English

 

الأحد. سبتمبر. 14, 2003

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 

بكائية على أسوار بغداد

من صدمتي قد أُلجمَ الحرفُ  ولِما جرى أعيا فمي الوصف
بغدادُ إنّ قلوبَنا عصرتْ  حزناً عليكِ وهدّها الخوفُ
وتكسرتْ كلماتنا خجلا ً  مما اعتراك وأطرقَ الطرفُ
بغدادُ كيفَ الحالُ؟ كيف غدتْ فيكِ الربى والنهرُ والجُرفُ؟
أوما يزالُ النهرُ مبتهجاً والبدرُ فوق مياهه يطفو؟
أوما يزال الليلُ ساحرةً  أنوارُهُ.. فكأنها طيفُ؟
وحدائقُ الساحات كيف بدتْ؟ أوما يزالُ بزهرها عرْفُ؟
أوما يزالُ بكلّ داليةٍ طيرٌ يحطوجنبهُ إلفُ؟
في بيتنا النارنجُّ كيف غدا؟  أعليهِ ما زال الندى يغفو؟
هل يا تُرى أغصانُهُ كبُرَتْ؟  لَكأنها بالقلب تلتفُّ
فمن الحمائمحولها حِلقٌ ومن السنونو فوقها صفُّ
أوّاهُ يا بغدادُ.. إنّ بنا شوقاً شديداً دونه اللهفُ
أدمنتُ فيكِ الحبَّ من صِغَري  ولغيره بسواكِ لا أهفو
جسرُ الرصافةِ منذ فارقني  نصفٌ هناك وفي الحشا نصفُ
بغدادُ أتعبني الحنينُ وما  عنه الفؤادُ بوسعه الكفُّ
في كلّ يومٍ عنكِ يقتلني خبرٌ يطلُّ كأنه السيفُ
ومشاهدٌ لَكأنّها جبلٌ  فوقي ينوءُ بحمله الكتفُ
القدسُ كانت همُّنا أبداً والآنَ بعدَكِ همُّنا ضعْفُ
شاخ الفؤادُ من الأسى وغدا عُمْرُ الفؤادِ كأنه ألفُ
أُخِذ َالبريءُ بذنب ظالمِه ِ وعلى القضيّةِ أُسْدِلَ السجفُ
بغدادُ كم عينٍ بكتكِ وهل  بعد الجريمةِ ينفعُ العطفُ؟
بأكفّنا اغتلْناكِ من زمن ٍ وغداً بذاك ستشهدُ الكفُّ
منذ ارتضينا العنفَ يحكمنا  أضحى يشوبُ طباعَنا العنفُ
ساد الهوى فينا وصارَ لهُ  مثلَ العبيدِ قلوبنا الغُلفُ
بالأيدلوجياتِ كمْ خدعتْ فينا العقولُ وغرّها الزيفُ
وكم اطّرحنا خلفَنا قِيماً من دونها الإسلام لا يصفو
هذا الذي نلقاهُ من يدنا  مهما علا بشموخه الأنفُ
فمن ِابتنى بالظلم دولته  سيخرُّ يوماً فوقه السقفُ
بغدادُ عنكِ الأرضُ تسألني  ويجيشُ من أحزانها الجوفُ
وعليكِ يبكي النخلُ من جزعٍ  ويئنُّ فوق جذوعه السعفُ
ماذا أحدثُ عنكِ يا نغماً يحلو به الإنشادُ والعزفُ
قيثارةُ الشعراءِ قد كسرتْ  منذ انكسرتِ وحطمَ الدُّفُ
فلتغفري ضعفي وحشرجتي إنّ المحبَّ بطبعه الضَّعْفُ

النقد و التعليق:

الناقد والشاعر: عبد الرافع مجاهد

كنت أتعجب في أن الشعراء لم يتحدثوا عن سقوط بغداد باعتباره مشهدا دراميا هو الأقوى على الساحة العربية منذ فترة طويلة، ولكنها ليست هذه أول مرة نرى الشعر يسكت في أجواء مليئة بالشاعرية. وحيث كان الشاعر سيقود وجدان أمة ويحركه نحو عالمه المثالي.. تحدث النقاد عن وفاة الرسول وكيف أن الشعراء سكتوا وقتها وجف مدادهم، إنها الصدمة التي تشل الألسنة عندما تكون المشاعر أقوى من الكلمات.

وصديقنا يحدثنا في الموضوع نفسه في بداية قصيدته ونهايتها في صورة الاعتذار.. وعلينا جميعا أن نعتذر للعراق.

مشاعره نحو بلده قوية فكأن كل قطعة من بلده هي قطعة من جسده وقد حركه الحنين إلى ربوع وطنه وأنهاره وحدائقه وأطياره فأخرج لنا صورا رائعة محملة بمشاعر فياضة في حب الأوطان والهيام بها.

كان أقوى ما في قصيدته هذا التساؤل المتكرر الذي يجمع الحيرة والذهول والدهشة إلى الحزن والحسرة والألم إلى الحنين وهياج الذكرى:

بغداد كيف الحال؟ كيف غدت      فيك الربى والنهر والجرف

أوما يزال النهر مبتهجا           والبدر فوق مياهه يطفو

إلى آخر هذه الأسئلة.. وهكذا يختار الشاعر أسلوبه في التعبير بسليقة لا تخطئ مكامن التأثير في اللغة لأن الشعور هنا -قبل المعرفة بالأساليب- هو الذي يحمل التعبير إلى نفس المتلقي، وما خرج من القلب وصل إلى القلب وما خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان. والبلاغة هي أن يناسب الكلام مقتضى الحال.

إنه يعيد ويزيد في كل كبيرة وصغيرة مما رآه في وطنه مما طار في سمائه ووقف على أنهاره ونثر في حدائقه وكأنه يرسل سلاما إلى كل شيء، ثم يتحدث عما يعتمل في نفس المسافر نحو وطنه وهي مشاعر قوية يعرفها من جربها خاصة من حيل بينه وبين مراتع صباه ومنابت شخصيته، وهم من أبناء عروبتنا الطيبة كثيرون.

الصور هنا رائعة مليئة بجمال بغداد مشحونة بالدراما الباكية لما حالت إليه، انظر وأعد النظر مرات في قوله:

أوما يزال بكل دالية        طير يحط وجنبه إلف

في بيتنا النارنج كيف غدا   أعليه ما زال الندى يغفو

وإن كان إغفاء الندى غير مناسب لأنه يأتي نشطا في الصباح وقد قال لي صديق عراقي إنه لا يوجد بيت في العراق ليس فيه النارنج - نوع من البرتقال معروف- وحدثني عن جمال طائر السنونو وشكله الأنيق بما يجعلني أشعر بكل حرف من هذه القصيدة.

نحن مع البغداديين نبكي ومع العراقيين نبكي.. نبكي التاريخ والأمجاد ونبكي أمل الأمة وجيشها المضيع في نزوات القائد المتهور وغروره المجنون، ثم لم يبق لهؤلاء بعد ما فعلوا ببلادهم إلا أن يسلموا الوطن الغالي للغازي المحتل!!  

انظر إلى هذه الصورة :

أوما يزال النهر مبتهجا   والبدر فوق مياهه يطفو

ولو أنني تركت العنان لنفسي في سرد ما تمتعت به في قراءتي لهذه القصيدة لكتبت صفحات كثيرة لكن نستطيع أن نقسم القصيدة إلى جدولين أحدهما الوصف الذي يترك للخيال العنان ليسبح في جمال دار السلام وبهائها، والحزن والأسى بتعبيرات صريحة على ما آلت إليه حاضرة الإسلام وبسط الأسباب وشرح العبر وإلقاء الحكم لكن الجدول الأول هو أرق وأروع والصورة فيه أجمل وأبدع فإلى قوله:

القدس كانت همنا أبدا

كان الشاعر متألقا وكان الحب والشوق والحنين مشاعر قوية مسيطرة عليه وهو يصف ويتغزل في بلده ثم لجأ بعد ذلك إلى الأسلوب الصريح وأخذ يتحدث بلغة أقرب إلى لغة الخطباء، نعم لم يخل شعره من الجمال لكن الأول كان أجمل، وقد تميز جدوله الثاني بالتأثر بالأسلوب القرآني مثل "ستشهد الكف" ففيه تأثر يقوله تعالى "يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون" وقوله "سيخر يوما فوقه السقف" فيه تأثر بقوله تعالى "فخر عليهم السقف من فوقهم وآتاهم العذاب من حيث لا يشعرون" والمقصود بالسقف في الآية السماء.

لكنه يعود إلى نفسه حين يعود إلى بلده المليء بالنخيل الشامخ ولذائذ التمور على أنواعها فيقول:

وعليك يبكي النخل من جزع       ويئن فوق جذوعه السقف

ثم يعود إلى الاعتذار في آخر أبياته كما بدأ به قصيدته ونعود نحن إلى قصيدتنا لنتمتع بها أكثر وأحب أن يعود إليها القارئ مرات ومرات ليقول معي يا لخيال الشعراء..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم