|
هنيئاً
لكلِّ رفاقي الذين ينامونَ
فوقَ سريري
ويقتسمون رفاتي
هنيئاً لهم
حينما تصبحُ الروحُ
إرثاً مباحاً
بأيدٍ تناستْ يدي
عندما كنتُ أقتسمُ الخبزَ
والجبنَ
أُرجئُ نفسي
فكنتُ أمرُّ عليهم
مرورَ العجوزِ على صبيةٍ
مزَّقَ الجوعُ أيامهملأمدَّ إليهم يداً
كم سرتْ
في أناملها رعشةٌ
من سنينٍ عجافٍ
ألـقِّنهم
سِفْرنا الأبدي
المحبةُ دَيْـنٌ
وتاجٌ
يُجَمِّلُ هامَ المحبينَ
كانوا
يسدُّون آذانهم
يرحلونَ
وحين تجيءُ الوساوسُ
وقتَ الرحيلِ
لتزرعَ فيهم نباتَ الغوايةِكنتُ
أطوفُ عليهم
بأكوابِ هَـدْيٍ
لعل رفاقي يتوبونَ
يتلونَ
ما يتيسَّرَ
من سِفْرنا الأبديّْ
النقد والتعليق:
الشاعر والناقد عبد الرافع مجاهد:
يحق لنا أن نرصد من خلال هذا النادي حالة عامة في أدب الشباب للفترة الأخيرة، باعتبار أن من يقدم إبداعه على هذه الصفحة هم شريحة غير منتقاة من مجتمعنا العربي.
وما أريد أن أثبته في هذا السياق أن الظرف الذي نعيشه في إبداع الشباب يماثل الظرف الذي واجهه الشباب الفرنسي في القرن التاسع عشر بعد هزيمة نابليون.
الحزن يستبد بإبداعنا بصورة كبيرة حتى ليخرج في كل جملة وكلمة، واللون الذي يغطي العمل الفني هو الأسود القاتم..."رفاتي - تصبح الروح إرثا مباحا- سنين عجاف- الجوع- يرحلون- الرحيل".
إذن هذه المقطوعة القصيرة هي تجربة صادقة، ونفس غارق في أجواء ملتهبة، ونداء خافت في مدن غارقة.
ولا نستطيع أن نميز في مثل هذه الظروف بين من يكتب لنفسه، ومن يكتب لغيره، ولا حتى بين التجربة الذاتية والغيرية، لأن المرارة داخل نفوسنا ومذاق الأحداث شديد القسوة على ألسنتنا ونداء العين الدامعة من بقايا الوطن الذي استحال حلما كطفل كسير يقطع أنياط قلوبنا.
جماليات الرمز في مقطوعة محمد رشدي أنه شديد العمومية بحيث يصبح ملك المتلقي يستطيع أن يفهم الدلالة منه كما يشاء.
لكن ما يؤخذ عليه أنه في البداية دخل إلينا بلغة مكثقة تعبر عن امتلائه بروح المعنى حتى تعيش معه بقوة، وتجذبك ألفاظه باتجاه حالة نفسية يعيشها معك ويحس بها إحساسا كبيرا، ثم تتراجع هذه اللغة في آخر المقطوعة لتكون قريبة من الوضوح، وتتهاوى الصورة وكأنه تخلى عن ريشة الفنان فجأة ليتناول قلم صحفي لكنه لا يفقد تألقه حتى الختام.
في الحديث عن المضمون نجد استخدامه لألفاظ مثل: العجوز والجوع والجبن والرعشة، وهو هنا يسير باتجاه مواز لاتجاهه في استخدام: "هنيئا لهم- ينامون فوق سريري- الروح إرث مباح- وتناست يدي"، حيث إن الثانية صورة المأساة، والأولى صورة مواجهتها.
ولكن المواجهة تعبر عن إرادة ضعيفة لا نحبها -وإن كنا نعانيها- لكن لنا أن نتمنى أن يستفز المبدع إيمانه الديني ويستدعي صور المقاومة على خريطة الأحداث كي تمده بقوة الأمل.
والتناقض البارز في إبداع الشباب الذي ينحو باتجاه نزعة الرومانسية الجريحة المسكونة بآلام الوطن، أنه مليء بروح اليأس مع أنه نشأ ويتنامى في أجواء الانتفاضة، على كل حال هذا ما نتمناه ولكن إذا كنا لا نتحكم بمشاعرنا فلا نستطيع أن نملي على أحد مشاعره.
|