English

 

الأربعاء. فبراير. 25, 2004

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أُمَّاه.. رثاء من قلب ابنك

رثاء الوالدة التي انتقلت إلى رحمة الله تعالى في بلدة جرجناز معرة النعمان سوريا، الثلاثاء العاشر من صفر سنة 1423هـ/ 23 نيسان/ إبريل سنة 2002م

نَزَلَ الأَسَى فَوقَ الأَسَى بِدِيَارِي
وَامْتَدََّ كَالطُّوفَانِ كَالإعْصَارِ

فَجَدَاوِلُُ الدَّمْعِ الْغَزِيرِ كَثِيرَةٌ
تَجْرِي عَلَى الْوَجنَاتِ كَالأَنْهَارِ

وَبِكُلِّ عَينٍ عَينُ دَمْعٍ لَونُهَا
يُغْنِي عَنِ الإِعْلانِ وَالإِسْرَارِ

والْمَوتُ حَقٌّ، والْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ
مَهْمَا اسْتَطَالَتْ مُدَّةُ الأَعْمَارِ

والنَّاسُ تَلْهُو، أَو تُفَكِّرُ إِنَّمَا
حُكْمُ الْقَضَاءِ يُطِيحُ بِالأَفْكَارِ

ويُحَوِّلُ الْفَرَحَ الْمُغَرِّدَ مَاتَماً
يَرْمِي قُلُوبَ النَّاسِ فِي الأَعْشَارِ

ويُبَدِّلُ الَّلحْنَ الطَّرُوبَ مَنَاحَةً
ويُنَغِّصُ الأَفْرَاحَ بِالأَكْدَارِ

ويُكَابِدُ الآلامَ - في أَحْزَانِهِ -
مُتَضَارِبَ الأَفْكَارِ فِي الدَّوَارِ

عشْرُونَ عَاماً !! كَالطَّرِيدِ مُهَجَّراً
فِي عَالَمِ الْحَدَّادِ والْبِيطَارِ

لا أَسْتَطِيعُ زِيَارَةَ الْوَطَنِ الَّذِي
أَضْحَى ضَحِيَّةَ عُصْبَةِ الْجَزَّارِ

بَطَشَتْ بِشَعْبِهِ طُغْمَةٌ هَمَجِيَّةٌ
وتَبَجَّحَتْ بِفَظَاعَةِ الأَوزَارِ

سَجَنَتْ سُرَاةَ شُعُوبِنَا بِشُيُوخِهِمِ
وشَبَابِهِمْ فِي أَسْوَأ الأَوكَارِ

وتَفَرَّقَ الشَّمْلُ الْحَبِيبُ، وهَاجَرَتْ
- مِنَّا - الأُلُوفُ كَهِجْرَةِ الأَطْيَارِ

َكِنَّ بَعْضَ الطَّيرِ يَرْجِعُ حِينَمَا
يَاتِي الرَّبِيعُ بِحُلَّةِ الأَشْجَارِ

وتَمُوتُ آلافُ الطُّيُورِ - غَرِيبَةً !!
مَنْسِيَّةً - بِحَدَائِقِ الأَزْهَارِ

أَمَّا أَنَا فَقَدِ ابْتَعَدْتُ، ولَمْ أَمُتْ
لَكِنَّنِي كَالْغُصْنِ دُونَ ثِمَارِ !!

كَالْغُصْنِ والأَعْوَامُ تَنْشُرُ أَضْلُعِي
والْغُصْنُ لا يَقْوَى عَلَى الْمِنْشَارِ

فَرْداً حَزِنْتُ، ومَا فَرِحْتُ، ولا أَتَى
خَبَرٌ يُفَرِّجُ كُرْبَةَ الْمحْتَارِ

وغَرِقْتُ فِي الأَحْزَانِ -بَعْدَ تَفَاؤُلِي-
فَهَتَفْتُ بِالطَّبَّالِ والزَّمَّارِ :

كُفَّا فَمَا قَرْعُ الطُّبُولِ بِنَافِعٍ
- أَبَداً - ولا التَّزْمِيرُ بِالْمِزْمَارِ

إِنِّي سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ، ومَا بِهَا
مِنْ كَثْرَةِ الأَخْطَارِ والإِخْطَارِ

وفَقَدْتُ أُمِي نَائِياً، ومُهَجَّراً
فِي لُجَّةِ الإِحْبَاطِ والإِصْرَارِ

فَأَضَعْتُ بُوصِلَةَ النَّجَاةِ بِفَقْدِهَا
وفَقَدْتُ يَنْبُوعاً مِنَ الإِيثَارِ

ورَجَعْتُ كَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ - مُوَلْوِلاً -
أَتَجَنَّبُ الأَمْوَاجَ كَالْبَحَّارِ

لَكِنَّ مَوجَ الْحُزْنِ أَغْرَقَ مَرْكَبِي
وتَحَطَّمَ الْمِجْدَافُ بَعْدَ الصَّارِي

وفَقَدْتُ مَنْ فَجَعَ الأَحِبَّةَ مَوتُهَا
والْمَوتُ حَقٌّ مَا بِهِ مِنْ عَارِ

لَكِنَّهُ مُرٌّ يُفَرِّقُ شَمْلَنَا
بِصَرَامَةٍ كَالصَّارِمِ الْبَتَّارِ

فَصَرَخْتُ : وَاأُمَّاهُ !! وارْتَدَّ الصَّدَى
مُتُفَاوِتَ الإِخْفَاءِ والإِظْهَارِ

وبَكَيتُ مَجْرُوحَ الْفُؤَآدِ مُنَاجِياً:
أُمِّي، بِدَمْعٍ نَازِفٍ مِدْرَارِ

لاَ أَرْتَجِي أُمًّا سِواكِ ولَيسَ لِي
إِلاكِ مِنْ عَونٍ ومِنْ أَنْصَارِ

وأَعَدْتُ : واأُمَّاهُ !! دُونَ إِجَابَةٍ
تُغْنِي عَنِ الأَبْرَارِ، والأَشْرَارِ

وغَرِقْتُ فِي الْحَسَرَاتِ بَعْدَ فِرَاقِهَا
- فَرْداً - ولَمْ أَسْمَرْ مَعَ السُّمَّارِ

فَرْداً غَرِيبَاً نَائِياً ومُهَجَّراً
ومُطَوَّقاً بِوَسَائِلِ الإِنْذَارِ

لَكنَّنِي مِنْ أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ
مَحْمُودَةِ الإِيرَادِ والإِصْدَارِ

غَدَرَ الزَّمَانُ بِهَا، وفَرَّقَ شَمْلَهَا
فِي الْكَونِ بَينَ حَوَاضِرٍ وقِفَارِ

وطَغَتْ عَلَيهَا الْحَادِثَاتُ فَكَسَّرَتْ
مِنْ شَعْبِهَا الْفَخَارَ بَالْفَخَّارِ

هِيَ أُمَّةٌ !! شَاهَدْتُهَا مَقْتُولَةً
مَا بَينَ رِعْدِيدٍ ووَحْشٍ ضَارِ

هِيَ أُمَّةٌ عَرَبِيَّةٌ قَدْ سَلَّمَتْ
مَحْصُولَ مَا زَرَعَتْ إِلَى النُّظَّارِ

فَتَقَاسَمَ النُّظَّارُ زَهْرَ تُرَاثِهَا
بِمَشَارِطِ الأَنْيَابِ والأَظْفَارِ

حَتَّى إِذَا وَقَعَ الْبَلاءُ وخُدِّرَتْ
بِالسِّحْرِ، وانْقَادَتْ إِلَى السَّحَّارِ

قَامَتْ جُمُوعُ الأُمَّهَاتِ إِلَى الْوَغَى
ثَكْلَى الْقُلُوبِ، قَوِيَّةَ الإِصْرَارِ

فَدُمُوعُهنْ : جَدَاوِلٌ رَقْرَاقَةٌ
وجُيُوبُهُنَّ : مَنِيعَةُ الأَزْرَارِ

وقُلُوبُهُنَّ : مَشَاعِلٌ وَضَّاءةٌ
ووُجُوهُهُنَّ : جَلِيلَةُ الإِسْفَارِ

يَصْنَعْنَ - مِنْ جُبْنِ الرِّجَالِ - شَجَاعَةً
مَمْزُوجَةً بِجَسَارَةِ الْمِغْوَارِ

مِنْهُنَّ أُمِّي، والأُمُومَةُ نِعْمَةٌ
عُلْوِيَّةٌ تَعْلُو عَلَى الأَطْوَارِ

لَمْ أَدْرِ كَيفَ فَقَدْتُهَا؟ فِي غُرْبَةٍ
مَرْفُوضَةٍ طَالَتْ وَرَاءَ بِحَارِ

لَكِنَّنِي أَحْسَسْتُ أَنَّ خَيَالَهَا
كَالنُّورِ - يُومِضُ دَائِماً - بِجِوَارِي

ويُنِيرُ لِي دَرْبَ الْهِدَايَةِ والتُّقَى
ومَنَاقِبَ الْعُبْدَانِ والأحْرَارِ

ويَقُولُ لِي : مَا زِلْتُ أَحْيَا بَينَكُمْ
- سِرا- وأَسْتَعْصِي عَلَى الأَبْصَارِ

لَكِنَّ أَصْحَابَ الْبَصَائِرِ قَدْ رَأَوا
- بالسِّرِّ - مَا اسْتَخْفَى مِنَ الأَسْرَارِ

فَأَجَبْتُ: فِعْلاً قَدْ شَعَرْتُ بِطَيفِهَا
كَنَسَائِمِ الْفِرْدَوسِ فِي الأَسْحَارِ

وأَنَارَ لِي كُلَّ الدُّرُوبِ وأَسْفَرَتْ
شَمْسٌ تُشِعُّ النُّورَ فِي الأقْمَارِ

أَنْوَارُ أُمِّي لا تُحَدُّ -كَحُبِّهَا
وحَنَانِهَا- بِمَنَاعَةِ الأَسْوَارِ

أُمِّي تَسِيرُ بِجَانِبِي -في غُربتي-
وتُنِيرُ لِي طُرُقاً بِكُلِّ مَسَارِ

تَجْتَازُ حُرَّاسَ الْحُدُودِ حَنُونَةً
وتُبَدِّدُ الأَوهَامَ بِالأَنْوَارِ

وتَبُثُّ -فِي رَوعِي- ثَبَاتاً مُطْلَقاً
بِعَدَالَةِ اللهِ الرَّحِيمِ الْبَارِي

وتُلَطِّفُ الْحُزنَ الْمُخَيِّمَ بَعْدَمَا
سَالَتْ دُمُوعُ الْقَومِ كَالتَّيَّارِ

وتُنِيرُ لِي دَرْباً ولَيلاً مُظْلِماً
عِنْدَ اضْطِرَابِي، واضْطِرَابِ قَرَارِي

ضَاءتْ -بِنُورِ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ-
كَالْفَجْرِ وانْطَلَقَتْْ مَعَ الأَطْيَارِ

لِتَصُوغَ مَلْحَمَةَ الْوَفَاءِ -مِنَ الْهُدَى-
حَتَّى يَصِيرَ اللَّيلُ مِثْلَ نَهَارِ

فَأَرَى دُرُوبَ الْحَقِّ -بَعْدَ ضَلالَةٍ-
مَكْشُوفَةً تَبْدُو بِلا أَسْتَارِ

لأَسِيرَ فِي دَرْبِ الْهِدَايَةِ - حَسْبَمَا
رَسَمَتْهُ أُمِّي - رغْمَ كُلِّ غُبَارِ

فَالأُمُّ - فِي لَيلِ الْمَكَارِهِ - شُعْلَةٌ
والأُمُّ يَنْبُوعٌ لِكُلِّ فَخَارِ

والأُمُّ فِي الْلَيلِ الْبَهِيمِ مَنَارَةٌ
تَحْنُو عَلَى الْوَلَدِ الْغَرِيبِ السَّارِي

والأُمُّ -إِنْ بَخِلَ الْجَمِيعُ- كَرِيمَةٌ
وعَطَاؤُهَا مُتَوَاصِلُ الأَطْوَارِ

لَكِنَّ مَوتَ الأُمِّ يُعْقِبُ -فِي الْحَشَا
والْقَلْبِ- شُعْلَةَ مَارِجٍ مِنْ نَارِ

كَمْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُقَبِّلَ قَبْرَهَا
وأَخِرَّ مَغْشِيًّا عَلَى الأَحْجَارِ

لأُخَبِّرَ الأُمَّ الْحَنُونَ بِأَنَّنِي
-مِنْ بَعْدِهَا- الْمَفْؤُودُ دُونَ عَقَارِ

صَارَتْ حَيَاتِي - بَعْدَ أُمِّي - مَسْرَحاً
لِلدَّمْعِ والآهَاتِ والتَّذْكَارِ

أُمَّاهُ !! طَيفُكِ - دَائِماً - يَحْيَا مَعِي
ويَقُولُ لِي: جَاهِدْ مَعَ الأَطْهَارِ

فَلِذَا سَأَبْقَى مَا حَيِيتُ مُجَاهِداً
عَسْفَ الطُّغَاةِ، وبَاطِلَ الْفُجَّارِ

أَنَا لَنْ أُسَاوِمَ إِنْ تَفَاوَضَ بَائِعٌ
مَهْمَا تَنَازَلَ سَادَةُ السِّمْسَارِ

إِنَّ الْوَفَاءَ - لِرُوحِ أُمِّي - يَقْتَضِي
حِفْظَ الْحُقُوقِ بِهِمَّةٍ ووَقَارِ

ولِرُوحِهَا مِنِّي التَّحِيَّةُ كُلَّمَا
لَمَعَتْ سُيَوفُ الْحَقِّ بِالْمِضْمَارِ

ولِرُوحِهَا مِنِّي التَّحِيَّةُ كُلَّمَا
جَادَتْ غُيُومُ الْحُبِّ بِالأَمْطَارِ

ولِرُوحِهَا رُوحِي الْفِدَاءُ لِتُفْتَدَى
مَرْفُوعَةَ الأَعْلامِ والأَكْوَارِ

أُمِّي الْقَرِيبَةُ -مِنْ فُؤَادِيَ- دَائِماً
لَمْ يَنْفِهَا نَفْيٌ، وبُعْدُ مَزَارِ

النقد والتعليق:-

الناقد والشاعر/ مدحت خليل

الأخ الفاضل د. محمود يا من ولدت بمعرة النعمان (محبس أبي العلاء ولقبه)، أراك تأثرت بجارك أبي العلاء في فلسفته وتشاؤمه وتناثر الحكمة بين أبيات قصائده.

أخي الفاضل، طول القصيدة ليس محمدة في ذاته، كما أن قصرها لا يعد عيباً، إلا إذا أخل بالفكرة أو الموضوع أو الصورة.

وعذراً إن اجتزأنا قصيدتك ولنا في ذلك عذران: الطول ، ثم السرد والحكي.. مما اضطرنا إلى اختيار بعض أبيات قصيدتك، مراعين في ذلك تعبير الأبيات المختارة عن كل أفكار القصيدة، وسوف نشير إلى أرقام الأبيات التي نتوجه لها بالنقد والتعليق، فهذا حقك علينا، ولن نغمطك إياه..

ولندلف إلى القصيدة.

أولاً: الوزن والموسيقى:

القصيدة من بحر الكامل، وتفعيلته (متفاعلن ///O//O)، وتتكرر ثلاث مرات في كل شطرة، في الصورة التامة للبحر.

واستخدم الشاعر زحافاً واحداً هو حذف الخامس المتحرك، وهو ما يلزم اتباعه حتى آخر القصيدة، ما دام في عروض البيت (آخر تفعيلة في الشطر الأول)، أو ضربه (آخر تفعيلة في الشطر الثاني)، إلا إذا كان البيت الأول مصرعاً (والتصريع هو توحيد قافية شطري البيت الأول: دياري، إعصارِ) فليس على الشاعر -حينئذٍ- الالتزام بهذا الزحاف في أعاريض الأبيات التالية.

صرَّع الشاعر البيت الأول وهو ما يعطي المتلقي فرصة تكرار النغمة من أول بيت يقرؤه؛ فيستقر البحر في أذنه، ويكون تجاوبه مع القصيدة أسرع.

ثانيا: اللغة والأفكار:

استخدم الشاعر أربع مجموعات لفظية شكلت معظم مفردات قصيدته:

المجموعة الأولى: الأسى ـ الدمع ـ الموت ـ الحياة ـ حكم القضاء ـ مأتم ـ مناحة ـ ينغص ـ الأكدار ـ يحير ـ الطريد ـ ضحية ـ سجن ـ تفرق شمل ـ غدر الزمان ـ مقتولة ـ البلاء ـ ثكلى القلوب ـ غربة.

وتدل ألفاظها على الأسى والحزن والتشاؤم..

والمجموعة الثانية: الفرح المغرد ـ اللحن الطروب ـ تسير بجانبي ـ تنير ـ تجتاز ـ تبدد الأوهام ـ الأنوار ـ ضاءت ـ انطلقت ـ سأبقى..

وتدل على الفرح والسرور والتفاؤل، وهو ما يعطي انطباعاً أولياً بالحيرة وعدم الاستقرار ليؤكد لنا صدق تجربة الشاعر المغترب؛ فالحيرة وعدم الاستقرار أهم سمات المغترب.

والمجموعة الثالثة: دياري ـ الطريد ـ مهجراً ـ الوطن ـ شعوبنا ـ أمة ـ الأمهات ـ أمي ـ غربتي..

والرابعة: الطوفان ـ الإعصار ـ جداول ـ الأنهار ـ عين ـ أضحى ـ الأوكار ـ الأطيار ـ الكون ـ حواضر ـ قفار ـ بحار ـ الفجر..

وتدل ألفاظها على الحنين الجارف إلى الوطن الأم (معرة النعمان) مهد الطفولة، وأم الأمهات والآباء والأجداد.

والمعنيان (الحيرة والحنين إلى الماضي) اللذان احتوتهما هذه المجموعات اللفظية يشكلان هاجساً رئيساً، ومنهجاً فلسفياً ينتهجه الشاعر، وهما الفكرتان الرئيستان في القصيدة.

ثالثاً: الصور والتعبيرات الفنية:

الأبيات الثلاثة الأولى فيها تصوير جيد.

فالبيت الأول: يصور الأسى (معنوي) فوق الأسى، يقول الله عز وجل {ظلمات بعضها فوق بعض}، ثم يمتد الأسى ويفيض حتى يصير طوفاناً (ماء يجري على الأرض)، ثم يمتد ليشمل كل ما حوله؛ فيصير إعصارا (ماء يجري، وريح تهب، وأرض تضطرب، وسماء تمطر...).

والبيت الثاني: غزر الدمع حتى صار جداول (أنهارا صغيرة) ، ثم كثرت الجداول حتى صارت أنهاراً.

والبيت الثالث: تفجرت في كل عين (باصرة) عين ماء (دموع)، ثم أومأ الشاعر إلى لون الدموع، وهو يعني أنه بكى دماً ولم يبك دمعاً، وإن كان التصريح أولى من الإيماء.

الأبيات (4 - 8) محاولة صياغة حكمة.

يقول شوقي أمير الشعراء: "ما يزال الشعر عاطلا حتى تسكنه الحكمة، وما تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت الشعر".

وصياغة الحكمة تحتاج خبرة بالحياة طويلة، واقتداراً على الشعر واللغة، فلا ترى الحكمة إلا في شعر القليلين كأبي العتاهية وأبي العلاء والمتنبي وشوقي.

ولعلك أردت أن تكون كجارك (أبي العلاء) الذي قال في نفس الفكرة التي عالجتها في أبياتك الخمسة:

تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد

إن حزناً في ساعة الموت أضعاف سرور في ساعة الميلاد

وهذه هي حكمة الشيوخ..

الأبيات: (14، 16، 17، 20-22، 26) (12 بيتاً) تمثل نصف ما اخترناه تقريباً، سرد قصصي (نظم) لا صورة فيه، مثله في ذلك مثل بقية القصيدة الطويلة (105 أبيات)، أي أن حوالي 96% (91 بيتاً) من قصيدتك سرد لا صورة فيه.

وأنا على يقين من علمك أن الصورة بعد الوزن هي الأساس الجوهري للشعر؛ فالشعر في رأيي "صورة موزونة".

وتبقى 6 أبيات هي (15، 18، 19، 23 - 25) وهي أبيات عادية، أي أنها أبيات تحمل صوراً عادية، كثيرة الاستخدام (مستهلكة)، لا ترقى إلى الشرح والتحليل..

وننتظر أخي الكريم منك المزيد.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم