English

 

السبت. أغسطس. 30, 2003

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بوح مكلوم

أنست وما عدا أنسي عداهُ
سوى البؤس وفرحٍ لا أراهُ
يحاكيني الأسى في كلّ حينٍ
ويلفحني بنارٍ من لظاهُ
فأغرق في بحارٍ من دموعي
وأصغي للزمان وما حكاه
أنادي في أسىً قومي ندايا
فلا صوتٌ يجيب ولا صداه
فأطرق سائلاً نفسي بصمتٍ
أما فينا رجالٌ أو شباه
أما فينا كخالد أو مثنى
ولا منا أسامة أو "أباهُ"
فكم عرضٍ لنا كان المصانَ
وقد أمسى بعارٍ قد غشاهُ
وطفلٍ لا تفارقه دموعٌ
فمن منا أيا قومي بكاهُ
وكم ثكلى تركناها تئنُ
تقاسي من معادٍ ما قساهُ
وشيخٍ لا يرى إلا ببؤسٍ
ودمعٍ قد تلاقى في لحاهُ
وصبحٍ لا تراه العين إلا
وكلٌ قد تخضب في دماهُ
بعارٍ نطلب السلم ونخشى
بأن يدر الزمان لنا رحاهُ
ونرفع راية الدين بذلٍ
ونندبهم بأن يطفو سناهُ
نسينا من سفاهتنا جهاداً
به الباغي تسربل في طغاهُ
وصرنا كالشياه تقاد دوماً
وذلتنا هي الراعي أراهُ
نسينا بالعروبة وادعينا
بها النصر على العادي كفاهُ
ونحن في هوىً نلهو ونركن
إلى عدوٍ وأمنٍ لا نراهُ
صعدنا من على ماضٍ وصرنا
ننادي من كمثل من بناهُ
وننسى أن نشيد في نفوسٍ
رجالاً إن دعوا شادو بناهُ

النقد و التعليق:

الناقد والشاعر: صلاح جلال

إلى صاحب هذه الأنات والعبرات.. إلى الشاعر الحزين القابع في محراب الأسى..

إلى الصوت المكتوم والقلب المهموم والجرح المكلوم.. إلى الصديق الموهوب سليمان.

بداية نرحب بك صديقاً دائماً لنادي المبدعين ونرحب بقلمك الرشيق..

ودعني أسألك أولاً: لماذا يا صديقي كل هذا الحزن والأسى؟!

إن الركون إلى الهموم يزيدها، واللبيب هو الذي لا يرى الظلام إلا بوابةً للفجر.. ولا يرى الضيق إلا معبراً للفرج.. ولا يواجه اليأس إلا بسيف الأمل ودرع العمل.

انظر إلى كلماتك:

أنست البؤس - يحاكيني الأسى - بحار من دموعي - يلفحني بنار - فكم.. كان.. وقد أمسى - أنادي في أسىً - أما فينا؟! - فكم عرض.. وطفل.. وشيخ.. وثكلى.. وصبح..!!

كل هذه المفردات والجمل والصور.. تدل على أن شاعرنا لم يكن يكتب شعراً.. بل كان ينفث حزناً، ويكتب بمداد دمعه على صفحة همومه!!

صديقي سليمان.. لقد كان مطلع قصيدتك..

أنست وما عدا أنسي عداهُ .. سوى البؤس وفرحٍ لا أراهُ
فأنت تريد أن تقول لنا إنك لم تأنس مطلقاً إلا البؤس وسراب الفرح.. فجاء التعبير..

(أنست البؤس وما أنست شيئاً عداه)، والهاء في عداه هنا تعود على البؤس.. ففيم جاءت كلمة سوى؟! إن كلمة عدا هي نفس معنى سوى هنا وهي أكملت المعنى وتممته.. فلماذا جئت بـ "سوى"؟!

ثم يتابع الشاعر زفراته الحارة فيصور أبعاد حزنه الدفين فأتى بصورتين متقابلتين أكدتا المعنى وعكستا مدى ما يعانيه من العذاب النفسي: (يلفحني بنار من لظاه - فأغرق في بحار من دموعي)، وبين اللفح بالنار والغرق في الدموع تضاد جمّل المعنى وأكمل الصورة لقد بدى شاعرنا مستسلماً لحديث نفسه فانساق وراء دمعاته فنزلت الدمعات كالجمرات، وصدق شاعرنا فإن الهم والحزن نار تحرق وبحر يُغرق.. ثم يستطرد قائلاً:

أنادي في أسىً قومي ندايا.. فلا صوتٌ يجيب ولا صداه
لقد حاول أن يخرج من كهف نفسه، وينطلق خارجها إلى الناس من حوله عبر صرخة عظيمة واستغاثة مدوية.. لكن كانت المفاجأة التي ألقاها الشاعر في روعنا.. لم يسمعه أحد، لقد مل من نداء قومه لأن أحدا لم يجب نداه.. فعاد إلى نفسه ثانية:

فأطرق سائلاً نفسي بصمتٍ.. أما فينا رجالٌ أو شباه

صديقي.. في الحقيقة لم أجد مبرراً لغويًّا لوجود كلمة (ندايا) في البيت السابق..!!

والبيت الذي يليه.. ضعيف لغويًّا.. وقد أكل الشعراء على هذا اللفظ والمعنى وشربوا، فهو متواتر ولم يضف جديداً..

وبطبيعة الحال تخيلت أن يأتي شاعرنا بأبياته التالية:

أما فينا كخالد أو مثنى .. ولا منا أسامة أو أباهُ
فكم عرضٍ لنا كان المصانَ  .. وقد أمسى بعارٍ قد غشاهُ
وطفلٍ لا تفارقه دموعٌ .. فمن منا أيا قومي بكاهُ
وكم ثكلى تركناها تئنُ .. تقاسي من مُعادٍ ما قساهُ
وشيخٍ لا يُرى إلا ببؤسٍ .. ودمعٍ قد تلاقى في لحاهُ
وصبحٍ لا تراه العين إلا .. وكلٌ قد تخضب في دماهُ

إنه يقف على طلل المجد يبكي ديار أجداده خالد والمثنى.. ويتندر بماضيه المجيد تماماً كما فعل عشرات الشعراء قبله .. لقد فعل صديقنا هذا في مباشرة واضحة لم نجد للرمز فيها مكاناً.. والرمز في الحقيقة أداة رائعة من أدوات الشاعر وفرشاة رشيقة ولحن سحري يسري في آفاق العمل الأدبي فيزيده جمالاً ونضجاً ومتعة.. وأنا إذ أقول الرمز لا أعني به الغموض.

غير أنه تستوقفنا بعض الصور الجميلة بين طيات هذه الأبيات.. مثل قول شاعرنا:

تقاسي من مُعادٍ ما قساهُ :

فقد اكتفى بتصوير معاناة الثكلى ومدى ما تقاسيه.. إنه كل ما قساه المُعادي.. وبين

(قاسى وقسي) تضاد وجناس أحدث جرساً موسيقيًّا وبعث لوناً بديعيًّا جميلاً في البيت.

وفى قوله:

وصبحٍ لا تراه العين إلا .. وكلٌ قد تخضب في دماهُ
لقد قيد صديقنا رؤية الصبح على هذا المشهد الدامي فقط.. واستخدم في هذا التقييد أسلوب القصر ( لا - إلا ).

ثم ينتفض في المقطع الأخير من قصيدته، ويتمرد على حزنه ويندد بواقعه.. فيذكر سبب هذا الذل والهوان الذي أصابه وأصاب أمته.. فتعلو نبرته وتتحول إلى الخطابة.. وتنحُ الألفاظ منحىً جديداً يتسم بالقوة بالسخرية من الواقع، ويرصد الظاهرة ويبين وجهة نظره فيها تاركاً لنا استشفاف الحل الصحيح للأزمة..

بعارٍ نطلب السلم ونخشى .. بأن يُدِرِ الزمان لنا رحاهُ
بأن يطفو سناهُ   .. ونرفع راية الدين بذلٍ .. ونندبهم
نسينا من سفاهتنا جهاداً .. به الباغي تسربل في طغاهُ
  وصرنا كالشياه تقاد دوماً .. وذلتنا هي الراعي أراهُ

والبيتان الأخيران في هذا الجزء من القصيدة.. هما أعلى ما في العمل حبكة ومعنى.. وأنا أكررهما مع الشاعر هنا لشدة إعجابي بهما.. فحقاً:

نسينا من سفاهتنا جهاداً .. به الباغي تسربل في طغاهُ
وصرنا كالشياه تقاد دوماً .. وذلتنا هي الراعي أراه

وفى نهاية القصيدة نرى شاعرنا (ينقد نفسه).. (وينقد فكرته!) فيستنكر أسلوبه الذي كتب به قصيدته في تصرف عجيب، لكنه ذكىٌ فقد وضع نفسه ضمن هذا الفريق الذي يعالج الأمور بشكل غير صحيح؛ لأنه بالفعل واحد من هذه الأمة.. انظر له يقول:

صعدنا من على ماضٍ وصرنا.. ننادي من كمثل من بناهُ
إنه يعيب هذا الأسلوب في التعامل مع المشكلة.. إنه يرفض أن نقف على أطلال الماضي.

لغويًّا هذا البيت ضعيف جدًّا، ويحتاج لمراجعة من صديقنا الذي لمسنا فيه قدرة على ضبط الألفاظ والمعاني.

ثم أروع ما في العمل بيته الأخير.. تلك الحكمة البليغة.. التي طرحها لنا في قوله..

وننسى أن نشيد في نفوسٍ.. رجالاً إن دعوا شادو بناهُ
نعم.. فبدلاً من أن تلعن الظلام.. أضئ شمعة.

صديقي.. لقد عزفت مقطوعتك على موسيقى البحر الوافر التام.. (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) ثلاث تفعيلات في كل شطر، ستٌ في كل بيت، وقد شذ منك اللحن أكثر من مرة في مثل قولك :

ونحن في هوىً نلهو ونركن إلى عدوٍ وأمنٍ لا نراه

صعدنا من على ماضٍ وصرنا.. ننادي من كمثل من بناهُ

وفي النهاية صديقي أقول لك إن عملك جيد، وأفقك واسع ولغتك جيدة.

وإلى مزيد من التميز ومزيد من الإبداع..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم