|
يمكننا الآن أن نعرف النموذج المعرفي. النموذج المعرفي هو صورة عقلية للعالم تشكل ما يمكن تسميته "خريطة معرفية"، ينظر الإنسان من خلالها للواقع. والنموذج لا يوجد جاهزًا في الواقع فهو نتيجة عملية تجريد عقلية مركبة (تفكيك وتركيب) إذ يقوم العقل بجمع بعض السمات من الواقع، فيستبعد بعضها ويبقي البعض الآخر، ثم يقوم بترتيبها بحسب أهميتها ويركبها، بل أحيانًا يضخمها بطريقة تجعل العلاقات تشكل ما يتصوره العلاقات الجوهرية في الواقع.
وتسمى هذه النماذج "نماذج إدراكية"؛ لأن الإنسان يدرك الواقع من خلالها، وتسمى أيضًا "نماذج معرفية"، أي أنها عادة ما تحتوي على بعد معرفي (كلي ونهائي) كما سأوضح فيما بعد. والنماذج (أو الخرائط) الإدراكية والمعرفية تولد إدراكًا مختلفًا من شخص لآخر ومن حضارة لأخرى لنفس الظاهرة.
* ولأضرب بعض الأمثلة الطريفة: توجد حضارات لا تعرف من الألوان إلا لونين أو ثلاثة؛ ولذا لا يرى أهلها إلا هذه الألوان. وتوجد حضارات لا تعرف "الذات"؛ ولذا إن سألت أحد أفراد هذه الحضارات عن قصة حياته فهو عادة ما يذكر قصة جده. وهناك لغات يتحدد فيها "اليمين" و"اليسار" لا بالنسبة ليمين أو يسار القائل، وإنما يتحدد اليمين واليسار بالنسبة إلى جبل يعرفه المتحدثون بهذه اللغة، فكل ما هو يمين هذا الجبل فهو "يمين" بغض النظر عن مكان المتحدث، وكل ما هو يسار هذا الجبل فهو "يسار". وإن سألت متحدث باللغة العربية عن الفرق بين كلمتي "بس bass"و"بص bus"فسيقول على الفور إن الأولى تنتهي بـ س والثانية بـ ص. وإن سألت متحدث باللغة الإنجليزية نفس السؤال فإنه سيجيب بالقول إن الاختلاف يوجد في الحرف المتحرك فالأولى يوجد فيها حرف الـ a والثانية يوجد فيها حرف الـ u. وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أن الفارق بين الـ س والـ ص غير موجود بالنسبة للمتحدث بالإنجليزية (إذ لا يوجد حرف الـ ص في لغته)، تمامًا كما أن الفرق بين الحرفين المتحركين في الكلمتين غير موجود بالنسبة للمتحدث بالعربية!
* وحينما يقول طفل من أطفال الإسكيمو: "انظر الثلج"، فإن كلمة "الثلج" في لغته يتم التعبير عنها ربما بخمسين كلمة غير مترادفة، فكل كلمة تعبر عن شكل معين وحالة معينة للثلج، وهو حين يعبر عنها فهو يراها، بينما نحن لا نرى الثلج إلا في شكلين اثنين أو ثلاثة في الطبيعة وفي الثلاجة. وطفل الإسكيمو لا يختلف كثيرًا عن أي طفل عربي نشأ في البادية. فنحن سكان المدن نشير إلى الجمل بأنه "الجمل" وحسب، والعارفون بالفصحى بيننا يعرفون أيضًا أن أنثى الجمل هي "الناقة" (وليس "الجملة"، كما أخبرتني إحدى طالباتي الرقيقات من خريجي المدارس الأجنبية)، أما هو فيعرف الجمل بعشرات الأسماء حسب نوعه وعمره ووظيفته وهكذا. فهو يعرف أن الجمال بشكل عام هي "الإبل"، والعشرة من الجمال فما فوق هي "النرود"، والجمل الصغير "القعود"، أما الجمال المسافرة فهي "البعير". وهذا قليل من كثير، ومن يرد الاستزادة فليذهب إلى المعجم العربي الذي هجرناه.
* بل إن بعض المفاهيم الأساسية تتشكل بتشكل اللغة: ففي إحدى اللغات الإفريقية توجد طريقتان للتعبير عن المستويات المختلفة من السببية: سببية مادية وسببية غيبية. فإذا سقط بيت على شخص وقتله، فالمتحدثون بهذه اللغة يمكنهم أن يبينوا أن الشخص قد قتل لأن السوس قد قرض أعمدة المنزل. ولكن يظل هناك إشكالية أخرى وهي السبب في وجود هذا الشخص بالذات في هذا المكان بالذات وفي هذه اللحظة بالذات: لحظة سقوط البيت دون سواها. وفي هذه اللغة الإفريقية يمكنهم أن يتحدثوا عن السبب المادي (العلمي من وجهة نظرنا) الذي ورد ذكره، وعن "سبب" آخر مجهول، نشير له نحن، في مجتمعاتنا المتقدمة بكلمة "الصدفة"، ويشيرون له هم بأنه "الخالق الأعظم".
|