|
كعادتي كنت أبحث في بعض فهارس هذه الموسوعة الفكرية "إسلام أون لاين.نت"، حتى وقعت عيني على عنوان أثار انتباهي حقا وهو "نبوءات نهاية العالم"، فإذا به عنوان مقالة للكاتب حسام تمام وقد تضمنت نظرة مقارنة بين المنهج الإسلامي -حسب فهم الكاتب- وبعض المدارس غير الإسلامية في قضية النبوءات. كما وردت في المقالة بعض الأفكار التي أود طرح بعض الملاحظات حيالها، على النحو التالي:
النبوءة ومعرفة الغيب
أولا- ذكر الكاتب أن "النبوءة في المنهج الإسلامي غير ملزمة ولا ترتبط بالمستقبل كتاريخ وقائع محددة لا بد من انتظار تحققها، وإلا صار ذلك بمثابة ادعاء لمعرفة الغيب..."، والواقع أنه لم يتضح الأساس الذي استند عليه الكاتب في هذا النفي المطلق الجازم للزوم تحقق النبوءة! إذ كيف لا تكون ملزمة إذا وردت بصيغ مؤكدة عن الله سبحانه وتعالى أو رسوله الكريم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم؟ بناء على هذا القول لا يبقى معنى للوعود الإلهية الكثيرة التي تضمنت البشائر للمؤمنين في القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة؛ حيث ينتفي غرضها من الأساس، بل ويترتب على هذا القول وأمثاله لوازم فاسدة، من قبيل نسبة خلف الوعد إلى الباري سبحانه وتعالى وإلى رسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم؛ الأمر الذي أكاد أجزم أن الكاتب لا يقصده.
من جهة أخرى ما الهدف من نفي ارتباط النبوءة بالمستقبل؟ وما المانع من أن تكون النبوءة -وهي فعلا- من إخبارات الغيب عن الماضي والحاضر والمستقبل؟ خصوصا وهي مستندة على مصادر الوحي المتمثلة في الكتاب والسنة الثابتة. أما المحذور الذي ذكر في المقالة وهو أنها ستكون بمثابة ادعاء للغيب؛ فهو غريب في المقام جدا، خصوصا أن سياق المقالة عن النبوءات التي وردت في الأحاديث النبوية الصحيحة، كما أشير صريحا في المقالة التي جاء في صدرها "والإسلام يدعو إلى الإيمان بما ثبت صحة إسناده من نبوءات وما ورد في كتب الصحاح...".
انتظار النبوءة والعمل لها
ثانيا- ورد في المقالة أن "المنهج الإسلامي يقتضي الإيمان بها دون انتظار تحققها أو العمل على الإسراع بها كما يفعل البعض"، ولا أدري ما هو سند الكاتب من الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة الذي بموجبه انتهى إلى هذه النتيجة؟ وليدعني أسأله: ما هو المحذور الشرعي من انتظار وعد إلهي أو بشارة نبوية؟ فمثلا لقد وعد الله تعالى عباده من المؤمنين الأوائل بانتصار الروم وهم أهل كتاب على الفرس وهم عبدة النار، في سورة حملت اسم سورة الروم، مؤكدا سبحانه لهم {الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
والسؤال: أين هو المحذور العقدي في أن يسلم المؤمنون بوعد ربهم الجازم بنصر المؤمنين في المستقبل القريب، بالنسبة لهم، ثم انطلاقا من هذا الإيمان يعيشون حالة الترقب والانتظار والأمل لتحقق هذا الوعد وهذا النصر؟ إن انتظارا كهذا ما هو إلا ترجمة لإيمانهم وتسليمهم لوعد ربهم، بل إن عدم الانتظار قد يعني نوعا من اللامبالاة تجاه الوعد الرباني، بل قد يستبطن نوعا من التردد وعدم التصديق اليقيني به. ثم إن الانتظار للوعد الرباني والبشائر النبوية لا يعدو أن يكون حالة إنسانية طبيعية لا تستدعي كل هذا النكير والتحذير!
ثالثا- لقد ربط الكاتب في مقالته بين الانتظار والتقاعس عن الفروض الاجتماعية والجهاد من أجل التقدم ومقاومة واقع التخلف والجمود. والحقيقة لا تلازُم بين الأمرين أبدا، بل العكس، وكما أسلفت فإن الانتظار رديف الأمل في الحياة الذي يستبطن النظر بإيجابية وتفاؤل إلى الحياة والى المستقبل؛ إذ "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل".
إن هذا التصور منشؤه ما اعتقده بعضهم خطأ بأن الانتظار حالة سلبية تستدعي شل الحياة عن الحركة وانتظار الغيب لكي يتدخل في حل مشاكل الحياة وتعقيداتها، وهي من المفاهيم التي أنتجت في عصور التخلف والانحطاط التي عاشتها أمتنا. إنه من بين الكثير من المفاهيم الإسلامية التي أسيء فهمها كالزهد والصبر والإيمان بالقضاء والقدر والدعاء والتوكل والإيمان بيوم القيامة والجزاء الأخروي وغيرها، وقد انعكس الفهم المعكوس لتلكم المفاهيم على الممارسات اليومية لكثير من جماهيرنا المسلمة؛ حتى لقد نسب إلى الإسلام زورا أنه أحد أسباب التخلف الذي يعيشه المسلمون، وقيل: إن الدين أفيون الشعوب!!
رابعا- إن من بين الأسباب التي أدت إلى شيوع ثقافة التواكل ما تصوره بعض الناس بأن الوعود الربانية والنبوءات النبوية بحتمية انتصار الإسلام وظهوره واستخلاف المؤمنين ووراثة المستضعفين للإمامة والقيادة وحتمية عودة الخلافة على منهاج النبوة وحتمية ظهور المهدي المنتظر -عليه السلام- وحتمية مقاتلة المسلمين لليهود وغير ذلك من الحتميات والبشائر.. إنما تتحقق بشكل إعجازي يخترق السنن والنواميس الكونية التي تحكم التاريخ، وأغفلوا المقتضيات والشروط التي علق عليها النصر الحتمي؛ ولهذا فإن النصوص لم تحدد تاريخا معينا أو زمنا محددا يتحقق فيه ظهور الدين على الدين كله رغم حتميته! بل نجد القرآن الكريم يشير بشكل عام إلى دور المؤمنين في نصرة الرسالة {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ}، {إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا}، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}، {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. وعليه فإن العلاج للتواكل والتقاعس والجمود ليس باستنكار أصل تلكم المبشرات أو التردد في قبولها أو التشكيك في حتميتها، بل بنشر الوعي لقضية السنن التاريخية والنواميس الكونية التي لا تنفك تلكم الوعود والنبوءات عنها، بل تشكل بعض شروطها التمهيدية؛ فقد أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها.
نبوءة المهدي المنتظر
خامسا- لقد ذكر الكاتب في مقالته المذكورة آراء بعض علماء المسلمين حول قضية المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وقال: "وبين مقتنع بل ومعتقد أنه محمد بن الحسن العسكري المنتظر من ولد الحسين بن علي الذي دخل سردابا في سامراء العراقية، وكان طفلا صغيرا وهم ينتظرونه إلى وقتنا الحالي، ويقفون بالخيل على باب السرداب يصيحون به أن اخرج...!!".
لقد أسفت غاية الأسف من أن يقال مثل هذا الكلام في موقع نقدره كثيرا! إذ هل من الأمانة العلمية أن يساق مثل هذا الكلام المجرد عن أي دليل أو حجة غير اعتماده على بعض الكتب الصفراء لبعض الشيوخ المعروفين بقسوتهم وحدة مزاجهم تجاه مخالفيهم من أمثال ابن تيمية الحراني؟
إنني أطالب كاتب المقالة والموقع والمسئولين فيه بأن ينقلوا لقرائهم بالصورة والصوت وعبر مندوبيهم في سامراء العراق أولئك الذين يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون أن اخرج!! إنني متأكد بأنهم سوف يكتشفون أن ما كتبوه ليس له أي واقع إلا في الكتب الصفراء ومن ينقل منها ثقة بها وغفلة منهم بالظروف التي كتبت فيها والأوضاع التي سطرت فيها!
وأقول: هب أن ما ذكره بعض الأقدمين كابن تيمية وبعض علماء الفرق عن مخالفيهم كان صحيحا في أزمنتهم -وهو غير صحيح- فهل ينطبق ذلك بالضرورة على ملايين المسلمين ممن ينتمون إلى هذه العقيدة في كل عصر وزمان؟ وكيف يجرؤ كاتب أن يذكر مثل هذا الكلام في زمن الفضائيات والإنترنت وما يسمى بالقرية الصغيرة؟
أظن أنه آن الوقت لأن نتحرر من مخلفات القرون الماضية وتبعاتها، وأن ننفتح على الصحيح من مصادر الغير الذي نكتب عنه.
النبوءة والكرامة
سادسا- لقد جاءت النصوص الإسلامية مؤكدة عددا من المبشرات، منها مقاتلة اليهود، حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما مفاده "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر فيقول: يا مسلم هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله..."، وهذه الرواية وأمثالها لا تؤكد حتمية مقاتلة اليهود فقط؛ بل تشير إلى وقوع الكرامات الخارقة التي تساعد المسلم على إنجاز مهمته، ويلاحظ أن الكرامة عامل مساعد؛ فهي لا تنوب عن المسلم الذي يباشر القتال بنفسه.
ومن المبشرات العظيمة حتمية انتصار الإسلام وظهوره؛ فعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي نفسي بيده ليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الرجل من مكة إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه"، ومنها: "سيغلبن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، وسينتشر الإسلام، ولا يبقى بيت مدر أو وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل"، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه: "..إن الله زوى لي الأرض -ضمها وجمعها - فأريت ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها"، ولا مجال للتردد في التسليم بهذه الحتمية الكبرى، بعد أن نص عليها القرآن الكريم {يُرِيدُونَ أَن يُّطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}، {كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}، {قُلِ الْحَمْدُ للهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا}، {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}، {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}.
وعليه لا بد من الإيمان والتسليم المطلق لتلكم المبشرات والوعود الربانية الحتمية، ولا شك أن كل مسلم مؤمن يترقب ذلك اليوم العظيم ويدعو الله سبحانه وتعالى أن يطيل في عمره حتى يشاهد ذلك الانتصار الحتمي (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).
سابعا- كما سبق أن ألمحت فالتعامل الخاطئ مع هذه المبشرات الحتمية نتيجة للمفاهيم الخاطئة التي تسود بعض الأوساط غير الواعية من الأمة لا يسوغ التشكيك فيها أو تفريغها من مضمونها؛ بل ينبغي توعية الأمة بالسنن التاريخية والنواميس الكونية الفاعلة في حركة التاريخ، كذلك فإن استغلال بعض الدول وادعاء بعض الحكام والقادة وذوي المصالح بعض تلك المبشرات النبوية الشريفة كما فعلت المهدية، لا يبرر الاستهانة بها وتهميشها، فلقد ادعيت النبوة مرارا في التاريخ، بل لقد ادعى فرعون الربوبية والألوهية، فقال "أنا ربكم الأعلى" فهل تواجه مثل تلكم الدعوات الباطلة بإنكار أو تهميش الأصول الاعتقادية؟؟
العمل على تحقيق النبوءة
ثامنا- ذكرت أن "المنهج الإسلامي يقتضي الإيمان بها -بما صح منها- دون انتظار تحققها أو العمل على الإسراع بها كما يفعل البعض". لقد سبق التعليق على قضية الانتظار وطبيعته وكونه شأنا إنسانيا طبيعيا بعد أن ثبتت المبشرات بنصوص صحيحة، نعم يتطلب التعامل مع الوعود والمبشرات الحتمية بوعي وفاعلية بحيث لا تتحول إلى ما يشبه المخدر والمسكن، وتصبح عاملا من عوامل الجمود والتخلف. أما قضية العمل على الإسراع بها كما يفعل البعض فلم يتبين الوجه في استنكارها! لأنه استنكار للسعي على توعية الأمة والنهوض بها لتكون أمة ناضجة وقابلة لحمل رسالة الدين والدفاع عنها، ومن ثم تكون الأمة التي يحقق الله سبحانه النصر والتمكين والظهور على يديها، وينجز الله وعده بتحقيق الغلبة لهذا الدين بواسطة.
إن العمل على الإسراع لتحقيق الوعد الإلهي يحتم على الأمة توفير شروط تحقق ذلك الوعد، والسعي لتوفير مقدماته وإرهاصاته، إنه ليس مجرد الأماني وليست التعويذات أو التمائم أو الشعوذات ولا الهروب من ميدان الجد والكدح والسعي والاجتهاد والجهاد بأشكاله المختلفة. نعم.. إن انتصار الإسلام لحتمي، وظهوره لقطعي، ووراثة المستضعفين الصالحين لإمامة العالم وقيادته قضية جزمية لا تشوبها أدنى شائبة، بعد أن صرحت بها النصوص القرآنية والنبوية، وسوف يتحقق ذلك عند ظهور مهدي هذه الأمة من عترة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم من ذرية فاطمة الزهراء عليها السلام، كما أكدت عشرات الروايات في مصادر الحديث لدى المسلمين، إلا أن عقيدة المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف لا تعني بأي حال من الأحوال أن تتقاعس الأمة عن مسئولياتها وفروضها وجهادها، بل -وكما أسلفت- فإن العمل على الإسراع بذلك اليوم يقتضي بالضرورة أن تعد الأمة نفسها إعدادا شاملا؛ لأن ذلك من مقدمات الظهور والتمكين والنصر المبين. صحيح أن هناك روايات تشير إلى وقوع الخوارق والكرامات لكنها تكون عاملا مساعدا كما سبقت الإشارة إليه؛ فإنها لا تلغي دور الإنسان في تلك الحركة الكونية المباركة.
الإيمان بالنبوءة والأخذ بالأسباب
تاسعا- لا شك أن لتحقق النصر العالمي متطلبات ومقدمات كثيرة، وهي بمجموعها لا تخرج عن سنن الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تحويلا ولن تجد لسنة الله تبديلا. ومن شروط تحقق ذلك النصر العظيم -كما دلت النصوص الشريفة- التخطيط والإعداد والتربية والتوعية والصبر والتقوى والإيمان والعمل الصالح والدعاء بتعجيل الفرج والنصر المؤزر الموعود، ولهذا نلاحظ أن النصوص لم تحدد توقيتا معينا لحدوث هذا الوعد المحتوم؛ فهو معلق على شروطه ومقدماته، التي منها مدى استعداد الإنسان وقابليته لتحمل مسئوليات جسام في تلك المسيرة الظافرة الكريمة.
إن مشكلة بعض الباحثين تكمن في بعض التصورات التي تفصل بين الجوانب الغيبية والسنن الكونية؛ فيتصور بعضهم أن انتظار النصر الرباني والعمل على تحقق الوعد الإلهي يستلزم ابتعاد الإنسان عن الساحة الاجتماعية؛ غفلة منهم أن دور الإنسان المؤمن الصالح هو من المقدمات الأصيلة في تحقق الغلبة (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم). بل حتى المدد الرباني ووقوع الخوارق والكرامات والمعجزات لا تلغي دور الإنسان وقابلياته واستعداداته في ذلك. ويمكن ملاحظة ذلك جليا في القرآن الكريم، في بعض المعارك الإسلامية الفاصلة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث يعلق الله سبحانه المدد الرباني على مستوى إيمان المسلم وتحمله وإخلاصه، كشرط أساسي في تحقق النصر والغلبة، يقول سبحانه وتعالى: {بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}، ويلاحظ هنا أن القرآن أكد على الصبر والتقوى كشرط لمجيء المدد الملائكي للمسلمين، وليس لكي تقاتل الملائكة وحدها بل لتساعد المسلمين وتسددهم {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}، ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: {إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، ثم يخفف عنهم لطروء الضعف فيهم وهو تعبير عام لا يحدد نوع الضعف، قال تعالى: {الآَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنْكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، وهكذا نلاحظ حتى المدد الغيبي الملائكي لم ينفصل في القرآن الكريم وفي واقع المعارك الإسلامية الفاصلة عن دور المسلم ومسئولياته الرسالية تحت القيادة النبوية الكريمة.
ومما سبق نخلص إلى أن الانتظار والعمل على تعجيل الفرج والنصر الرباني المظفر لا يتعارض أبدا مع اتخاذ الأسباب والمسببات، وأن هذا التصور لدى بعض الباحثين أو الجماهير المسلمة سببه عدم وعي حركة السنن التاريخية والكونية من جهة، وفهم طبيعة الخوارق والكرامات من جهة أخرى.
الخلاف في شأن المهدي
عاشرا- إن اختلاف المسلمين في قضية المهدي المنتظر عليه السلام ليس أول اختلاف فكري بين المسلمين؛ فلقد اختلفوا في أمور عديدة عقدية وعملية، ووجود المذاهب العقائدية والفقهية أكبر شاهد على ذلك؛ كالأشعرية والماتريدية والسلفية، وهي تمثل أبرز الاتجاهات في العقيدة عند أهل السنة، وهناك الزيدية والإمامية الإثنا عشرية والإباضية عند الشيعة، والمطلوب من عقلاء هذه المذاهب أن يتباحثوا فيما بينهم للتوصل إلى وسائل وسبل للتعاون والتقارب والتعايش مع الاحترام المتبادل، وقراءة تراث الأقدمين الاجتهادي بوعي مع مراعاة الظروف والأوضاع التي كتب فيها، والتعامل معه على أنه اجتهاد بشري قابل للأخذ والرد.
حادي عشر- لقد تمسك بعض الباحثين بما توصل إليه ابن خلدون في إنكار فكرة المهدي المنتظر وتشكيكه في الروايات الواردة فيها، واعتبرها ذريعة بل دليلا على عدم صدقيتها. والواقع أن أكثر علماء الأمة تلقوا الروايات الواردة في هذه القضية بالقبول باستثناء أفراد منهم، بعد أن صرح جماعة من المحدثين بصحة أحاديث المهدي كالترمذي والحافظ العقيلي والحاكم النيسابوري، ولم يعلق عليه الذهبي والبيهقي والبغوي وابن تيمية وابن كثير وابن القيم والسيوطي والشوكاني، ومن المعاصرين المحدث أحمد شاكر والألباني وابن باز؛ بل ادعى جماعة تواترها وألفوا رسائل فيها، كالشوكاني الذي ألف "التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والمسيح"، وأدرج السيوطي بعض أحاديث المهدي من المتواتر في كتابيه: "الأزهار المتناثرة"، و"الفوائد المتكاثرة في الأحاديث المتواترة"، ومحمد بن الحسن الآبري في "مناقب الشافعي"، واحتج بقول ابن القيم في "المنار المنيف"، كما ذكر ذلك العلامة الغماري في كتابه "إبراز الوهم". وخرج أحاديث المهدي من أصحاب السنن الترمذي وأبو داود وابن ماجه.
ثاني عشر- إن ابن خلدون على الرغم من تأكيده على اشتهار هذه الفكرة لدى المسلمين منذ العصور السابقة؛ فإنه لم يؤمن بها. والواقع أن ابن خلدون هو مؤرخ وعالم اجتماع له مكانته في مجال اختصاصه، ولم يكن من علماء الحديث؛ بل بضاعته في الحديث مزجاة كما نبه بعض العلماء، وناقشه بعضهم مثل العلامة أبو الفضل الغماري المغربي، في كتابه "إبراز الوهم المكنون في كلام ابن خلدون"، كما نقد رأي ابن خلدون العلامة أحمد شاكر حيث علق بقوله -حسبما أورده الشيخ عبد المحسن العباد في "الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة في المهدي": "إن ابن خلدون قفا ما ليس له علم، وتهافت تهافتا عجيبا، وغلط أغلاطا واضحة، ولم يحسن فهم قول المحدثين"، ومع ذلك فإن ابن خلدون أشار إلى بضعة وعشرين حديثا، نقد منها أسانيد 19 فقط، ولم ينقدها جمعا، على أنها ليست كل المرويات في هذه القضية. أما كون البخاري ومسلم لم يرويا من أحاديث المهدي فلا تقوم به حجة؛ لأنهما لم يدعيا أنهما رويا كل الحديث الصحيح، ولهذا استدرك عليهما عدد من المحدثين كالحاكم وغيره.
من جهة أخرى وردت في الصحيحين -البخاري ومسلم- روايات تعضد الفكرة من قبيل ما روياه "كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟"، وفي مسلم "فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة"، وهي كما هو واضح تشير إلى بعض الجوانب التي تضمنتها الروايات التي مفادها نزول سيدنا عيسى عليه السلام وصلاته خلف المهدي عليه السلام.
اسم الزائر صاحب المساهمة وقد يكون حقيقيًّا أو رمزيًّا.
|