English

 

الأحد. ديسمبر. 3, 2006

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أحلام الموتى

Image
وقفت أنظر إليه وهو مسجى في كفنه فلم أستطع أن أوقف الدمعة التي هربت من عيني وبعد أن أعجزتني كل الحيل كي يسمح لجثمانه بالمرور.

* * * *

حتى تصريح الزيارة الذي كان يحمله قالوا لي بأنه قد أصبح لاغي بموته، ويتوجب علي أن أراجع لجنة التنسيق.

آه من لوعة قلبي حتى جثمانه أصروا على حرمانه من معانقة تراب الوطن.

* * * *

في صباح هذا اليوم حاولت أن أوقظه فلقد آن الأوان ليرى المخيم الذي أمضى طفولته بين أزقته وذلك بعد أن تقرر فتح المعبر ولكن دون جدوى ولقد أكد طبيب الهلال الأحمر وفاته.

* * * *

ليلة أمس كنا نجلس خارج صالة المغادرين نفترش التراب وتحيط بنا الأسلاك الشائكة والأضواء الكاشفة المنطلقة من أعلى نقاط الحراسة تسطع في المكان وبين لحظة وأخرى تتردد على مسامعنا أصوات الطلقات النارية والقذائف التي رافقتنا طوال عشرين يوما مضت، ونحن ننتظر السماح لنا بالدخول إلى رفح. بعد أن تأكدت الأنباء التي سرت حول فتح المعبر في اليوم التالي، اتجه نحوي بعد صمت طويل وقال ماذا يعني لك فتح المعبر تنهدت بعمق وأجبته أتمنى أن تكون قد انتهت معاناة عشرين يوما من الذل، يا عماه لقد تجرعنا الذل بعد أن شممناه وسمعناه ورأيناه والأنكى أنه طلب منا أن نستلذ بمذاقه، يا عم أولا تذكر أبو أحمد الذي نقل إلى المستشفى يقولون إن حالته حرجة وقد يفارق الحياة- صحيح يا بني.

* * * *

التفت نحونا أحد الجالسين وقال:

- هل هناك ذل أكبر من أن يسمع أحدنا صراخ أطفاله يتضورون جوعا ولا يجد ما يقيتهم، حتى الحليب الذي أحضره الهلال الأحمر نفذ بعد الأسبوع الأول

* * * *

فرد عليه آخر

- نعم هناك ما هو أكبر من ذلك حين يرى أحدنا بيوت أهله خلف هذه الأسلاك ولا يستطيع أن يصل إليها.

وهنا التفت الشيخ نحو الجمع وتنهد بعمق حتى كادت العبرة تخنقه وبصوت متقطع بدأ حديثه

* * * *

- أما أنا فالأمر بالنسبة لي مختلف فمعاناتي غائرة في عمق الزمن وليست مقصورة على هذه العشرين يوما إنها سلسة من الأحداث التي مرت بي منها ما وعيته ومنها ما لم أعه لقد بدأت هذه المعاناة حين كنت جنينا في أحشاء أمي حين هاجر والداي ثم فرض علي المنفى رغم عني عام 67 حين كنت طالبا في مصر، يا بني لقد ابتعدت عن فلسطين مكرها وتجرعت مرارة المنافي مجبرا فمن الأردن إلى لبنان ومن ثم تونس لذا أتمنى أن يكون فتح المعبر هو نهاية لسبعة وثلاثون عاما من عذابات المنفى وظلم ذوي القربى

* * * *

هذه الكلمات كانت آخر ما قاله ليلة أمس ولكن يبدو أنها لم تكن أكثر من حلم.

* * * *

وصلت لتوي إلى مكتب التنسيق وهناك شاهدت أم عادل وهي تحمل جنينها الذي وضعته قبل خمسة أيام فبادرتها بالسؤال عن حالها وحال جنينها فطمأنتني وأخبرتني أنه تم تنسيق مروره إلى رفح وبينما هي تهم بالانصراف سألتها

- ولكنك لم تخبريني عن اسمه

أجابتني وهي مولية ظهرها

- معبر

النقد والتعليق

تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان:

الأدب ذاكرة الأمم، لا أذكر على وجه التحديد من قال هذه العبارة لكنني في كل يوم أتأكد من مصداقية هذه العبارة؛ فذات يوم منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما قرأت مجموعة قصصية بعنوان الأرز والزيتون والبارود، كانت ممتلئة بالإحساس وقتها شعرت أنني أعيش في فلسطين، لم تنجح كل الخطب وموضوعات التربية القومية والمقالات الصحفية أن تخلق بداخلي كل هذا الانتماء واليقين بالقضية كما فعلته هذه المجموعة.

ويوم آخر منذ سنوات عديدة أشعر أنني أعيش داخل الأراضي المحتلة بكل التفاصيل فأكره العدو الغاشم وأنا أقرأ كيف يعذب إخواننا في فلسطين كانت الرواية هي "الجراد لا يأكل البطيخ".

والآن أقف أمام قصتك يا سيدي بكل خجل ونحن مهزومون أمام أحلام موتانا وأما تصاريح السفر التي تفقد صيرورتها بوفاة صاحبها فلا تصلح لمرور جثمانه لأرض الوطن، بكيت مرة أخرى أمام هذه اللحظة التي تدمي القلب؛ فأشهد لك بعمل أدبي بديع، قصة متكاملة كما يقولون، لحظة قصصية محددة، لغة مكثفة، مفردات تم اختيارها غاية في الدقة.

أما لفتة الأمل التي تركتها لنا في ذلك الطفل الصغير الذى حمل اسمه (معبر) ليكون بارقة أمل لكل الفلسطينيين الذين ينتظرون دخول أراضيهم والحياة في وطنهم، كانت تلك البارقة موفقة، وجاءت نهاية مشرقة لقصة غلب عليها الحزن في فحواها بل لنقل هو الألم.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم