English

 

الأربعاء. أكتوبر. 22, 2003

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

إليك أيها المرض !!

قد تنشب ظفرك في جسدي ** وتظـلّ تمـزّق أوردتي
تجتاح ضلوعي.. تهرسها ** هرسا، وتدكّ بمطرقـةِ
قد تلطم بالموج السـفنـا ** ويحي! تتمزق أشرعتي
قد تخـنق أحلامـا كانت ** كالنجم يضيء بلا زيتِ
قد كنتُ أغـذّيهـا روحي ** أُعطيها شطرا من وقتي
أطلـبها.. تأتينـي فـورا ** مالي أطلبهـا لا تأتي؟
كانت تُلهمـني الأشعـارا ** والآن تجرّعني صمتي!
قد تقدر ـ يا مرضي ـ فَلاَّ ** لقِوايَ، وتحفر مقبرتي
لكن.. هيهـات بأن تقـوى ** حكما بحياتي أو موتي
عـلمـي بـالله يقوّيـنـي ** رحمـنٌ يسمع مسألتي
ربي إن قال لشيءٍ كــن ** فالشيء يكون بلا عنتِ
ويقيني أنك يـا مـرضي ** تطهيرٌ يمسـح أردنتي
يا رب السـتر وكـن عونا ** لا تكشف أبدا أغطيتي


النقد و التعليق:

الشاعر/ مدحت خليل العراقي

هاجر.. أيتها الأخت الكريمة

صغيرتي .. يا ابنة المجد التليد، يا ابنة العراق الحبيب، لولا ذكرك المرض في العنوان وفي البيتين 8 ، 12، لما فطن أحد أنك تتحدثين عن المرض، ولظنه البعض حديثا عن الهجمة الأمريكية على العالم الإسلامي واحتلال العراق..

فتعالي نتأمل قصيدتك سريعا...

أولا: من حيث الوزن والموسيقى:

قصيدتك من بحر المتدارك، وتفعيلته (فاعلن /ه//ه) وتتكرر في الصورة التامة ـ كما في قصيدتك ـ ثمان مرات في البيت الواحد (4 تفعيلات في كل شطرة)، ويدخلها زحافان هما: حذف الثاني الساكن، لتصير(فعلن ///ه)، أو حذف الثالث المتحرك لتصير (فعلن/ه/ه)، وقد استخدمت الزحافين هنا.

ويقول النقاد عن هذا البحر: "فيه يكمن سر تطور الشعر العربي"، والمقولة وإن كان فيها بعض المبالغة فإنها صحيحة إلى حد كبير، فهو بحر قريب القاع، سريع الإيقاع، وهو ما يناسب إيقاع العصر وثقافته أيضا.

وقد سبح في هذا البحر كبار الشعراء واستخرجوا منه دررا نفيسة، منها درة الحصري القيرواني التي مطلعها "يا ليل الصب متى غده"، وعارضها شوقي بدرة أخرى لا تقل نفاسة عن نظيرتها.

ولا أرى في قصيدتك هنة موسيقية واحدة، وهذا أمر محمود.

ثانيا: من حيث اللغة

تعرفين أن للغة أسرارا، فتعالي أطلعك على بعضها:

حرف الحاء ـ مثلا ـ يشير في كل كلماته تقريبا إلى الحدة والشدة، وتأملي كلمات: حرب ـ حمى ـ حرام ـ حريق .. وغيرها .. ويشبهه بقية الحروف الحلقية ومنها العين، وتأملي ـ مثلا ـ كلمات: عقيدة ـ عُدَّة ـ عمر ـ عين ـ عداء ـ عسير .. وغيرها، كلها كلمات تدل على شيء عسير المنال، يحتاج وقتا وجهدا.

وما أريد قوله من هذه المقدمة أن عليك استخدام ألفاظ مشعة وهاجة براقة، ألفاظ تعبر عن تجربتك وفكرتك، ولقد أتيت بالقليل منها وهذا عيب، ثم كان توظيفها غير دقيق وهذا عيب آخر.

من ذلك -على سبيل المثال- في البيت الثاني:

كلمة تجتاح: وهي ككلمة مفردة، فصيحة وهاجة، لكنها لا تناسب المرض الذي يتسلل خفية، ولا يظهر قبل شهور، وربما سنوات، بعد تمكنه من فريسته.. وهي قلقة ـ غير مستقرة ـ مع كلمة الضلوع.

وكلمة تهرسها: الهرس لا يكون إلا للين الطري.. أما الضلوع فيناسبها السحق، والمرض يناسبه النخر أكثر من غيره.

كما أن المفعول المطلق (هرسا) لم يضف جديدا للمعنى، بل أعاق التدفق الموسيقي للبيت وأثقله.

وجملة (تدك بمطرقة) مجتلبة للقافية.

كما أن منع صرف كلمة (مطرقة) ضرورة قبيحة في هذا الموضع.

كلمة (قد) تعبر عن الشك إذا تلاها فعل مضارع.. وتعبر عن الجزم واليقين إذا تلاها فعل ماض.

وفي قصيدتك استخدمت (قد) الأولى أربع مرات: في بدايات الأبيات (1، 3، 4، 8) وكان استخداما حسنا؛ تشككين في قدرة المرض على النيل منك، رغم تكرار محاولاته، وتنوع أساليبه.

واستخدمت (قد) الثانية مرة واحدة: في مطلع البيت الخامس "قد كنت أغذيها روحي"، ولكنك أضعت المعنى تماما في الشطر الثاني "أعطيها شطرا من وقتي"، والمعنى أنك كنت قد أعطيت الأحلام جزءا من وقتك، فهل من اللائق أن يأتي هذا المعنى بعد قولك "قد كنت أغذيها روحي"، بل كان من اللائق أن تقولي "أعطيها عمري".. لكن الوزن ألجأك إلى مط الجملة وأوقعتك القافية في الخطأ.

- في البيت السابع: كلمة (الأشعار) مفعول به منصوب بالفتحة، والراء مفتوحة فقط، لا نكتب في نهايتها ألفا.

- في البيت التاسع: "هيهات بأن تقوى حكما": كلمة (تقوى) أظنك أخطأت كتابتها فقط، وأحسبك تقصدين "تقضي.. حكما".

- في البيت الثاني عشر: كلمة (أردنتي) تعني أكمامي، والكم: مدخل اليد ومخرجها من الثوب (كما في المعجم الوسيط) ولا علاقة لها بالقصيدة البتة، إنما جيء بها للقافية.

وقبل أن أغلق ملف اللغة في قصيدتك، عندما تتحدثين عن الأحزان والآلام فهذا مقام حروف المد وملعبها ـ وهذا سر آخر من أسرار اللغة ـ يقول صلاح عبد الصبور:

"والحزن يولد في المساء لأنه حزن ضرير

حزن طويل كالطريق من الجحيم إلى الجحيم

حزن صموت"

انظري كيف عبر عن الحزن وكيف استخدم حروف المد.

ثالثا: التجربة والأفكار:

الفكرة المسيطرة على الشاعرة هنا هي فكرة التحدي للعدو (المرض)، ومن هنا تنقسم القصيدة إلى ثلاثة أقسام، كل قسم يعبر عن فكرة:

القسم الأول: الأبيات (1 - 8): "اعتراف" بقدرة المرض.

وتصاعدت حدة الاعتراف من أول بيت "قد تنشب ظفرك في جسدي.. وتظل تمزق أوردتي" إلى أن وصلت ـ في البيت الثامن ـ إلى الذروة "قد تقدر ـ يا مرضي ـ فلا لقواي وتحفر مقبرتي".

القسم الثاني: البيت التاسع: "التحدي".. الذي يصل ذروته في كلمة "هيهات".

القسم الثالث: الأبيات (10 - 12): "السلاح" الذي به تتحدى العدو.. وهو الإيمان بالله، واليقين بأن المرض تطهير ومحو للذنب.

القسم الرابع: البيت (13): "دعاء".

وأرى أنك أجدت البناء الهرمي للقصيدة وإن خانتك بعض الألفاظ والتعبيرات.. وأعني بإجادتك البناء:

أولا : تسلسل الأفكار تسلسلا منطقيا.

ثانيا : وضع كل فكرة في حجمها المناسب؛ ففكرة البوح والاعتراف تحتاج عددا من الأبيات يفوق ما تحتاجه فكرة التحدي؛ ذلك أن التحدي كلما كان مقتضب الكلام، كان أقوى أثرا.

ووصف سلاح التحدي يحتاج أكثر من بيت، كما أن الدعاء جاء وافيا واستوعبه بيت واحد.

رابعا: الصور والتعبيرات الفنية

ما أتيت به في هذه القصيدة (12 صورة) جاءت كلها في الأبيات الثمانية الأولى، وهي حصرا:

تنشب ظفرك في جسدي، تجتاح ضلوعي، تهرسها، تدك بمطرقة، تلطم بالموج، تمزق أشرعتي، تخنق أحلاما، كالنجم يضيء، أغذيها روحي، تلهمني الأشعار، تجرعني صمتي، تحفر مقبرتي.

ولكنها للأسف جميعها صور متداولة ومستهلكة وضعيفة.

ورغم هذا فأنا أتوسم فيك قدرات شعرية كامنة، وأرى أنك على عتبة مرحلة أرقى، فأكثري القراءة الشعرية المتأملة، وأكثري في شعرك من اللغة التصويرية (التشبيه، الاستعارة، الكناية، المجاز، ...) وأوغلي في التصوير، ومددي الصورة، ولا تبخلي على القصيدة بالتهذيب والتشذيب وإعادة القراءة.

واذكرينا في صالح دعائك يا هاجر.. وفي انتظار المزيد.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم