|
حل الظلام، ساد الصمت أرجاء المكان، وظهرت تلك الفتاة الوديعة التي جعلت قلبي يعتصر حزنا وألما، كنت أنخرط في البكاء كلما شاهدتها وهي تستعيد ذكرياتها مع حبيبها الذي ودعته على أمل أن يعود إليها مرة ثانية، ومرت سنوات طويلة ولم يأت وما زالت تحيا على هذا الأمل فتنتظره صباحا ومساء.
راحت تروي قصتها التي بدأت أحداثها منذ طفولتها وأنا أتابع الأحداث باهتمام بالغ لدرجة أنني لم أستمع إلى تعليقات الجالسين بجانبي التي كانت تتنوع بين الأسى والسخرية والضحك أحيانا. كل ذلك لم يخرجني من اندماجي وانفعالي بالأحداث، بكيت طويلا وكأني لم أبكِ في عمري كله، لدرجة أنني شعرت أن دموعي بللت ملابسي بل غسلتني.
انتهت الرواية وكُتبت كلمة النهاية. صفق الجميع وأضاءت الأنوار القاعة، وخرجنا من دار العرض.
ذهبت مع أصدقائي لتناول العشاء، وأثناء العشاء بدأنا نتبادل النكات والتعليقات، وضحكنا كأننا لم نضحك من قبل، وعزفت الموسيقي فتسابقنا إلى الـ"بست" ورقصنا، حتى أوقعنا الرقص على الأرض.
أثناء عودتي إلى منزلي مررت أمام منزله الذي أعتدت أن أمر عليه منذ سنوات طويلة، ولكن في هذه الليلة فقط نظرت إلى أعلى لأرى شرفته التي كنت دائما أراه واقفا فيها، فوجدت بها طفلة جميلة، وأشارت إليَّ وقالت: "باي باي يا طنط".
صعدت السلم وأدرت المفتاح في الباب، دخلت وأغلقت الباب خلفي.
النقد والتعليق:
يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:
العلاقة التي تربط رجلاً -أي رجل- بامرأة -أية امرأة- ظلت تحتل معظم الأعمال الفنية والأدبية منذ فجر الكتابة وحتى الآن، ويعود هذا بالطبع إلى أن هذه الوثيقة هي التي يؤسس عليها بناء المجتمع الإنساني.
وقصة "أشياء ربما تحدث" تدور في جو رومانتيكي بدأ بوصف أحداث فيلم سينمائي كانت نهايته، ومن قبل أحداثه، مؤثرة لدرجة أن الراوية/ البطلة ظلت تبكي، حتى إنها قالت: "بكيت طويلاً وكأني لم أبك في عمري كله، لدرجه أني شعرت أن دموعي بللت ملابسي بل غسلتني".
ثم تغادر الراوية دار السينما، وتنتقل لمكان آخر جمعها وأصدقاءها الذين تناولوا طعام العشاء معها ورقصوا حتى سقطوا أرضا، ثم تمر في أثناء عودتها لمنزلها، رفعت رأسها لتنظر إلى شرفة لم ترها منذ فترة طويلة وتشاهد بها طفلة صغيرة تشير إليها قائلة: "باي باي يا طنط"، وتذكر أن هذه الشرفة كان يقف بها شخص آخر.
ولنا أن نتخيل هذا الشخص ونتخيل أيضا أن هذه ابنته، ونتخيل كذلك علاقتها بهذا الشخص والقصة التي كانت تجمع بينهما.
هذه القاصة -كما قلت- تنتهج النهج الرومانتيكي في الكتابة، وهي هنا تتعامل بشكل ميلودرامي استخدمت في بنائه نسقا تقليديا، جاء متوافقا -أي الشكل- مع مضمون العمل، وبرغم أن القاصة ركزت على فعل خارجي (الفيلم) لتلقي به بالضوء على الفعل الداخلي/ قصتها الخاصة مع صاحب الشرفة، لكنها بهذا جنت على القصة الأصلية التي كتبت من أجلها هذا العمل، والقاصة هنا استخدمت لغة بسيطة غلب عليها الجرس الذي يضر بلغة القص أكثر مما يفيد، كما أن القاصة كانت مطالبة ببذل جهد أكثر في الحبكة حتى تخرج متماسكة، وكان عليها أن تراعي التكثيف في مناطق كثيرة من العمل -رغم قصره أصلا- وليتها استطاعت أن تكمل العمل بنفس وتيرة جملة البداية: "حل الظلام، ساد الصمت أرجاء المكان...".
لكنها استسلمت للسرد والجرس على حساب القص، إلا أن هذه التجربة في مجملها تبرهن على امتلاك كاتبتها ناحية القص، لكنها مطالبة بالتجريب أكثر في طرائق القص والعمل على تطوير أدواتها الفنية.
|