"إلى "حبيبي" الرائع المزيف!
إلى الممثل المبدع الذكي!
كل التحايا الطيبة
طبعاً في البداية: كيف حالك؟ وأتمنى أن تكون بخير، واشتقت إليك، ولا أدري ماذا أكتب من فرط الشوق! و البارحة لم أستطع أن أنام، و قلبي يؤلمني... وإلى متى يا حبي ونحن هكذا....، وجمع غفير من القبلات الممزوجة بالدموع والأسى....، وسأحطم القيود لأراك...، ولماذا يقفون في طريقنا و ملعونة الدنيا التي..... ، والبقية أنت تعرفها.... يعني تمرين متروك للطالب. أوه.. عفواً.. عفواً، أنت –والله- أستاذ، أنت مدرسة كاملة، لكن أنا عاتبة عليك، لأن التعليم عندكم غالٍ قليلاً، ألا ترى أن ثلاث سنوات من عمري مبلغ كبير، لكن بصراحة، نوعية الدروس المقدمة من قبلكم لا يمكن أبداً تقييمها مادياً، الخطة الدراسية الرائعة تستحق كل سنة وكل شهر بل كل دقيقة دفعتها لسعادتكم، هذا بالإضافة إلى الجانب الترفيهي، والعروض السينمائية الرائعة التي تقدمونها على مدار الساعة، ربما لهذا لم أستطع التركيز على الدروس، ولم أفهم إلا متأخراً جداً، لكن لا بأس.. أيضًا كل تلك الأفلام الرائعة تستحق الوقت المدفوع بجدارة.
ومع ذلك.. سأقولها و أعيدها مرارا: أنا عاتبة عليك، كان المفروض أن تخبرني بمواهبك المتعددة، و الله عيب! ثم كان يجب أن أعرف حتى أخبرك برأيي، أنا لست ناقدة سينمائية ذكية، لكن أنا "حبيبتك"، يعني من حقي أقول رأيي، ولهذا لا تغضب مني إذا قلت لك إن كل أفلامك رائعة باستثناء فيلم البارحة، الإخراج رديء جداً، كل شيء رديء جداً، طبعاً هناك دوماً تلك الابتسامة السمجة، والصوت الممطوط الذي يشنف الأسماع، و"أحبك" المرافقة لكل مشهد بسبب وبلا سبب، كل شيء بلا استثناء ابتداءً من دموعك الكاذبة وانتهاءً بعبارتك الشهيرة والسخيفة معًا: "سأشتاق إليك حتى الموت!".
على أية حال، لقد فهمت كل الدروس، صار بإمكاني الآن أن أقدم أنا دروساً رائعة مثل دروسك، لكن مع الأسف حكاية السينما هذه لا تروقني، شبعت من أفلامك، ويوجد في الدنيا كلها زحمة أفلام، وبيني وبينك: السوق راكدة، يعني شكراً جزيلاً، لم أعد أريد تضييع المزيد من سنوات عمري على تجارة خاسرة. باختصار، لنوقف العرض الآن، لأنني هذه المرة عرفت الحكاية من الألف إلى الياء، ولا يدهشني فقط إلا أنك أنت رغم ذكائك الاستثنائي كما تدعي، تصدق كل أولئك -الذين حتى جدتي المسكينة تسميهم- " العواذل "، طبعاً أسميهم أنا الحمقى والمرضى، ولكن أخبرني، مادامت عروضك القديمة متقنة على ذلك النحو، ترى.. كم دفعوا لك حتى تحولت إلى أجير مخلص؟ أم أن عليّ أن أقول: ممثل بارع؟! عذرًا لجهلي الفني، لكن مهما كان فلا مفر من الاعتراف بأنك ذكي، وعلى نحو استثنائي أيضًا، وبرغم ذلك لا أشعر الآن بالأسف، لأننا يا "حبيبي" انتهينا، ولا أريد أبدًا أي رد على هذه الرسالة؛ مفهوم؟
مع كل الحب السينمائي!
تلميذتك النجيبة "
* * *
"إلى حبيبتي رغم أنفها!
إلى التلميذة الفاشلة!
و إلى قلبك، لأني أريده أن يكون شاهدًا هنا!
كل التحايا الطيبة!
و طبعاً في البداية (ورغم أنفك) كيف حالك؟ وأتمنى أن تكوني بخير، واشتقت إليكِ، ولا أدري ماذا أكتب من فرط الشوق (المصدوم بالتكذيب)!! والبارحة لم أستطع أن أنام وقلبي يؤلمني، وإلى متى يا حبي (رغم أنفك) ونحن هكذا...؟ و(رغم أنفك) جمعٌ غفير من القبلات الممزوجة بالدموع والأسى وسأحطم القيود لأراك.... ولماذا يقفون في طريقنا...؟ وملعونة الدنيا التي........ ؛ والبقية أنا أعرفها..، لا.. عفواً! لم أكن أعرفها، ولم أكن أعرف أيضًا أنني ممثل بارع إلى هذا الحد، أعني إلى درجة أن تُسمي تودُدي نفاقًا وخجلي برودًا وكلمة "حبيبتي" بهتاناً وزورًا !!!!
عفواً.. أعتذر حقا من كل قلبي، أعتذر لسنوات عمرك الثلاث، ولسنوات عمري السبع التي عاش فيها حبي لكِ، لأن حبي لكِ – يا أذكى تلميذة على وجه الأرض- وُلد منذ سبع سنوات، أي قبل أن يكون هناك "عواذل" يدفعون لي أجرًا على حبي، لأنني أؤمن بالجمال، والشيء العفوي يا "حبيبتي" دائمًا جميل وعظيم ويستحق التقدير وليس التكذيب، أما الشيء المصطنع فيقود للملل والضجر بوجود الوشاة أو بعدم وجودهم، لأنه حتى الأجير الرخيص سيتخلى عن "المرتب المغري" فيما لو كلفتيه بقراءة رسالتك القاتلة، والأجير الرخيص أو حتى الممثل البارع لن يكلف نفسه عناء الرد بعد أن طردتِهِ ودفعته من الباب بعبارتك السخيفة: "لا ترد على هذه الرسالة؛ مفهوم؟".
أنا لا أدري كيف يمكن لمخلوقة بدت دوما في عيني آية للرقة و الحنان أن تتحول إلى ديكتاتور يرمي بالأحكام ويصدر الأوامر!!؟ ثم أي قانون هذا الذي يسمح لك أن تهجمي عليّ برسالتك تلك ثم تجرديني من حقي حتى في الدفاع عن نفسي بمجرد أن تذيلي رسالتك السامة بعبارة أكثر سُمِّيةً مثل تلك!؟ إن عملك هذا هو اكبر دليل على أنك تعرفين جيداً بل تؤمنين بأنني أحبك، لأنك تعرفين أنني لن أستطيع أبدًا، مهما حاولت، أن أتوقف عن حبك، أنت تعرفين هذا وتمارسين علي تلك السطوة النسوية المعروفة.
لكن مهما مارستها معي فسأظل أحبك، أنا لن أسمح لأحد، حتى لو كان أنت، أن يحرمني من قدرتي على الحب ورغبتي في الحب، ولن أسمح لك أو لغيرك أن يُملي عليّ مشاعري أو يصدر إلي أمراً بالتوقف عن الحب، أنا أحب وقتما أشاء وكيفما أشاء؛ ومن وكل ما أشاء، وإن كانت كلماتك المجنونة تسليك فلك هذا، أنا أحبك وأحب كل ما تحبين، اكتبي ما تشائين وقولي ما تشائين..، و أنا سأستمر في عرض مشاهد حبي كلها.. كل شيء بلا استثناء ابتداءً من دموعي الصادقة (رغم أنفك) و انتهاءً بعبارتي: "الشهيرة والسخيفة" معًا (هذه وجهة نظركِ أنتِ): "سأشتاق إليك حتى الموت!".
وإن كنت تدعين أنك فهمت كل الدروس فأنا أشك تمامًا في ذلك، لكن لا بأس، أنا على استعداد -ما دمتِ تقولين أنه صار بإمكانك أنت الآن تقديم الدروس- أن أتحول إلى تلميذ مجتهد ومواظب على الاستذكار وحل كل الواجبات الصعبة القاسية التي ستثقلينني بها ولا شك، وحتى لو كنت تدعين أن سوق السينما راكدة فأنا أستطيع مشاهدة أفلامكِ بمتعة لا نهائية، ورسالتك الأخيرة كانت فيلماً رائعاً وقوياً أيضاً، برغم تواضعك الشديد وادعائك بأنك جاهلة فنيًا، وسواء ردَدْتِ أم لم تردي على هذه الرسالة، سأستمر في الكتابة إليك دومًا؛ مفهوم؟
مع كل الحب (رغم أنفك):
تلميذُكِ الجديد
ملاحظة: إذا كنت ستقتُلينني بالامتحانات فأنا بحاجة لبعض المراجعة والشروح، هل ألقاكِ غداً؟ "
النقد والتعليق
تقول الأديبة والناقدة/ عزة سلطان:
التكرار سمة أساسية في تاريخ بني البشر، والتكرار ينسحب على كل أشكال وممارسات حياتنا حتى على إبداعاتنا، ولم تغن مرة أي عمل عن تاليها لمجرد التكرار، فقد تتكرر بشكل أفضل أو أسوأ.. هذا ما أقره نيتشه من قبل وما نؤكد عليها تباعا بما يمر علينا من تفاصيل حياتية.
وفى إطار تكرارية الحياة تستخدم القاصة أسلوب الخطابات في القص إذ يميل البطل إلى كتابة خطاب يحكي فيه كل شيء، ربما لأننا يمكن أن نقول كل شيء في الكتابة أكثر من الكلام، ولكن إذا كانت القاصة أصلا تكتب فلماذا لجأت إلى مثل هذه الحيلة في الحكي، ربما لأنها ترى بطلتها أو الراوي يستخدم الكلام وبالتالي وجدته غير مناسب.
على كل حال كان يمكن للكاتبة أن تستخدم أكثر من راو في عملها، ونحن لسنا بصدد مناقشة الكاتبة في اختياراتها الإبداعية فهي لها مطلق الحرية أن تختار شكل وطريق إبداعها وعلينا أن نناقشها فيما اختارته، فقط أردت أن أطرح بدائل أخرى للحظة القصصية.
استخدمت الكاتبة خطابين بين بطلي قصتها تسرد من خلالها شكل علاقة الرجل بالمرأة وهي تظهر للرجل مدى تمكنها من كشف حيله وألاعيبه، بينما تأتي رسالة البطل لتؤكد على سيطرة الذكر، والقصة رغم وجود شبهة النسوية بها وهي بحس امرأة فإنها تنطلق من مجتمع ذكوري وبنظرة أكثر ذكورية من الذكور أنفسهم؛ فالبطل ينتصر لرغباته ويتحايل على البطلة باستخدام ألفاظها بل وجملها في بعض الأحيان وكذلك منطقها، وأسرها مرة أخرى في حباله.
اللغة جاءت متوافقة مع لغة السرد في الخطابات، وإن جاءت تميل إلى العمق وتعكس ثقافة البطلة وبالأحرى ثقافة القاصة، التي تظهر في اختيارها لجملها ولمنطق السرد وحجة البطلة في الخطاب وكذلك ردها في خطاب البطل، وهى محاولة ناجحة أن تستخدم الحس الذكوري وتنجح في تجسيده بكل هذه الدقة.
ويقول الكاتب/ سعيد أبو معلا:
عادة ما يتساءل أي قارئ لأي عمل أدبي سواء أكان قارئا أو ناقدا، ما هو الشيء الجديد في النص الأدبي الذي قرأه، وغالبا ما تتحكم عوامل كثيرة في الإجابة على هذا السؤال، فهناك الموضوع ومدى جديته، واللغة ومدى شفافيتها وجزالتها ورشاقتها وقدرتها على التعبير وسبك تعبيرات خاصة بالمبدع، وهناك مقدار الدهشة أو شحنة الطاقة التي يمكن للنص أن ينقلها، والتميز في التعبير عن الشخصيات والغوص العميق في تفاصيلها، والقدرة على نقل الحالة الإنسانية... وغير ذلك من المحددات التي يطول الحديث عنها.
قصتك يا "حياة" تميزت من حيث الموضوع والحالة الإنسانية التي حاولتِ توصيلها عبر بطليْكِ، وهي حالة جديدة نوعًا ما ليس في طرفيها (ذكر وأنثى) وعلاقتهما التي هي قصة الحياة، لكن عبر تقديم حالة إنسانية درامية بين فتاة ترفض أن يضحك عليها بقليل من رومانسية وكلمات حسب ظنها، وكما جاء في مقطع رسالتها، وشاب يرفض أن يتوقف عن حبها تحت دواعي اتهامات حبيبته وأوهامها، وإن بدا متعجرفًا في تمسكه هذا الذي أفسد الكثير من إمكانيات التعاطف معه من قبل القارئ.
وهنا جوهر الحالة الإنسانية التي لم تُحسم، أو لم تحسمها القاصة ولم تظهر بوادر حلها، فهي وإن كانت قادرة على كتابة رسالة "سامة" كما وصفها حبيبها، فلا يبدو أنها قادرة على نسيانه أو تركه حتى وإن عزمت على ذلك. وهو وإن كانت رسالتُها "سامة" كما وصفها، فإنه يرفض أن يستسلم لهواجسها، وهو بالوقت ذاته يُظهر عبر كلمات رسالته ذكورية مقيتة لا تتفق مع المحبين غالبًا، تمثلت ببعض التعبيرات التي استخدمها مثل "رغم أنفك" وغيرها كثير.
وهنا دخل القارئ محاولاً تفسير ما يجري، ومع من يتعاطف ويقف إلى جانب من بعد هذا الصراع الدرامي. وأنا كقارئ عادي تعاطفتُ مع الفتاة وتحديدًا بعد تلك النبرة العالية جدًا التي تكلم بها الشاب على لسان القاصة، وهذا يدلل على أن الكاتبة المبدعة انحازت لموقف الفتاة، وربما لا شعوريا، رغم أنها بذلت مجهودًا لا بأس به تمكنت من خلاله من الوصول إلى تقديم نصف القصة بلُغة ذكورية موفقة، لكنها نفس اللغة التي تدفعنا للتعاطف مع الفتاة وتجاهل الشاب، وربما يعد هذا انتصارًا حقيقيا للفتاة أمام مجتمع تعاني داخله كثيرًا.
أما من حيث اللغة فهذا حديث يستحق وقفة؛ فهي لغة وإن بدت رشيقة وقادرة على عكس انفعالات كثيرة ببساطتها وسهولة الانتقال بين الأفكار والتعبير عن المواقف، لكنها هنا ظهرت كلاسيكية بحته دون صناعة لغوية أو فنيات في التعبير والاستعارة والمجاز... الخ.
بمعنى آخر: هما رسالتان تقليديتان، وقد نلتمس هنا عذرًا للكاتبة إذا ما كانت تقصد -بوعي تام- تقديم نموذج لحبيبين كما هما في بساطة لغتهما دون تعبيرات قوية أو تشبيهات بليغة وجديدة.
لكن عموما يفترض لأي كاتب ناشئ أن يطور قاموسه اللغوي، ويحاول أن ينحت تعبيراته الخاصة ومفردات لغته ليصبح النص بمثابة هوية له ودالا على إمكانياته في خلق لغة من اللغة ذاتها.
المحور الثاني المهم الذي يجدر بالقاصة الانتباه إليه يتمثل في إيقاع القصة ذاته، فهو إيقاع واحد تمامًا من حيث فنياته وشكله وبعض تعبيراته وحركة جمله قصيرها وطويلها، فمثلا: لدينا بطلان مختلفان من حيث البيئة والخلفية الثقافية، ومع ذلك لم نلحظ حتى في الشكل أو في أمور أخرى أية خصوصية، فجاء القسم الثاني إسقاطا عن القسم الأول، فيما امتلك الجزء الثاني خصوصية مميزة أظهرت مقدرة الكاتبة على تقديم خطاب ذكوري لكنها أخفقت في تقديم إيقاع مخالف عن الرسالة الأولى.
فهناك شخصيتان، لكن كان واضحًا جدا أن الكاتب واحد، وهذا قلل من إمكانية التعاطف مع القصة في المستوى غير المباشر. وكان يفترض أن يكون هناك تمايز للجزء الأول عن الثاني.
وفي النهاية فالقصة موفقة، لكن الطريق طويل، فالكتابة كما يقول "كونديرا": تقديم كثير الأفكار في قليل الكلام.
|