English

 

الأربعاء. أغسطس. 22, 2001

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

مسرحية "حلم الجعان عيش".. مرارة الواقع أحلى‍‍!

رياض أبو عواد

Image
مصر- تعرض مسرحية "الجعان بيحلم بسوق العيش" للمخرج السويسري "ميشيل فور هاجس" العلاقة بين الوعي والتغييب، ودور الواقع في فرز هذا الوعي في سبيل مستقبل إنساني أفضل للمهمشين اجتماعيا وغير القادرين على العيش في كرامة على أرض وطنهم، ضمن إطار درامي يمهد لحياة أخرى مغايرة لما هو قائم.

استلهم المخرج السويسري المسرحية التي قدمها من المجموعة القصصية "الناس الذين نسيهم الرب" للكاتب المصري "ألبير قصيري"، الذي هاجر إلى فرنسا في مطلع الخمسينيات بعد انتصار ثورة 23 تموز/ يوليو، ولم يعد إلى مصر منذ ذلك الحين؛ حيث يعيش في بنسيونات باريس.

وجاء العرض الذي قدمه على خشبة الهناجر أربعة فنانين وفنانة متسلسلا ضمن خمسة مشاهد متتالية مماثلة لترتيب القصص في النص الأساسي للمجموعة، وقد حرصت المترجمة المصرية "عزيزة واصف"، التي قامت بترجمة النص على موافقة الكاتب "ألبير قصيري".

مشهد ارتجالي

عمد المشهد الابتدائي الارتجالي- الذي افتتح العرض- إلى كسر علاقة المشاهد بخشبة المسرح، وخلق حالة من المشاركة بين الممثلين والقاعة؛ لتحقيق هدف يبتغيه على الخشبة، يمثل حقيقة على أرض الواقع، يحياها جموع المشاهدين عن طريق صعود ثلاثة من الفنانين إلى خشبة من بين صفوف المشاهدين.

تطرقوا في ارتجالهم إلى أوضاع الانتفاضة الفلسطينية، وحالة الصمت المطبق حولها بشكل سريع. وتم طرح النقيض؛ للهروب من الجاد والهام والسياسي إلى الحديث عن مباريات كرة القدم الدولية التي تخوضها الفرق المصرية المختلفة في هذه الفترة، بعدما أصبحت مادة أساسية يهتم بها الشارع المصري.

مشهد أول.. البوسطجي والمكوجي

يُفتتح المشهد على إحدى الحارات الشعبية التي يوحي بها الممثلون والديكور البسيط الذي يتوسط خشبة المسرح، محل مكوجي يفتحه صاحبه بصعوبة في حالة من الكسل التي تكشف عن لا مبالاة ناتجة عن وضع قاسٍ، يهرب منه بالنوم على طاولة الكيّ فور فتحه المحل.

يقابله حالة موزع البريد الوحيد القادر على القراءة وكتابة الرسائل، وهو ما يجعله مالك أسرار كل الحارة، ومتدخلا في خصوصية أهلها؛ كاشفا نقاط ضعفها، وهو ما يزيد من غروره، فيعتقد أنه الأقوى والأصلح في الحارة في إطار من التعالي، فيما يبدو حالة هروب فردية بعيدا عن مشاكل أهالي الحارة الحقيقية.

وعندما يهدد موزع البريد الأهالي بفضح أسرارهم يكتشف أنهم يهزؤون به ويعتبرونه نكرة، رغم أنه المتعلم الوحيد بينهم، وأن معرفته التي اعتقد أنها مجال قوته بينهم لا قيمة لها نتيجة استثماره السلبي والتدميري لها بعيدا عن الحياة الحقيقية والواقع الذي لم يستفد منه.

مشهد ثان.. الشابة والحشاش

يعرض المشهد الثاني لنفس الفكرة من خلال عاطل عن العمل، يتعاطى الحشيش، كما يعرض علاقته مع زوجته، ويدور المشهد داخل جدران المحل الذي تحول إلى بيت.. الرجل نائم، يحلم بكوابيس متنوعة، بينما زوجته تقوم بالعمل المنزلي، فتضطر لإيقاظه.

يدور بينهما حوار حول قيمة وأهمية الحشيش في حياته في حين تدفعه زوجته إلى العمل، غير أنها تتراجع أمام ضعفه وحالة الاكتئاب التي يعيشها، وتبدي استعدادها أن تبيع بعضا من أثاث البيت الفقير لتحضر له الحشيش.

يصل الهروب في هذا المشهد إلى الذروة من خلال الحوار، الذي تبناه الحشاش، وتنظيراته عن أهمية الحشيش كأحد وسائل الهروب الاجتماعي الكبير من مواجهة الواقع اللانساني.

جاء المشهد أضعف بكثير من النص الأصلي. فالوصف الذي يقدمه "قصيري" لكوابيس الحشاش تجوّل في إطار أكثر اتساعا، ضاق عنه المسرح، مثل: حلمه بفرن العيش، وتحول الأرغفة إلى أشكال إنسانية نسائية، تمده بالشهوة والدفء، وتسهل له الفرار من قسوة الواقع إلى نعيم الخيال.

مشهد ثالث "الحلاق يقتل زوجته"

بدأ التحول في الانتقال إلى الوعي بربط عناصر الواقع المُعاش؛ حيث يتساءل صانع النحاس الفقير عن الأسباب التي دفعت الحلاق لقتل زوجته، إضافة إلى إضراب الكناسين الذي أخبره به رجل الأمن، بعد أن أجبره على التوقف عن عمله والاستماع إليه، وحكى له كيف تعاملت الحكومة معهم بإلقائهم في الشارع وإحضار آخرين للحلول مكانهم.

ويتجه صانع النحاس بسؤاله إلى المثقف الوحيد في الحارة عن العلاقة بين الوقائع، لكن المثقف يتهرب من الإجابة، غير أنه يعود ثانية للاستماع إلى صانع النحاس الذي كشف روابط الأحداث، فلم ينتبه ولم يهتم بها؛ وذلك لأنه ظل خاضعا لشعارات جاهزة يلقيها على الناس.

يبرز في هذا المشهد قيمة الوعي العفوي الناتج عن التجربة وخبرات الحياة، التي تتفوق على الثقافة المجردة من خلال ربط الوقائع ببعضها، ورد السؤال إلى مكامن الوعي الحقيقي، الذي قد يستفيد منه المثقف إذا ألمّ بعناصر الواقع التي تهم الناس.

مشهد رابع "خطر الفنتازيا"

في مشهد مرير يتحول الجميع إلى شحاذين، وبسخرية مريرة تغير الفنانة "آية سليمان" شكلها باتجاه التغريب؛ لتتمكن من ممارسة الشحاذة من الأجانب، وهو استجابة لتنظيرات أحد مثقفي الشحاذين الذي رأى أن تطوير مهنة الشحاذة يجب أن يراعي رؤية الآخرين للشحاذين.

يقف في مواجهتهما شيخ الشحاذين الذي يؤكد على ضرورة استمرار استخدام الوسائل المتعارف عليها في المهنة، وأن التطوير بهذه الطريقة يفقد الشحاذة مبدأها الأساسي في جعل المجتمع يحس بالذنب تجاههم؛ خوفا من أن يصبحوا ذات يوم مكانهم.

ويرى الشيخ أن الفنتازيا التي اخترعها المثقف تمهد لنهاية المهنة، وتبعدهم عن الواقع الاجتماعي.

الصراع بين التغريب للاقتراب من الآخر والمحافظة على ما هو قائم يشكل عنوان هذا المشهد، وصولا إلى رفض ما هو قائم، وفي الوقت نفسه البحث عن الخصوصية، بعيدا عن التغريب وتغيير الذات من أجل الآخر.

مشهد أخير.. "الجوعى لا يحلمون إلا بالعيش"

يشكل المشهد الختامي عودة في فكرته الأساسية وتطوره الفني إلى المشهد الثالث، وإن كان أكثر تعقيدا؛ حيث يجلس فنان في بيته تحت هاجس، يرى فيه أنه لم يأخذ حقه بدور ملائم في العمل على المسرح (بما تعنيه فكرة المسرح هنا من حياة متنوعة)؛ منتظرا يوما يستطيع فيه تحقيق هذا الحلم.

يتعامل الفنان أثناء ذلك بتعالٍ على أهل الحارة، ويعيش عالة على حساب زوجته التي أنهكها تدهور صحتها وعملها الشاق؛ فيهرب إلى النوم، لكنه لا يستطيع الاستمرار في ذلك، فيراقب حياة أهالي الحارة، ويبدأ في تكوين علاقات متناثرة.

بعدها يصل إلى نتيجة مفادها أن الشقاء المحيط بالناس يشمل الجميع ولا يمسه وحده، وأن إغراقه في نرجسيته لن يدفعه للتقدم، وهو يلمس تضحيات زوجته التي وصل بها مرضها إلى حافة الموت؛ فيندفع في حوار معها، يبرز من خلاله انطلاقته الجديدة باتجاه الوعي، ووقف الهروب من مواجهة الواقع.

ويصعد المشهد المسرحي إلى ذروته بعد هذا الاكتشاف، ويردد الفنانون الخمسة الفقرة نفسها التي أنهى بها القاص مجموعته "الفجر بيطلع على حي بيتولد من جديد، لم يعد يقبل الحياة كما هي، ولكنه يريد الأخذ بزمامها ليجعلها أكثر جمالا وأكثر قوة".

قام بتقديم هذه المسرحية المتميزة، وعرضها بمختلف أدوارها- أربعة من الفنانين المجهولين، هم: هاني المتناوي، وأحمد صابر، ومحمد فاروق، والأخوان محمد ومحمود فاروق؛ إلى جانب الفنانة "آية سليمان".


ناقد سينمائي  

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم