English

 

الأحد. نوفمبر. 19, 2006

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الهــــرة

Image
  كانت غارقة في النوم، كأنها لم تعرفه من قبل، كانت فراشة تحط على زهرة، يداعبها نسيم الطفولة، وكانت تقف بجوارها أمها التي لم تذق النوم بعد، وأنى لها أن تذوقه والأخبار السامة تنغص معيشتهم، فهي تسري إليهم منذ زمن غير بعيد، ولقد سممت هذه الأخبار شرايين وقلب القرية، ولولا أن السم مجرد خبر لفتك بهم جميعا.

هبت الطفلة الصغيرة من سباتها فزعة، بينما أسرعت أمها لتفتح الباب، الذي أوشك أن يتمزق من طرقات الطارق القائل:

"هيا بنا نرحل، فلقد دخل الجنود القرية بالفعل"

كانت الطفلة غارقة في البكاء، ولكن بكائها ضاع سدى في صحراء خوف أبيها وأمها، وأخيرا حملتها أمها على كتفها، بينما حمل أبوها قليلا من الزاد، وحاولت أمها أن تهدأ من روعها، أو قل من روع نفسها.

سألتها الطفلة: "أين نحن ذاهبون؟"

أجابتها أمها، بعد صمت طويل وكأن على لسانها سجّان: "سنرحل"

سألت ببراءتها: "لم ؟"

أطلق السجان لسان الأم كما أطلق سراح دموعها من جفونها، ثم قالت: "لأن الوحوش هجموا على القرية"

***

عندما أراد القوم أن يستريحوا من السير وجلسوا مهمومين غارقين في الأشجان، وجدت الطفلة هرة صغيرة، بيضاء لم يعرف فراؤها السواد قط، عيناها خضراوان، كان مواؤها صراخا، كاد أن يشغل القوم مما هم فيه، لولا أن المصاب أكبر، بيد أن الطفلة داعبت شعرها قائلة: "هل أنت جائعة؟"

ثم ألقت لها بكسرة من رغيف تمسك به، أخذت الهرة تشمه وتفحصه، فاستمرت الطفلة متحدثة: "ألا يعجبك؟... إني أمي تقول لا يوجد سواه... كلي ... كلي"

دخلت الهرة في صراع مع الرغيف، تشد بأنيابها وتثبت بمخالبها، علّها تظفر به.

سألت الطفلة: "لمَ أنت هنا؟ أهاربة مثلنا من الوحوش... ماذا؟ لا تعرفين هذه الوحوش؟ ألم تشاهدها من قبل في التلفاز؟ إنها كبيرة جدًا، وهي ليست من الأرض، إنها قادمة من الفضاء، إن أقدامها كبيرة تدهس البيوت، وتزلزل الأرض، وتصطاد الطائرات من السماء كالدبابير، لها عيون تخرج شعاعا فيدمر كل شيء، تخرج من أفواهها نارًا تصهر هذا الجليد، وتقتلع الأشجار، وفوق كل هذا فهي تأكل الناس"

انكمشت الطفلة فوق الصخرة وهي تقول:

"ماذا؟ تشعرين بالبرد؟ هاكِ معطف أبي إنه ثقيل"

التحفت الطفلة والهرة بالمعطف، ثم نظرت إلى هرتها وقالت لها:

"إنك تسعلين، أتشعرين بالحمى؟ "

ثم مررت يدها فوق فراء هرتها: "إن حرارتك مرتفعة، إنك تتصببين عرقا"

استمرت في حديثها، ولكن كانت الألفاظ تنتزع منها كما ينزع الضرس من اللثة: "لا تخافي... فإن أمي تقول لقد اقتربنا من الوصول..... حقا كم ليلة لنا ونحن نسير، لا تدرين ولا أنا"

***

أخيرا، وصل القوم إلى الحدود وقد أصبحت الأرض نبتا من الناس لم يبق سوى حصاده، ولكن للأسف نبت حنظل.

ناجت الطفلة هرتها في تعجب: "انظري ... انظري... أكل هؤلاء هاربون من الوحوش، لا بد أنها وحوش كبيرة أكبر مما رأينا في التلفاز، ولابد أيضا أنها كثيرة.

خلدت الطفلة للنوم، وهي تلتحف بمعطف أبيها الذي تشبع أتربة، وأوساخ، وعبثت به الأيام، ولم يعد كافيا ليقيها القر.

نظرت الطفلة إلى هرتها وقالت: "المكان لا يعجبك غير مريح أليس كذلك، لا تقلقي فأمي أخبرتني أنه سيأتي لنا غطاء جديد وغذاء لذيذ.... تقولين متى؟ لا أدري"

صمتت وفكرت ثم قالت: "أترين أن تعودي إلى بيتك... ستعودين فإن أمي تقول سنعود"

***

يحضنها أبوها ويقبلها قبلات، لا أظن أنه قبلها لها من قبلُ، ثم يرحل وتلوح دموعه لها ولأمها. تنظر لأمها فتجدها تفيض بالدموع، صامتة لا تنبس ببنت شفة، فلقد حاولت بشتى الطرق أن تثبط من عزمه، ولكنه أبى، فما وجدت كلاما غير الدعاء له.

سألت الطفلة وقد أصيبت بعدوى البكاء: "أين أبي ذاهب؟"

أجابتها أمها ودموعها مازالت تنهمر: "إنه ذاهب يقاتل الوحوش"

قالت الطفلة ، والأمومة التي لم تتبلور بعد فيها، تبرق بعينيها، وموجات صوتها تتذبذب في حنجرتها، ويدها تربت برفق على كتف أمها الجاثية على الأرض: "لا تبكي يا أمي فإني شاهدت في الفيلم أن البطل سيقتل الوحوش وينتصر... أبي سيصبح بطلا"

احتضنتها أمها بشدة كأنها تحتمي فيها وقالت في صمود: "نعم إنه بطل".

النقد والتعليق

تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان:

الهرة قصة تقدم حكاية سحرية هي أليق بعالم الأطفال، ومن ثم جاءت على لسان طفلة هي قلب القصة وهي الراوي في القصة، إضافة إلى الراوي العليم ذلك الذي ينقل حديث الطفلة ويعلق على الأحداث للتوضيح عند اللزوم، وهو راو ملتزم لا يتدخل في رؤية الطفلة للأمر وقد كان ناقلا أمينا.

القصة تعرض ببساطة فكرة تعرض قرية للغزو وكيف يمكن أن يترجم تبرير الرحيل عن الوطن للأطفال، يأتي ذلك في إجابة الأم وهي تقول إن الوحوش دخلوا القرية ومن ثم فلا بد من الرحيل، جاءت الهرة هنا مسببا للحكي وخلق الأسطورة؛ فالطفلة الوحيدة في الرحيل والتي لا تجد مبررًا لدموع أمها ولرحيلها تجد في الهرة الصغيرة والمتشابهة معها في حالتي الجوع والبرد أهم الحالات إيضاحًا لفقد الوطن وأكثرها على الإطلاق تجسيدًا للغربة، هاتين الحالتين التي تحاول الطفلة أن تدفعهما عن الهرة في دلالة رمزية عن كون الأطفال هم من ينهون حالات البعد ويكسرون ببراءتهم حدة الغربة.

تصف الطفلة صورة نمطية للوحوش مستوحاة مما يبثه التلفاز فتخلق حالة أسطورية عن الوحوش، فنجد القاص هاني إسماعيل وقد تعامل برقة شديدة ونعومة متناهية مع حادث بشع وهو الغزو وحالات الغربة والبرودة، فتتسلل البرودة لأجساد القراء والطفلة تجذب المعطف لتدفئ الهرة به، ويكشر الجوع عن أنيابه والطفلة تمنح الهرة كسرات الخبز، وحالات الرضا الاضطراري التي تنقلها الهرة وهى ترفض الخبز في البداية ثم ما تلبث أن تقبله بوصفه الغذاء الوحيد المطروح.

قصة متميزة تنبئ عن قاص واعد ممسك بأدواته ولديه مفاتيح قصصية مختلفة. أملٌ تقدمه هذه القصة كما تقدم الطفلة الأمل لأمها وهي تدشن عودته منتصرًا طبقًا لحكاياتها الأسطورية المستمدة من التلفاز مدللة على ثقافة تنشأ من وسيط مختلف ومنبهة إلى خطورة هذا الوسيط الذي يشكل كيانات الأطفال ومن ثم يشكل مستقبلهم.

القصة تحمل هموما عديدة ينقلها القاص ببراعة ونعومة من خلال طفلته/الراوي وتعليقا مبسطا من راو عليم يظهر في لفتات طفيفة خلال القص.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم