| يا رائد القــوم الكــرام تحيـّة |
|
مني إليك.. فأنت في العلياء |
| يا أيها الصوفيّ في ذات المـدى |
تستـدرك الطيات في الإيلاء |
| قد جاء نعيك لي.. وظلّي قاصر |
فتمدّد الظلّ القصير ورائي |
| فبكيت جازعة عليك بلوعة |
مفجوعة مفطورة الأحشاء |
| وتحول الكون المضيء حنادسا |
سودا.. كمثل مصيبتي الغبراء |
| وتفجر الحزن الأليم بمهجتي |
وتمثلت صوري من الإعياء |
| قد كنت خدنا للجميع ومرجعا |
للتائهين.. ومأمن البأساء |
| هرولت نحوك لا أحير وبي أسى |
ملتاعة.. في ليلة الإسراء |
| ووقفت ناظرة إليك بحسرة |
مرتاعة.. مرهوبة الأصداء |
| فتبسمت عيناك لي في خفة |
تسمو بإحساسي عن الأشياء |
| لكأنما بك سالك في هيـبة |
روحية لليلة الغنّاء |
| فهتفت في الليل البهيم بحسرة: |
يـا موت زر.. قرّب أوان قضائي! |
| وذكرت خلوتك التي قد جمّلت |
بالذكـر والتهليل في الإمساء |
| ومدائح المختار في إطلاقهـا |
قبسًا إلهيًّا من الأضواء |
| أأبي تركت محاسن الدنيا التي |
وسعت مجال الضرّ والسرّاء |
| ما عدت أهواها وأنت تركتهـا |
ما عاد لحظي للمحاسن رائي! |
| فالبيت يسكنه الذهـول بكدرة |
زادت بأشكال العذاب شقائي |
| والحسّ فيّ عواطف محمومة |
رقراقة في الصحو والإغفاء |
| إني سرقت حقيقتي في لحظة |
وحقيقتي حلم بظلّ بقائي |
| حلمي أبي وحقيقتي كانت أبي |
وأبي له مدَد من الإيحاء |
| ما حيلتي والحلم مسروق وفي |
ذاتي يقين الحجّة البيضاء |
| والحلم مقصور على عمري الذي |
سبق السنين البكر بالإفتاء |
| يا عامر البيت الوسيع بنفحة |
صوفية في كافّة الأرجاء |
النقد والتعليق :
عبد الله المصري
الرثاء في أغلب الأحيان شعر صادق يدل على نبل النفس وترفعها عن مطالب الدنيا؛ لأنه تذكر لدار إليها الرحيل، ومدح في راحل لا يرجو الشاعر منه عطاء ولا مكافأة، ومنذ القدم، والرثاء لحن شجي في كتبنا الأدبية طالما أسال الدموع وهيَّج الأحزان، خاصة إذا كانت التجربة ذاتية، وقد اشتهر شعراء كثيرون مثل الخنساء قديمًا وحافظ إبراهيم حديثًا بهذا اللون من الشعر، واشتهرت فيه قصائد نادرة أصبحت علامات فنية في تاريخنا الأدبي مثل قصيدة أبي ذؤيب الهذلي في أبنائه، وابن الرومي في ابنه، وجرير في زوجته، وقصيدة الرندي في رثاء الأندلس التي لا تغيب عن خواطرنا، ونحن نرى النيران تشتعل في حاضنة الخلافة ومدينة السلام بغداد.
أما رثاء الابنة أبيها فهي الصوفية الرقيقة الوالهة، خاصة إذا كان الأب صوفيًّا، رقيق القلب موصولاً بالله عاكفًا على ذكره ومناجاته.
ولقد كانت أختنا هبة مع أبيها في كل حرف صاغته في قصيدتها، فهي تناديه في أول القصيدة وآخرها، وكأنه حاضر معها يعيش في الدنيا وتطمع أن تلقاه ليرد عليها، ويبلغ بها الوله مبلغه حين تقول:
حلمي أبي وحقيقتي كانت أبي وأبي له مدد من الإيحاء، فلو قرأ هذا البيت أي إنسان فقد أباه فأجزم أنه سيحفظه في قلبه ويردده بقية عمره، إن البيت أنشودة صادقة لكل محزون ومهموم، ودمعة مترقرقة في عين كل مصاب ومكلوم.
ويبدو أن القصيدة كتبتها هبة بعد وفاة أبيها بقليل؛ لأن الحزن يبدو مستبدًّا بها، يشتت أفكارها، فلا تبدأ في وصفه وذكر كرامته عليها وكرامة ترجوها له عند الله حتى تذكر أحزانها عليه وجزعها ولوعتها وتفطر أحشائها لفراقه، ثم تعود لذكر شيء من مناقبه وعاطفة الحب الذي كانت تربطه بجميع الناس حتى تعيده إلى أحضانها وتخص به نفسها وتهرول إليه، وما أن تقف أمامه حتى تذكر محاسنه ومحامده ولا تستفيض في ذلك حتى تعود لتعديد أحزانها وزهدها في الدنيا من بعده.
ولا غرابة في أن يخيم الحزن على ألفاظ القصيدة، مثل مفردات "الحزن والحسرة واللوعة والألم ومفطورة الأحشاء ومفجوعة والأسى ومرتاعة ومرهوبة وشقائي وحنادس"، وتصل في بعض الأحيان لتتسم بالسواد مثل "وسودا والغبراء وكذلك تعبيرات يا موت زر - قرب أوان قضائي- الحلم مسروق - ما حيلتي".
بل ويظهر تأثر هبة بالنزعة الصوفية لأبيها رحمه الله، فتنثر على مرثيتها الحزينة بعضًا من ورود الصوفية من نحو "المدد، ومرجع التائهين، ومأمن البأساء، والقوم الكرام، وليلة الإسراء وخلوتكـ والذكر والتهليل، وسالك وروحية، ومدائح المختار وقبسًا إلهيًّا، ونفحة صوفية".
ولكن ذلك أوضح أن هبة تملك لغة شاعرة، وقارئة للأدب ولها علاقة بالمعجم اللغوي، وذلك في استعمالها بعض الألفاظ مثل "حنادسا"، ولكنها قبل أن تنهي القصيدة، أخطأت في قولها كافة الأرجاء، فـ "كافة" لا تستعمل إلا "حالاً" مثل قوله تعالى "وما أرسلناك إلا كافة للناس" بينما استخدمتها هبة مجرورة بالحرف.
أما الصور فجاءت جميلة، مثل الكناية في "وظلي قاصر" ومثلها " فتمدد الظل القصير ورائي"، والاستعارة في "تفجر الحزن - فالبيت يسكنه الذهول - إني سرقت حقيقتي". ثم الطباق غير المصطنع في قولها "حلمي أبي وحقيقتي كانت أبي".
ولن نعلق على الوزن والقافية؛ لأن هبة تمتلك هذه الأداة، وقد أصبحت أكبر من أن نحدثها في هذه الأوليات.
إذن نحيي هبة وندعو لها بالصبر والأجر، ولا نقول لها من توصية إلا استمري في الشعر، أما الحزن فنحن لا بد أن نحزن ومن لم يحزن لوفاة أبيه فهو جاحد ومن لم يحزن لمحنة أمتنا فليمت بلا رثاء.
|