه الكثيرون فينقلبون إلى تسطيح العدو والتحقير من شأنه ربما متناسين أنهم بهذا التحقير أنما أيضا يحقرون من حجم انتصارهم.
يحاول أحمد حلمي في قصته الجندي أن يكون بطل قصته جنديا يهوديا، فربما هي محاولة استشراف وقراءة لرأي ومعتقدات الآخر من خلال تصور قد يصح وقد لا يكون له أساس من الصحة.
يحاول أحمد أن يكشف من خلال قصته قناعات الجندى اليهودي ومبادئه وكل الأسباب والمبررات التي تجعله يحارب ويقتل ويُقتل.. هذه الأسباب والمبررات التي لا تخضع للجانب المادي.
يدخل الجندي في مونولوج داخلي وهي الطريقة الأنسب للكشف عن قناعات الفرد ومبادئه، وقليل من السرد بطريقة الفلاش باك، يوضح الجندي لماذا هو واقف في حراسته وكيف يحاول أن يثبت أقدامه.
هذه الحالة والفكرة الجديدة في القص التي كنت أتمنى لأحمد أن ينجح فيها ويتغلب على انحيازه للجانب العربي فتأتي صورة الجندي اليهودي كما هى في الحقيقة أو على الأقل أقرب إليها.
يظهر بوضوح عدم تمكن أحمد من موضوعيته وهو يشكك في قناعات الجندى ومبادئه وذلك في عبارات مثل "ما من قوة في الأرض تستطيع أن تجعلني أتراجع سنتيمترا واحدا عن الأرض التي أقف عليها.. هكذا أمرني أسلافي.. وهكذا يرضى عني أبنائي" وأيضا وهو يقول: "لقد عانينا من النازيين فقط لنصبح ألعن منهم" أيضا في عبارة "الثبات.. هكذا يصبح أبي فخورا بي" كما أنه يصف العرب في حديثه بالثائرين وهو غير المتفق مع رؤية الإسرائيلي للعرب حيث يجدهم إرهابيين، في الحقيقة إن أحمد اختار لحظات قصصية جميلة جدا وهي اللحظات التي تمر على الجندي وهو في نوبات الحراسة فهي فترة ثقيلة جدا ومشبعة بالخيالات وأحلام اليقظة واجترار الذكريات، هذه اللحظات الغنية بالأحداث حتى إنه يمكن أن يكتب رواية منها وليس مجرد قصة قصيرة، لكن أحمد الذي اختار بطله عدوا أصيلا لديه، ولدى قطاع غير صغير من العرب والمسلمين لم ينجح في موضوعيته ورغما عنه سقط في شرك الانحياز وكراهية العدو فجعل بطله غير واثق من نفسه وغير مؤمن بمبادئه، وقناعته واهية قائمة على العمل بلا عقل ولا وعي وأنه تقليد للسلف، كما أنه يرى أعداءه ثوريين، وأتصور أن هذه القصة لو طالت قليلا بوجهة النظر هذه كنت سأجد الجندي اليهودي يسلم بندقيته للعربى المقابل وربما طلب الجنسية الفلسطينية أيضا.
الفكرة جيدة، والانتقال في السرد تم بسلاسة ودون إطناب أو ملل فقط ما نأخذه عليك تلك الملاحظات سابقة الذكر.
|