|
تعد الجالية التركية كبرى الجاليات المسلمة التي استوطنت أوربا على امتداد القرن العشرين، وبالرغم من ابتعاد أبنائها عن الوطن الأم فإنهم احتفظوا بسماتهم المميزة للمجتمع التركي وكونوا مجتمعهم الخاص داخل المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها، وهي السمة التي تميزهم عن عدد من الجاليات الأخرى.
ويزيد عدد الجالية التركية عن خمسة ملايين مهاجر حيث يتوزعون بشكل متفاوت بين الدول الأوربية. فأكثر من ثلاثة ملايين تركي استوطنوا أوربا الغربية منهم مليونان وثلاثمائة ألف في ألمانيا، والبقية بين هولندا 380 ألفا، وفرنسا 260 ألفا، وبريطانيا 210 آلاف، وبلجيكا 100 ألف، ومليونان في أوربا الشرقية منهم مليون ونصف في بلغاريا والبقية بين رومانيا والمجر والنمسا واليونان. وقد أصبح لهذا الكم الهائل من الأتراك تأثير كبير على تركيبة أوربا الغربية والشرقية وعنصر من عناصر القوة التي تضغط بها الحكومة التركية لانضمامها إلى الاتحاد الأوربي.
الصوفية حامية حمى الأتراك
كانت الصوفية -التي وجدت لها دعما من الدولة العثمانية قبل انهيارها- العامل الأهم في حماية الإسلام التركي، فقد واجه الأتراك علمانية أتاتورك المتطرفة بانغلاق الطرق الصوفية حول نفسها وابتعادها عن السياسة لتحاول أن تمتص بعضا من تأثير سياسة تجفيف منابع الدين الإسلامي التي حاول النظام الأتاتوركي العلماني أن يتوخاها، هذه الصوفية التي حمت الإسلام في تركيا قرابة قرن من الزمان هي نفسها اليوم التي تحمي الأتراك في المهاجر من الذوبان في هذه المجتمعات.
ويتوزع أبناء الجاليات التركية بين الطوائف الصوفية المختلفة، ومن أبرزها السليمانية Suleymanis التي ينتسب أتباعها إلى سليمان حلمي طونا خان (1888 - 1959م) وهو أحد علماء الدولة العثمانية الذي ركز منهجه على بناء الحصون العلمية. في أوربا ينسجون على منواله في بناء المدارس والمراكز التربوية والثقافية والتي تحتوي في غالبيتها مبيتات للطلبة.
وهناك أتباع النقشبندية Naqshbbandya التي تعود في تسميتها إلى مؤسسها الشيخ محمد بن بهاء الدين بن لطف الله المتوفى 1545م الذي كان يمتهن النقوش، ومنه جاءت تسمية الطريقة النقشبندية والتي ذاع صيتها في البلاد المختلفة. ويتنوع منهجهم في طرق التغيير بين الحفاظ على تدينهم بالتفرغ للتربية حينا وخوض لعبة السياسة حينا آخر، واسمهم يتغير حسب المكان والزمان والمصلحة، وهم يمارسون نشاطهم في الغرب تحت اسم "Milli Guros" ويستقطبون في الغالب عددا كبيرا من المؤسسات الشبابية التركية الناشطة في الغرب كما يستقطبون عددا من المثقفين، ويتبعهم عدد كبير من المساجد الكبرى في أوربا، وقد ظلوا إلى وقت قريب مرتبطين بحزب الرفاه الإسلامي في تركيا قبل حله ثم انقسموا بعد حله وتأسيس حزبين -السعادة، العدالة والتنمية- إلى معسكرين: الأربكانيين (أتباع الزعيم المؤسس نجم الدين أربكان) والأردوغانيين (أتباع رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان).
أما الطريقة النورسية فتوجه أتباعها إلى الثقافة وإقامة المشاريع التعليمية والثقافية بعيدا عن السياسة، وتعود هذه الطريقة إلى مؤسس الطريقة الشيخ بديع الزمان النورسي (1876 - 1960م) الذي يعده أتباعه مجدد عصره وأنه الذي خرج بالصوفية من الطريقة إلى الحقيقة.
هناك أيضا المؤسسة الدينية الرسمية -مؤسسة ديانات- التي مدت نفوذها خارج تركيا لتلاحق أبناء الجالية في كل أوربا، ورغم تأثير الصوفية بها فإنها ليست بالطبع طريقة صوفية، وقد حاولت أن تمزج بين العلمانية التركية والمؤسسة الوقفية الدينية، ولإن نجحت في احتكار الدين للدولة في تركيا فإنها لم تستطع أن تحتكر هذه الصفة للدولة في المهاجر لوجود مجال من الحرية التي يمكن أن تفسح للجالية حق اختيار الطريقة والأسلوب الذي يمكن أن تعيش به.
وتوجد فرق صوفية أخرى كالمولوية والقادرية.. وغيرهما. غير أنها لا تحظى بنفوذ كبير بين أبناء الجاليات التركية في المهاجر. هذا وتتمركز مجمل المؤسسات التركية في اتحادات مقرها في ألمانيا، ويقل أن تجد تركيا -خاصة من الجيل الأول من المهاجرين- يخرج عن هذا التقسيم، إلا أن الوضع يختلف تدريجيا بالنسبة للأجيال الجديدة من الشباب الذين انفتحوا على تيارات وأفكار غربية وشرقية، لكن تأثير هذه التغيرات ما زال محدودا لطبيعة هذه الجاليات الأشبه بالجيتو المنغلق.
شرقيون أم غربيون؟
ومن المفارقات التي تلفت النظر في هجرة الأتراك خارج بلادهم أنها ظلت محدودة إلى الشرق والبلاد العربية، وكان معظمها من طلبة فروا من متابعات العلمانية التركية، في حين ارتفعت معدلاتها إلى أوربا، يفسر بعض المراقبين ذلك بتوجه النظام العلماني الأتاتوركي والذي قارب على القرن من الزمان، فقد كان التوجه يعلي من كل ما يتصل بأوربا ويرفض تماما كل ما هو شرقي، وهو ما ساهم إلى حد كبير في تقليص الهجرة نحو الشرق، إضافة إلى القطيعة الثقافية والسياسية مع الدول العربية بعد سقوط الخلافة، والشعور الذي ظل يلازم الأتراك بأنهم قادة وأن العرب تابعون لهم وليسوا ندا، وهناك العامل الاقتصادي الأهم حيث كانت الاقتصاديات الأوربية الأكثر استقطابا للعمال في ظل حالة الركود الكبير التي مر بها الاقتصاد التركي؛ وهو ما أسهم أيضا في هجرة العمالة نحو الغرب لا الشرق.
الهوية التركية
الأتراك من الشعوب القلائل التي يصعب تخليها عن هويتها بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فحيثما حلوا بمكان تركوا أثرهم في غيرهم وحافظوا على مكامن هويتهم؛ فالزائر للمساجد التركية تشده زخرفتها الجذابة ومآذنها الشاهقة والمتعددة في المسجد الواحد؛ حتى إنك بمجرد دخولك الأسوار الخارجية للمسجد ستلحظ البعد التركي المتميز؛ فالإمام بقبعته التركية المميزة يتقدم الصفوف وخلفه المصلون يؤدون شعائرهم في المسجد بطريقة متشابهة؛ حتى إنك لا تكاد تلحظ الاختلاف، كما يؤدون النوافل قبل الصلاة وبعدها، ويحوي المسجد إضافة إلى المصلى الخاص بالنساء والرجال قاعة خاصة بالأطفال يعلمونهم تلاوة القرآن واللغتين التركية والعربية.
هذا ويضم المسجد المقهى والحلاق ودكان المبيعات الغذائية والمكتبة، كما زود عدد من المساجد بوسائل الاتصال الحديث من إنترنت وخطوط اتصال خارجية ومبيت لعابري السبيل.
كما يحافظ الأتراك على مظهر ملبسهم الذي يميزهم خاصة النساء من خلال ربطة الشعر أو حجاب المرأة المتدينة.
أما في مجال البيع والشراء فتلحظ من الوهلة الأولى وأنت تجوب الدكاكين التركية حرص التركي على شراء بضاعته من نظيره التركي على ارتفاع أسعارها، في المقابل يحرص البائع التركي على توفير البضائع التركية. وتحمل هذه الدكاكين أسماء إسطنبول وأنقرة وأمرا ومولانا وتركيا... وقد لا ينقص منها عن دكاكين تركيا شيء، بل تزيد عليها بإدراج بيع الكحول تحت غطاء المذهب الحنفي الذي يبيح التعامل بالعقود الفاسدة والبيع والشراء وفق قوانين البلد الذي يعيش فيها المسلم.
إعلام الأتراك في المهاجر
ولا يكاد يخلو بيت تركي من أجهزة استقبال الفضائيات (الدش) الموجه لالتقاط ما تبثه القنوات التركية، وتستهوي قناة 7 الفضائية، وقناة TRTint الموجهتان الجالية التركية في الخارج، وقناة 5 القريبة من حزب السعادة التركي لما تبثه من حوارات iskelesenjak في قضايا تركيا المختلفة وقضايا الجاليات التركية في المهاجر.
كما تبث هذه القنوات الموسيقى والمواويل الصوفية المادحة للنبي صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى مسلسلات تاريخية وتربوية.
وتجدر الإشارة إلى أن القنوات الرسمية التركية الموجهة غيرت هي أيضا إلى حد ما من نوعية البرامج التي تبثها استجابة لكسب المشاهد وتماشيا مع التوجه الجديد لحكومة أردغان. وتقوم محطات التلفزيون بإحياء المناسبات الدينية والوطنية كشهر رمضان والأعياد والمولد النبوي الشريف؛ وهو ما تجد فيه الجاليات في المهاجر ملأ لفراغ ينتابها لبعدها عن الوطن والثقافة التركية.
كما يوجد إلى جانب القنوات التلفزيونية الجرائد اليومية التي تصل إلى أغلب عناوين البيوت التركية سواء بالمجان أو الاشتراك وباللغة التركية، كما توزع في غالبها على كل أوربا، من مثل Zaman التي تمول من جماعة فتح الله غيلان النورسي، وصحيفة تركيا Turkiye التي يمولها أحد التجار الكبار الأتراك، وصحيفة حريات Horriyet المحسوبة على الحكومة. هذا بالإضافة للمجلات والصحف الناطقة بلغة البلد الأوربي والمتخصصة في الشأن التركي والجالية التركية، وهي في الغالب لا تشد الأتراك كثيرا.
الأعمال الخيرية والقضايا الكبرى
الأعمال الخيرية صفة تلازم التركي حيثما حل، وتبرز بوضوح من خلال مؤسسات الإغاثة التي تعمل جاهدة وبشكل مؤثر في المساعدة على إزالة الكوارث الطبيعية والاقتصادية التي حلت بتركيا في العقد الأخير؛ إذ نظمت في هذا الإطار قوافل من المعونات في فترات الزلازل، وترسل الإعانات الاجتماعية بطريقة مباشرة وغير مباشرة إلى تركيا. كما ساعد تجمع الأتراك تحت وحدة اتحاد المستثمرين الأتراك واتحاد عمال الأتراك في جمع التبرعات لبناء المدارس وتشييد الطرق في القرى والأرياف التركية. ويمتلك الأتراك مئات المساجد في أوربا، وقد بنيت كلها من تبرعات الجالية التركية. ويعرف عن الأتراك تحينهم الفرص في شراء الكنائس التي تعرض للبيع لتحويلها إلى مساجد.
هذا ولم يكن الأتراك الموزعون في المهاجر الأوربية بمنأى عن الأحداث الدائرة في العالم الإسلامي؛ حيث يشاركون أبناء الجاليات الإسلامية الأخرى في جمع التبرعات لإغاثة إخوانهم في فلسطين باعتبارها القضية الحساسة التي تثير مشاعرهم بطريقة يتحسسون من خلالها انتماءهم لهذه الأمة.
|