|
| الشيخ الشعراوي |
رغم ما يقال عن أفول شمس الاستشراق وانتهاء عصره الذهبي؛ فإن الشرق ما زال متاحا كحقل تجارب لكثير من الباحثين الغربيين الذين ينفون بغضب صفة الاستشراق عنهم.
أحدهم جون إسكندر الباحث الأمريكي ذو الأصول العربية المتخصص في الدراسات الإسلامية والقبطية ، والذي تنصل من التهمة نفسها في بداية لقائنا عندما تساءل ساخرا: "أنا مستشرق؟! هل أعتبرها إهانة؟".
التقيت "جون" في القاهرة التي استقر بها بعض الوقت في منحة بحثية من مركز البحوث الأمريكي لإنجاز بحث تاريخي عن الحداثة في الكنيسة المصرية، فانشغل بآخر عن يوم القيامة في كتابات إسلامية ومسيحية، متنقلا بين دير القديس "مار مينا العجائبي" في صحراء مريوط، ومولد " عمر بن الفارض " بمنطقة مصر القديمة، ومولد الشيخ "الشعراوي" بقرية دقادوس بمحافظة الدقهلية.
الأديرة والأضرحة بعين أمريكية
وعن السبب وراء لهاثه بين الأديرة والأضرحة.. قال: "إن التركيز على الشق الإسلامي فقط في دراسة الظاهرة الدينية بمصر يقودنا إلى نتائج عرجاء أو رؤية عوراء؛ ولذا أرى كباحث لاديني ضرورة التنقل بين عوالم دينية متوازية لفهم العلاقات المتشابكة والوصول إلى القواعد المنظمة لنشوء الظواهر.
ولا تستند دوافعي البحثية إلى ميلادي لأبويين مسيحيين؛ إذ لأسباب تاريخية شخصية لم تتح لي فرصة فهم الإسلام وكذلك الكنيسة القبطية/الأرثوذكسية التي أدعي عدم المعرفة الكاملة بها بما ينفي عدائي لدين أو محاباتي لطائفة. وهي الحيادية العلمية التي لم تتفهمها طالبة أمريكية انتظمت في أحد فصولي الدراسية عندما طالبتني بضرورة الكف عن محاولة "هدايتها" للإسلام من خلال عملي كأستاذ مساعد في قسم الدراسات الدينية بجامعة جورجيا الأمريكية؛ حيث أقوم بالتدريس في القسمين الرئيسيين: أديان العالم والأفكار الإسلامية المعاصرة الذي أناقش فيه الأصولية الإسلامية والعالم المعاصر بين الجهاد والجاهلية في كتابات الباحثين الشرقيين والغربيين أمثال: جيل كيبل وخالد أبو الفضل وغيرهما، بالإضافة إلى فصول دراسية أخرى تهتم بالتناول الديني والعلماني لشخصية النبي محمد (صلي الله عليه وسلم)، والصوفية، والسياسة والدين في الشرق الأوسط".
ويرى جون نفسه -كباحث مهتم بالأديان في مصر- ابنا للقرية العالمية الصغيرة التي نحيا فيها؛ بإنجليزية أمريكية اللكنة، وعربية تجمع بين اللهجتين المصرية والشامية؛ إذ ينتمي والده الطبيب المولود في السودان لإحدى العائلات الأرثوذكسية في أسيوط بصعيد مصر التي انتقل منها إلى الأردن للعمل ضمن نشاط إحدى الكنائس البروتستانتية بصحبة زوجة أمريكية نذرت حياتها معه من أجل الكنيسة منذ التقيا في منزل ليليان تراشر التي كانت نذرت نفسها للكنيسة البروتستانتية الأمريكية، ثم جاءت إلى جنوب مصر، واستقرت بمحافظة أسيوط لعدة عقود، وماتت في الستينيات بعد أن تركت وراءها مؤسسة "ليليان تراشر لرعاية أيتام المسيحيين" التي تحظى بدعم أمريكي على مستوى الأفراد والمؤسسات.
ثم هاجرت بعدها الأسرة إلى الولايات المتحدة التي أعلن بها والده تحوله الرسمي للبروتستانتية، ولم يكن عمر صغيره جون المولود في الأردن قد تجاوز العاشرة.
القداسة بين المسيحيين والمسلمين
وقد انخرط جون منذ عام 2001 في سلك التدريس الجامعي بعد حصوله على درجة الدكتوراة من قسم الدراسات الدينية بسانتا بربارا بجامعة كاليفورنيا؛ حيث درس تاريخ وحضارة الإسلام واللغة العربية وآدابها. وجاءت أطروحته البحثية عن "آليات صناعة الولي والقديس في المجتمع المصري: الشيخ الشعراوي والبابا كيرلس والشيخة منال كنماذج معاصرة"، وعنها يقول: "تبلورت فكرة الدراسة في عام 1997 في أثناء وجودي بمصر بصحبة زوجتي ساندرا كامبل أثناء عملها في رسالة الدكتوراة الخاصة بها عن التاريخ المبكر في الإسلام، عندما لفت انتباهي خبر نشرته إحدى الصحف عن إقامة ضريح لرجل صالح في أحد الحقول بعد أن رفضت "خشبته" التحرك من المكان؛ لتتحقق القداسة كاملة للمتوفى، على الرغم من تدخل الشرطة التي رضخت في النهاية لرغبات أهل القرية.
وانهمكت بعدها في تعقب تراث القداسة المصرية للكشف عن خصوصية السلوك الاجتماعي فيما وراء بناء الضريح. وتصادف رحيل الشيخ محمد متولي الشعراوي في صيف 1998، صاحب الشخصية الفريدة الكاريزمية التي ارتبطت بالتاريخ والإعلام منذ سبعينيات القرن الماضي. وفي العام التالي تم الاحتفال بذكراه الأولى في مولد شعبي تقليدي ارتاده المريدون الذين ينظرون إليه باعتباره وليا تقيا وشيخا صالحا.
وتتكرر الصيغة نفسها لدى المسيحيين؛ إذ إن القديس في التدين الشعبي المسيحي هو الشخص الذي يمكن التوسل به لقضاء الحاجات، ولا ينقص ذلك من الإيمان شيئا. ويعد البابا كيرلس المتوفى عام 1981 أهم قديس معاصر عند الأقباط الأرثوذكس، على الرغم من عدم ترسيمه قديسا رسميا من جانب الكنيسة التي تشترط مرور 50 عاما على رحيله. ويعتقد المسيحيون في وجود ثمة تشابه بين البابا كيرلس والقديس مار مينا، وتتردد الحكايات عن المعجزات المنسوبة لكليهما. إذ ارتبط البابا كيرلس بالقديس مار مينا منذ اختار اسمه ليترسم به في بداية طريق الرهبنة، ثم قيامه بإعادة بناء دير مار مينا القديم الذي تهدم في القرون الوسطى مما دعم شهرة البابا كيرلس صاحب الكرامات، وساهم بشكل أو بآخر في تحويله إلى قديس بعد وفاته".
آليات صناعة القديس والولي
|
|
الباحث الأمريكي جون إسكندر
|
ويرى جون أن صناعة القديس تخضع للعديد من العوامل الاجتماعية والتاريخية والشخصية، ويقول: "للإجابة عن السؤال المتعلق بالقداسة وديناميكياتها كان لا بد من العودة إلى كتابات ماكس فيبر صاحب الدراسات الهامة في علم اجتماع التدين ، الذي لم يصل إلى إجابة قاطعة في هذا الشأن، ولكنه استطاع تحديد الملامح العامة لشخصية القديس في المسيحية (أو الولي في الإسلام)، ووجدتها تنطبق على الشيخ الشعراوي والبابا كيرلس؛ فكلاهما شخصية فريدة ومحبوبة وذات شعبية في سياق تاريخي خاص؛ فالشيخ الشعراوي نموذج للواعظ التليفزيوني الأول الذي استطاع الوصول لقلوب البسطاء بسهولة ويسر، بينما جاء البابا كيرلس بعد فترة من الجدب احتاجت بعدها الكنيسة لقديس لتجاوز المأزق الأخلاقي بها، كما قال أ.د.محمد عفيفي أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة المتخصص في الدراسات القبطية.
ويمكن القول: إن قرار التأميم في 1956 وضع الكنيسة في مفترق طرق بعد هجرة صفوة المسيحيين الليبراليين إلى الغرب، وخلو الساحة أمام التيار الروحاني المؤمن بالكرامات كحائط صد لمواجهة الحداثة ومشكلاتها، والحفاظ على تماسك الكنيسة التي حرصت على الأخذ بمظاهر الحداثة السطحية من حيث مواكبتها للثورة المعرفية عن طريق مواقعها الإلكترونية، وإدخال الكمبيوتر في إدارة وتنظيم العمل في داخل العديد من الأديرة، والاعتماد في الوقت نفسه على الإيمان بالمعجزات والخوارق لإعادة صياغة أفكارها، ونفي العقل، والتوجس من مجمل الفكر الإصلاحي القائم على الشك الذي تراه الكنيسة مناقضا للإيمان. وهو الأسلوب الذي يتبعه المسلمون حاليا للتعامل مع مستجدات العصر من حيث الاستفادة من منجزات الحداثة التقنية التي يُرفض نسقها الفكري لإعادة صياغة مجتمع تقليدي متماسك ومؤمن.
مع ملاحظة أن المعجزات تشكل ركنا أصيلا في التدين المسيحي، وأن إيمان القداسة الشعبي ينتشر لدى المسيحيين بغض النظر عن المستوى التعليمي أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها، في الوقت الذي يميل فيه غالبية المسلمين إلى تفضيل التدين المنطقي الذي يقوم على الإيمان بمعجزات الأنبياء، ورفض التدين الشعبي المتمثل في اتخاذ الشيوخ والذهاب إلى الموالد التي تكاد تقتصر على البسطاء من الطبقات الدنيا والمتوسطة وندرة من الأغنياء أو الأكثر تعليما وثقافة.
ولذا قوبلت الشيخة "منال القاضي" التي اتهمها أحد مريديها بادعاء النبوة بالهجوم والرفض لتقف على طرف النقيض من فكرة صناعة الولي من خلال تأكيد الشيخة "منال" في حيثيات الحكم عليها أن ما فعلته من ممارسات للدين الشعبي يعد خروجا على النص والإسلام الحقيقي العقلاني".
الباحثون الغربيون.. الرؤية والولاء
تركت موضوع الحداثة والقداسة وسألته: كيف يرى الباحثون الأمريكيون منطقة الشرق الأوسط؟ وكيف يتعاملون معها؟
فأجاب: "يمكن القول بأن هناك اتجاهين لرؤية الإسلام بين الأكاديميين الأمريكيين: أولهما، يقوده "برنارد لويس" وبعض تابعيه في جامعة "برنستون"، وثانيهما يستمد قوته مما كتبه الراحل "إدوارد سعيد" عن الاستشراق، وهو التيار الذي أنتمي إليه وغالبية من الأكاديميين الذين يعتقدون أن "لويس" لم يأتِ بجديد منذ ستينيات القرن الماضي؛ حيث يندرج كل ما كتبه مؤخرا تحت بند الانطباعات الشخصية التي نقدها "سعيد" بحنكة. ولكن تظل المشكلة في جمهور "لويس" من غير الأكاديميين والذين يتمتعون في الوقت نفسه بالسلطة؛ إذ ينظر إليه الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء باعتباره شيخ الأكاديميين المحنك الذي يفهم أكثر، والرجل الذي استطاع التنبؤ بالعنف القادم من الشرق في مقاله المنشور في جزأين بمجلة "أتلانتيك مانثلي" عام 1990، الذي استخدم فيه مصطلح "صراع الحضارات" الذي التقطه " صمويل هنتنتجتون " ليبني عليها نظريته الشهيرة ذات التبسيط المخل.
وهنا تجب الإشارة إلى نقطة ضعف هامة في المدرسة الغربية بوجه عام، وهي: انعدام الفصول الدراسية الخاصة بالنصوص الدينية الأساسية التي تعد -من وجهة نظري- من أهم المشكلات المعرفية التي تواجه أقسام الدراسات الدينية بالجامعات الأمريكية والأوربية؛ حيث يمكنك الحصول على الدكتوراة في الدراسات الإسلامية دون أن تتعلم شيئا عن القرآن أو تتحدث العربية. وأعتقد أننا بحاجة لإطار تعليمي تقليدي معني بالنصوص الأساسية للتحاور معها وفهمها بصورة أعمق. ولذا يحسب للمستشرقين الأوائل معرفتهم بالكثير من اللغات الشرقية الحية والميتة (آرامي، سرياني، تركي، فارسي)، وهو الأمر نفسه الذي يدفعني لنفي صفة المستشرق عن شخصي بامتلاكي للعامية المصرية باعتبارها جزءا من ثقافة المكان؛ إذ قمت بدراستها لأعرفها بصورة أفضل تمكنني من إجراء دراساتي بالسلاسة المرجوة، وعلى أمل الفهم الأشمل".
ثم سألته عما يشغل بال الكثير من الغربيين في العالم العربي الذي صار قبلة الباحثين منهم: قديما دعم الاستعمار موقفه بالمستشرقين، والآن لمن يكون ولاء طوفان الباحثين الغربيين المنكبين على تشريح المجتمعات العربية؟
فأجاب: "هذا سؤال حساس للغاية، ويمثل مشكلة قائمة بالفعل، وأعترف في الوقت نفسه بعجزي عن تقديم إجابة عامة شافية.
أما فيما يتعلق بتجربتي الشخصية فيمكنني إلقاء الضوء على عدة نقاط؛ أولا: أنني لست مطالبا بتقديم نسخة من دراستي لأي جهة حكومية؛ إذ يمكن لأي باحث أن يرفض سياسة الدولة، ويقوم بدراساته دون إملاء من سلطة أكاديمية أو حكومية، ولكن عند طرحها في مطبوعة ما أو كتاب فإنها تكون متاحة للجميع، ومن بينهم رجال الحكومة حتى وإن لم يكن متفقا مع أهدافهم الحالية.
وثانيا: تعقد الأمور فيما يتعلق بهوية الباحثين أنفسهم؛ إذ يضعني فهمي -أنا وغيري من ذوي الجذور العربية- للثقافة العربية في مأزق التشكيك في الهوية على الجانبين. وفي أمريكا ينادي الموالون لليمين وإسرائيل بالرقابة الحكومية على المحاضرين ذوي الأصول العربية القائمين على تدريس منطقة الشرق الأوسط. وقد وصل الأمر إلى حد اتهامهم بالعداء لأمريكا -Anti America-، بهدف تعريتهم من الانتماء القومي، وهو الاتهام الذي تعرضت له من جانب الزملاء ذوي الاتجاه اليميني على الرغم من أنني أمريكي الدراسة والثقافة وجواز السفر (بالإضافة للشكل وكوني أبيض مسيحيا مولودا لأبوين بروتستانتيين)، ولكن كل هذا لا يشفع لي في انتقاد سياسة بلدي الخاطئة في المنطقة العربية، ورفضي لما تقوم به حكومتنا ودعوتي لتغييرها".
|