English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 2, 2003

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

غربة روح

Image
يا من تلوم القلب في دمعاتهِ

هلاَّ رأيت النزف من طعناتهِ  

هلاَّ شعرت بجرحهِ ودمارهِ

فكففت عن إيلامهِ وشكاتهِ  

فطريقه وعر وشوك قتادهِ

قد فرّق الأنوار عن ساحاتهِ  

حزن طويل ليس يفنيه البكا

ماذا عساه يفل من مأساته  

أواه لو تدري بأني مثقلٌ

روحي غريبٌ في ديار عداتهِ  

من يشعر الآهات من أعماقهِ

من يرحم المسموع من أنَّاتهِ  

من يجمع الأشتات من أحبابه

من يمسح المدرار من عبراته  

ما من مجيبٍ للحزين وأطرقت

روح الحياة فقد نجا بوفاتهِ

النقد والتعليق:-

الشاعر والناقد/ مدحت خليل

الأخت الكريمة هدى، جاءت قصيدتك مفعمة بالحزن والألم؛ لذا دعينا نتناولها بشيء من التفصيل:

أولاً: الوزن والموسيقى:

رأيت للقافية ـ دوماً ـ محاسن عدة، لكن أضيف إليها اليوم ـ دون قصد ـ حسنة أخرى..

فلأمر ما خاص بجهاز الكمبيوتر اضطربت كتابة الكلمات وسبق بعضها بعضاً، ولولا القافية ـ قبل المعنى ـ ما استطعت ترتيب الكلمات مرة أخرى..

فالشطرة الثانية من البيت الثالث ـ على سبيل المثال ـ كتبت هكذا: "الأنوار عن ساحاته قد فرق"، فالمعنى مستوٍ، والوزن مستقيم، لكني أعرف أن الشاعرة تريدها هكذا: "قد فرق الأنوار عن ساحاته"..

المهم.. القصيدة من بحر الكامل، وتفعيلته ( متفاعلن ///5//5 ) ولا يدخله غير زحاف واحد هو تسكين الثاني المتحرك لتصير (متْفاعلن أو مستفعلن /5/5//5)، وقد استخدمت الشاعرة علة أخرى وهي تسكين الخامس المتحرك..

والفارق بين الزحاف والعلة هو أن الزحاف يأتي في الحشو (كل التفعيلات غير تفعيلتي العروض والضرب)، والعروض هي آخر تفعيلة في الشطر الأول، والضرب هو آخر تفعيلة في الشطر الثاني، والزحاف لا يلزم (أي يجوز استخدامه مرة ثم العدول عنه)، أما العلة فلا تأتي إلا في العروض أو الضرب أو في كليهما، وإذا استخدمت مرة لزمت إلى آخر القصيدة.

واستخدمت الشاعرة علة تسكين الخامس المتحرك في تفعيلة الضرب والتزمت بها في القصيدة كلها.

في البيت الرابع تصريع؛ حيث اتحدت قافية مصراعي البيت (دمعاته، طعناته)؛ وهو ما يتيح للمتلقي مركزين يتوقف عندهما في مستهل القصيدة؛ وكذا استقرار النغم المكرر في الأذن.

ثانياً: اللغة:

عنوان القصيدة (غربة روح) عنوان مشع يوحي بالكثير من المعاني والصور، وتناسب ذلك مع ورود ألفاظ:

(دمعاته ـ النزف ـ طعناته ـ بجرحه ـ دماره ـ إيلامه ـ شكاته ـ وعر ـ شوك ـ قتاده ـ فرق ـ حزن ـ البكا ـ مأساته ـ غريب ـ عداته ـ الآهات ـ أناته ـ الأشتات ـ عبراته ـ للحزين ـ بوفاته).

وكلها ألفاظ تحفر الحزن في النفوس، كما يفعل قلم الصلب والمطرقة في أصلد الأحجار وأشدها عناداً.

فلم تخلُ شطرة من شطرات القصيدة من واحدة من هذه الكلمات الموجعة الحزينة.

ولكن لي ملاحظة في البيت الرابع حين قالت الشاعرة: "يفل من مأساته" والحق أني لا أستحسن معنى هذا التعبير في وجود "من" التبعيضية، فعلماء البلاغة يقولون: "زيادة المبنى دليل زيادة المعنى"؛ فماذا أضافت "من" هنا؟!

أرى أنها سلبت جزءاً من المعنى، فالأصل أن نقول "فل السيف، أو الحد" أي اقتطع منه، وإن كان جميلاً منك أن تضعي المأساة موضع السيف فهو تصوير حسن.

كما أنني لا أدري ما مفهوم حروف الجر لديك.

ففي كل شطرة من شطرات القصيدة حرف جر عدا شطرتين (الأولى/ ب 3) (والأولى/ ب 4) ولا أدري ماذا أدت حروف الجر هذه في قصيدتك.

لقد ركزت جهدك في الشكل على حساب المضمون؛ يبدو هذا جليًّا في البيتين السادس والسابع؛ حيث رصت الكلمات في أعمدة وصفوف:

من يشعر الآهات من أعماقه

من يرحم المسموع من أناته

من يجمع الأشتات من أحبابه

من يمسح المدرار من عبراته

فكل الشطرات تبدأ بـ(مَن) استفهامية تعجبية، ثم فعل مضارع، ثم المفعول، ثم (مِن) حرف الجر، ثم تفعيلة العروض أو الضرب.

ثالثاً: التجربة والأفكار:

يحمد لك تغليف القصيدة بغلالة رقيقة تجعل القارئ يذهب بها أكثر من مذهب.

فمن أحسها نفثة من صدره وآهة من آهاته لم تخيبه..

ومن ظنها عبرة من عين الوطن يجدها كذلك..

ومن رآها أنة من أنات الأمة فهي كذلك..

القصيدة دمعة قلب، أنة روح، آهة نفس..

لذا جاءت مغرقة في الحزن، استطاعت الشاعرة تكثيف فكرتها في شطرة واحدة (الشطر الأول من البيت الرابع) في قولها: "حزن طويل ليس يفنيه البكا".

رابعاً: الصور والتعبيرات الفنية:

عندما يكون عنوان القصيدة مصوراً (موحياً)، وعندما تبدأ القصيدة بصورة ممتدة، فغالباً ما تنحو القصيدة نفس المنحى.

فصدر قصيدتك (الشطر الأول من البيت الأول) تصوير جيد؛ فللقلب دموع، وهو يلام..

ثم تمتد الصورة بالحديث عن جرحه وألمه وطريقه وساحاته ومأساته..

ثم تأتي الصورة الثانية في الشطر الثاني من البيت الخامس: فالروح غريب..

ثم تمتد الصورة بالحديث عن آهاته وأناته وأحبابه وعبراته، ثم وفاته..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم