|
اضْرِبِينِي بِشُعَاعٍ
مِنْ بَرِيقِ الْعَيْنِ لَيْزَرْ
وَافْتَحِي لِي أَلْفَ بَابٍ لِلْهَوَى،
وَاسْتَغِلِّي فُرَصَ الْقَمْعِ وَأَسْبَابَ النَّوَى،
وَإِذَا مَا انْقَطَعَتْ، فَاسْتَنْسِخِي أُخْرَى بِمَخْبَرْ
لَنْ تَنَالِي مِنْ يَقِينِي،
لاَ وَلَنْ تَسْتَعْبِدِينِي،
لاَ وَلَنْ تَسْتَنْزِفِي بَحْرًا بِصَحْرَائِي تَفَجَّرْ
أَنَا لاَ تَخْدَعُنِي وَاجِهَةٌ،
لاَ وَلاَ يَخْدَعُنِي فِي النَّاسِ مَظْهَرْ
فَجَمَالُ اللُّبِّ عِنْدِي حُجَّةٌ، مِثْلَ الْمَعَانِي
مِنْ قُيُودِ الظَّرْفِ دَوْمًا تَتَحَرَّرْ
لَسْتُ أَبْغِي مَنْ تَكَبَّرْ،
لَسْتُ أَبْغِي مَنْ تَجَبَّرْ،
لَسْتُ أَبْغِي مَنْ بَغَى لَمَّا تَأَمَّرْ
أَنَا إِنْسَانٌ بَسِيطٌ،
مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ أَقْتَاتُ كَمُوسَى،
وَبِحُزْنِ النَّاسِ أَشْعُرْ
بَيْنَ مَوْجِ الْلَيْلِ يَنْمُو فِي فُؤَادِي لُؤْلُؤٌ،
وَيَرَاعِي، مِنْ مَتَاهَاتِ الْبَلاَيَا،
لِلضَّحَايَا مَلْجَأٌ،
وَعَلَى صَفْحَةِ طِرْسِي
يَتَجَلَّى فِي سَوَادِ الْحِبْرِ جَوْهَرْ
هَلْ ظَنَنْتِ الْيَوْمَ أَنِّي مُتْعَبٌ،
وَعَلَى رَفْعِ التَّحَدِّي لَمْ يَعُدْ نَبْضِيَ يَقْدِرْ؟
قَسَمًا بِالْفَجْرِ يَبْدُو
سَاطَعًا كَاللهُ أَكْبَرْ
وَبِأَيَّامٍ سَيَأْتِي
بَعْدَهَا النَّصْرُ الْمُؤَزَّرْ
سَأُرِيحُ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ خَبِيثٍ...
وَلِكُلِّ النَّاسِ أَثْأَرْ
اضْرِبِينِي بِشُعَاعٍ
مِنْ بَرِيقِ الْعَيْنِ لَيْزَرْ
وَافْتَحِي لِي أَلْفَ بَابٍ لِلْهَوَى،
وَاسْتَغِلِّي فُرَصَ الْقَمْعِ وَأَسْبَابَ النَّوَى،
وَإِذَا مَا انْقَطَعَتْ، فَاسْتَنْسِخِي أُخْرَى بِمَخْبَرْ
لَنْ تَنَالِي مِنْ يَقِينِي،
لاَ وَلَنْ تَسْتَعْبِدِينِي،
لاَ وَلَنْ تَسْتَنْزِفِي بَحْرًا بِصَحْرَائِي تَفَجَّرْ
أَنَا لاَ تَخْدَعُنِي وَاجِهَةٌ،
لاَ وَلاَ يَخْدَعُنِي فِي النَّاسِ مَظْهَرْ
فَجَمَالُ اللُّبِّ عِنْدِي حُجَّةٌ، مِثْلَ الْمَعَانِي
مِنْ قُيُودِ الظَّرْفِ دَوْمًا تَتَحَرَّرْ
لَسْتُ أَبْغِي مَنْ تَكَبَّرْ،
لَسْتُ أَبْغِي مَنْ تَجَبَّرْ،
لَسْتُ أَبْغِي مَنْ بَغَى لَمَّا تَأَمَّرْ
أَنَا إِنْسَانٌ بَسِيطٌ،
مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ أَقْتَاتُ كَمُوسَى،
وَبِحُزْنِ النَّاسِ أَشْعُرْ
بَيْنَ مَوْجِ الْلَيْلِ يَنْمُو فِي فُؤَادِي لُؤْلُؤٌ،
وَيَرَاعِي، مِنْ مَتَاهَاتِ الْبَلاَيَا،
لِلضَّحَايَا مَلْجَأٌ،
وَعَلَى صَفْحَةِ طِرْسِي
يَتَجَلَّى فِي سَوَادِ الْحِبْرِ جَوْهَرْ
هَلْ ظَنَنْتِ الْيَوْمَ أَنِّي مُتْعَبٌ،
وَعَلَى رَفْعِ التَّحَدِّي لَمْ يَعُدْ نَبْضِيَ يَقْدِرْ؟
قَسَمًا بِالْفَجْرِ يَبْدُو
سَاطَعًا كَاللهُ أَكْبَرْ
وَبِأَيَّامٍ سَيَأْتِي
بَعْدَهَا النَّصْرُ الْمُؤَزَّرْ
سَأُرِيحُ الأَرْضَ مِنْ كُلِّ خَبِيثٍ...
وَلِكُلِّ النَّاسِ أَثْأَرْ
النقد والتعليق:
الشاعر/ مدحت خليل العراقي
لأن الشاعر -على ما أذكر من رسالة سابقة- يُدَرِّس في كلية العلوم، فقد بدأ قصيدته بداية (طبيعية): شعاع ليزر، واستنساخ بمخبر..
لكنه تحدى نفسه بعد ذلك كما تحدى أمريكا في قصيدته.. ولندلف إلى نقد القصيدة من زوايا أربع:
أولاً: الوزن والموسيقى:
القصيدة من بحر الرمل، وتفعيلته ( فاعلاتن /ه//ه/ه )، وقد استخدمت الزحافات الثلاثة التي تصيب هذه التفعيلة وهي:
حذف الثاني الساكن لتصير ( فعلاتن ///ه/ه )، وهو ما يسمى "الخبن".
إسقاط السبب الخفيف ( /ه ) من آخر التفعيلة لتصير ( فاعلا /ه//ه )، وهو ما يسمى "الحذف".
اجتماع الخبن والحذف لتصير ( فعلا ///ه )، وهو ما يسمى "الشكل".
وقد أحسنت إذ لم تستخدم الحذف إلا في نهاية السطر؛ فهو في القالب الكلاسيكي لا يستخدم إلا في العروض (آخر تفعيلة في الشطر الأول) أو الضرب (آخر تفعيلة في الشطر الثاني).
وهناك خطأ عروضي واحد تكرر مرتين: بداية السطرين (8 ، 15) (أنا لا تخـ //ه/ه/ه ) ( أنا إنسا //ه/ه/ه ) ، وأظنك اعتبرت ذلك ضرورة (ضرورة حذف حرف من الكلمة - آخر ضرورة في الضرورات الـ 16 المعروفة - على غرار قول المتنبي: "نحن قوم م الجن" وهي أقبح الضرورات على الإطلاق، وإن كانت في قصيدتك أقل قبحاً، ولكني أربأ بك أن تلجأ إليها.
ثانياً: اللغة:
بدأ الشاعر قصيدته بقوله: "بشعاع اضربيني"، ولست أرى داعيا لهذا..
ثم كرر الشاعر القصيدة كاملة (31 سطراً) مع قلب السطر الأول ليصير "اضربيني بشعاع"، وأظن من الأفضل عرض القصيدة دون تكرار، مع قلب السطر الأول، كما فعل الشاعر عند تكراره القصيدة.
ومن الواضح أن القصيدة تنقسم إلى ستة مقاطع:
في المقطع الأول: (الأسطر 1-5): استخدم الشاعر فعل الأمر 4 مرات (اضربيني، افتحي، استغلي، استنسخي) وهنا لون من ألوان التحدي؛ إذ يريد الشاعر أن يقول لأمريكا: "افعلي ما شئت".
المقطع الثاني: (الأسطر 6-8) : استهل الشاعر أسطره الثلاثة بأداة نفي الفعل المضارع (لن) التي تفيد نفي الفعل في الزمن المستقبل، وهذا تحدٍّ أقوى من التحدي الأول، وليس من المستحسن تكرار النفي بهذه الطريقة (لا ولن)، وإنما يكفي أن تأتي مرة واحدة.
المقطع الثالث: (الأسطر 9-23): استخدم الشاعر (أنا) مرتين، و(ياء المتكلم) 9 مرات، وهذا يناسب فكرة وصف الذات والتعريف بالنفس، التي هي فكرة هذا المقطع.. ولا أرى معنى مفيداً لقولك "من خشاش الأرض أقتات كموسى"، فلا أعرف معنى لخشاش الأرض إلا حشرات الأرض -كما جاء في المعجم الوسيط- ولم أسمع أو أقرأ أن موسى كان يقتات من خشاش الأرض.
المقطع الرابع: (السطران 24، 25): استفهام استنكاري، يستنكر الشاعر أوهام أمريكا التي تتوهمها إزاء العرب.
المقطع الخامس: (الأسطر 26- 29): قسم.. وكان عليك أن تضع جملة "الله أكبر" بين علامتي تنصيص إذا أردت أن تلغي تأثير الكاف كحرف جر.
المقطع السادس: (السطران 30، 31): استخدم الشاعر السين بدلاً من سوف لتدل على قرب الانتصار وسرعة تحققه (نبرة تفاؤل)، وقول الشاعر "لكل الناس أثأر" يوحي بأن لكل الناس ثأرا عند أمريكا، وهو تلميح رقيق يغني عن التصريح.
ثالثاً: التجربة والأفكار:
القصيدة -كما أسلفت- تنقسم إلى مقاطع ستة، كل مقطع يعبر عن فكرة جزئية، فالشاعر يريد أن يقول:
(1) افعلي ما شئت (2) لن تستعبديني (3) فأنا... (4) وظنونك وهم .. (5) قسماً... (6) سأنتصر..
وينظم هذه المقاطع عقد واحد هو عقد التحدي للمتكبرة المتجبرة التي تريد أن تستعبد الناس، على حد قول الشاعر.
وأرى أن المقطع الثالث (15 سطراً) ترهل دون داعٍ، ويمكن حذف سبعة أسطر منه، دون حرج، هي: ( 9-12، 16-18) لنفعل كما تفعل أمريكا، ونضرب عدة عصافير بحجر واحد:
نتخلص من الهنتين العروضيتين في السطرين (9، 16)، وكذا نتخلص من الترهل الزائد في هذا المقطع، ونكثف الفكرة والقصيدة، ونحذف الجملة الوحيدة التي تبرز ضعفك -فأنت الأمة في هذه القصيدة- وأكلك من خشاش الأرض (الأسطر 16-18)، ونتخلص من أعلى نبرة خطابية في القصيدة.. (أنا..)
وباستثناء هذا الترهل في المقطع الثالث، فقد جاء البناء الهرمي للقصيدة متوازناً، وتصاعدت الفكرة تصاعداً متئداً، حتى تفجرت انفجاراً وئيداً في ثلاثة مقاطع بدءاً من السطر 24 وحتى نهاية القصيدة.
رابعاً: الصور والتعبيرات الفنية:
رغم هالة الوزن وبريق القافية في قصيدتك فإن الصورة فيها نادرة، لم أرها إلا في خمس صور جاءت في ستة أسطر هي تحديداً: (2- 5- 20- 21- 26- 27) من بين 31 سطراً، وهذا أدى إلى أن يكون موطن ضعف للقصيدة.
بعض أسطر قصيدتك وإن بدت فيها صورة للوهلة الأولى، فإنها جاءت خالية من التصوير الفني الذي هو أساس الشعر.
فالسطر الثامن: "لا ولن تستنزفي بحراً بصحرائي تفجر" هذه ليست صورة شعرية، بل كثيراً ما ترد في نشرات الأخبار والتقارير العلمية التي لا يجوز فيها التصوير البياني أو البديعي.
فقد طرأ على مثل هذه التعبيرات تطور دلالي نقلها من المجاز إلى الحقيقة.
والصورة الأولى في القصيدة ليست هي الضرب بشعاع ليزر، فهذه حقيقة يعرفها الجميع، أما الصورة فهي أن شعاع الليزر يخرج من عين هذه الفاتنة المستكبرة.
والصورة الثانية (السطر 5) ليست في الاستنساخ في المعمل، فهذه -أيضاً- حقيقة، ولكنها في استنساخ معنوي غير ملموس، وهو أبواب الهوى وفرص القمع وأسباب النوى.
ولكن في قصيدتك صورة ترفعك مكاناً علياً: في السطرين 26، 27 : "قسماً بالفجر يبدو ساطعاً كالله أكبر" فهي من أجمل ما كتب أصدقاء النادي، فيما أرى.
حيث يسمي أهل البلاغة هذا التشبيه بالتشبيه المقلوب، كقول الشاعر: "في طلعة البدر شيء من محاسنها"، فالأصل أن يشبهها بالبدر، ولكنه قلب الأمر فشبه البدر بها.
وأنت فعلت هذا، فبدلاً من أن تقول "الله أكبر" سطعت كالفجر، قلت: الفجر يبدو ساطعاً كـ"الله أكبر".
وهذا التشبيه يغفر لك ما تقدم من ذنبك.
وإلى الأمام.. وننتظر المزيد.
|