English

 

الخميس. مارس. 4, 2004

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

المتسولة

(مذكرات محتل)

تبدو كأرملة تنوء ولا تئن

وتمد أيديها كزهرة نرجس

ينبوع صوت سابح

كي أطمئن

الفقر جوف مدينتي

والحب -زاد الليل- مثل سكارة

والجوع فن

**

تبدو...

وأبدو كالطريق معربدا

متمردا

خاوٍ من الأحلام

يسكب وجده إبريق شاي

كي يظل يواكب العصر الجديد

ويصنع الضوء/الزمن

**

تلك التي تبدو...

وكنت مجندلا بشماغ جدي

علني في ذلك العمر الغريب

أرى دمي

أوصاني جدي بالفقير

وليتني

جداه ما أوصيتني

جداه ما علمتني

أن الصلاة على تراب طاهر

كفر صريح

إن لم يكن فيها الإمام لك الزناد

والطلقة الأولى

كفن

**

تلك التي تبدو..

وتسكن دمعة أحداقي

أني رأيت ثيابها

ورأيت من خلل الثياب عراقي

أواه يا وطني

عقدين أبحث عنك

هل كان العراق مخبئا

في ثوب أرملة

تمشط شعرها بالنفط؟

هل كان العراق

كأي أرملة

تنوء ولا تئن؟

وتمد أيديها لبعض مروءة

أو بعض حزن

وتنام ملء الليل

فوق وسادة الرجل الأخير

مالي إذن؟

نبشت في الآثار

في التاريخ

في مسمار جحا عن قصيدة

مالي إذن -والجوع أغنية بعيدة-

أرهقت أعصابي

لأبحث عن وطن

**

غرقت أمانينا ببحر من جفاء

حتام نطفو

مثل أعقاب السكائر

فوق موجات الرياء

الشعر علمني البكاء

وها أنا في كل يوم أكتب السطر الأخير من الهباء

**

أطفأت النور

فنامت

كل نجوم الأمل

النقد والتعليق:-

الناقد والشاعر صلاح جلال

على موسيقى البحر الكامل (مُـتَـفاعلن) عزف صديقنا سعد خليل الجبوري قصيدته "المتسولة" فجاءت لحنا حزينا معبرا بصدق عن حالته الشعورية، مستخدما جل ما يملك من إمكانيات فنية ومستعينا بحصيلة لا بأس بها من المفردات اللغوية؛ فجسد لنا صورة حية نكاد نلمسها ونسمع صوتها الشاكي الباكي بين جنبات القصيدة.. كما نسج صديقنا قصيدته من الشعر الحر ليفسح مجالاً أرحب للتنقل والحركة وتغيير القافية لتعبر عن المواقف الشعورية المختلفة مع الرجوع بعد كل جولة إلى القافية الأنين والسكون مع النون الساكنة...

فهيا نجول مع شاعرنا و"المتسولة":

تبدو كـ "أرملة" تنوء ولا تئن

وتمد أيديها كزهرة نرجس

ينبوع صوت سابح

كي أطمئن

الفقر جوف مدينتي

والحب -زاد الليل- مثل سكارة

والجوع فن


في هذا المقطع وهو مطلع القصيدة.. ألقى صديقنا على أعتابه بكل أثقال معاناته.. وبدون

مقدمات عرض علينا صورة شاخصة أمام أعيننا لـ"المتسولة" لم يمهد لها ولم يُشرك القارئ في رسمها.. بل بدأ بجرأة درامية بقوله "تبدو كأرملة"، والحقيقة أن كلمة "تبدو كـ.." تعطينا شعورًا بعدم تأكد الواصف من حقيقة حال الموصوف، لا سيما أن هذا التعبير قد تكرر أربع مرات في القصيدة رغم قصرها!! ويصور هذا المقطع حال تلك المرأة التي تبدو كأرملة إذ مات الرجل المعين وتخلى الزمن عنها، فهي تنوء بما تحمل ويثقل عليها حملاً لدرجة عدم الإطاقة لكنها.. ورغم كل هذا لا تئن!! إنها لا تزال صامدة رغم محنتها صابرة رغم شقائها.. وهي حين تمد يدها بالسؤال فإنها تفعل ذلك برقة وحياء النرجس.. نعم فالنرجس رقيق حيي، ومما ينسب إلى كسرى: "إني لأستحي أن أغازل من أحب بمجلس فيه النرجس"، وربما يرجع هذا إلى حياء النرجس وعدم تبرجه كما يقول ابن لؤلؤ:

والنرجس الغض اعتراه الحيا.. فغض طرفا فيه أسقام

إنها تمد يدها بالسؤال فقط لتطعم وليدها وتطمئنه.. وكيف لا تفعل و.. "الفقر جوف مدينتي" و"الجوع فن".

بعد هذا المقطع ينخرط صديقنا في تصوير حاله هو إلى جوار هذه المتسولة التي أخبرنا أنها كأرملة ثكلى.. فيقول:

تبدو...

وأبدو كالطريق معربدا

متمردا

خاوٍ من الأحلام

يسكب وجده إبريق شاي

كي يظل يواكب العصر الجديد

ويصنع الضوء الزمن


ما أروع هذه الصورة التي تصور الضياع والتردي وفقدان الهوية، حين شبه نفسه بالطريق الطويل الممتد عبر آفاق بعيدة طريق موحش طويل ملتو غير واضح.. هذه هي الصورة التي يرى الشاعر نفسه عليها "خاو من الأحلام"!! لكننا نأخذ على صديقنا هنا اختلال الوزن منه في قوله "كي يظل يواكب العصر الجديد" فقد شذ عن تفعيلات الكامل.. ويستقيم الوزن لو قال صديقنا "ليواكب العصر الجديد" على سبيل المثال.. مع الإشارة لأهمية المعنى في كلمة "يظل".

تلك التي تبدو...

وكنت مجندلا بشماغ جدي

علني في ذلك العمر الغريب

أرى دمي

أوصاني جدي بالفقير


وهنا نقول لشاعرنا: لا تندم على المبادئ حتى لو لم يتفهمها الآخرون، ولا تأسف على النبل حتى إن سقط الآخرون في بحور الخيانة ولم يراعوا فيك إلاً ولا ذمة؛ فالفارس الحقيقي لا ينتظر تقدم غيره ولا يأبه بتخلف الجبناء.. وأنا أختلف معك صديقنا في هذا الرفض لكلام جدك، ولا أظن أن تاريخنا يشجع على أن يستسلم الناس لقسوة حاكم وظلم متحكم.. لكن ورغم ذلك أقدم تحية لدمعتك الصادقة النازفة من حرقة الوضع الراهن وأقدر سر علو نبرة صوتك وأنت تقول:

وليتني

جداه ما أوصيتني

جداه ما علمتني

أن الصلاة على تراب طاهر

كفر صريح

إن لم يكن فيها الإمام لك الزناد

والطلقة الأولى

كفن


وفي الحقيقة أعجبني نصف الصورة ولم يعجبني النصف الآخر وأرى أنك لم توفق فيه.. فلو تخيلنا الإمام هو الزناد الذي سيطلق النار عليك.. فإن قولك والطلقة الأولى كفن غير موفق؛

لأنك تحتاج لتعبير من جنس فعل الإمام.. مثل والتكبيرة الأولى أو السجدة الأولى.. ثم يفجر الشاعر مفاجأته بالإفصاح عن حقيقة هذه المرأة الرمز بطل القصة التي حاكها بحروفه ونفثات مشاعره.. انظر إليه يقول:

أني رأيت ثيابها

ورأيت من خلل الثياب عراقي

أواه يا وطني

عقدين أبحث عنك

ثم يسترسل الحديث بعد أن أزاح الستار عن الصورة الحقيقية لبطل العمل.. إنه العراق الحزين، وهنا يتساءل الشاعر في جو يتسم بالصمت العميق إلا من صوت نشيجه وبكائه..

هل كان العراق مخبئا

في ثوب أرملة

تمشط شعرها بالنفط؟

هل كان العراق

كأي أرملة

تنوء ولا تئن؟

وتمد أيديها لبعض مروءة

أو بعض حزن

وتنام ملء الليل

فوق وسادة الرجل الأخير

مالي إذن؟

في الحقيقة تساؤلات بعضها مر.. وكلها غريب.. حين نرى العراق "تمد أيديها لبعض مروءة أو بعض حزن!!"، وحين نراها أرملة تمشط شعرها بالنفط.. إن هذه الصورة للأرملة التي تمشط شعرها بالنفط هي أروع وأدل صورة في العمل الذي بين أيدينا.. نعم فالنفط الذي هو سر الثورة والثروة.. سر القوة والغنى.. يكون السبب في تردي حال العراق وقبح منظرها حين تمشط به شعرها، إنه منظر مقزز وصورة بائسة.. فكما أن الذهب إن أكلته ضرك ولم يذهب جوعك فإن التسربل بالنفط لا يسد فاقة العراق وحاجتها لرجل يجبر كسرها ويلم شعثها.

وهنا يكفكف الشاعر دمعه ويملك نفسه ويختم قصيدته بالحكمة وخلاصة التجربة فيقول:

غرقت أمانينا ببحر من جفاء

حتام نطفو

مثل أعقاب السكائر

فوق موجات الرياء

الشعر علمني البكاء

وها أنا في كل يوم أكتب السطر الأخير من الهباء

في الحقيقة أنا أستغرب لفظة "حتام"، وهل يقصد صديقنا أن يستعيض بها عن كلمة "إلام"

مثلاً؟!! لأن حتى ماذا.. لا تستقيم هكذا.

وعلى أي حال هناك بعض المقاطع القليلة التي شذ فيها الوزن واختلت الموسيقى من شاعرنا ولم نلحظ جرأته في تعدد القوافي إذ نراه يسرع بالارتداد إلى نونه الساكنة، وهذا إن لم يكن عيبا إلا أن التميز يحتاج لمزيد من الجرأة والإقدام.

صديقي، أعتقد أن القصيدة يمكن أن تنتهي عند هذا الحد أما زيادتك الأخيرة:

أطفأت النور

فنامت

كل نجوم الأمل

فهي أولاً ليست من البحر الكامل الذي عزفت عليه القصيدة، ثم ثانيا لم تكن القصيدة بحاجة لها ولم ترتبط بما قبلها ارتباطا يوحي بذلك، علما بأن أقوى مناطق العمل الشعري يكون الختام فلا يصح أن يكون مفككا هكذا.. تقبل مني التحية.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم