|
تركت الأهل في مصرا لأجلك مرة أخرى
وعـندك في رحاب الطهر جـئتك أعصر الفجرا
لأشرب نخب هذا الصبح تقوى نجبت طهرا
وأبني فوق أرض القلب من تقواي لي قصرا
فلا والله لا مالا ولا ملكا ولا درا
يدانـى لذة الــتقوى فتــلك اللذة الكبرى
أنا فارقت أوطاني وكم أحببتها مصرا
عشقت ترابها عشقا وقلبي لم يزل غرا
وقالوا هل تطيق البعد عن أهل ولو شبرا ؟
فقلت لأجل هادينا أطيق البعد لو عمرا
أنا هيمان يا قومي أما يكفي الهوى عذرا ؟
وقلبي كيف يسلو القلب إن طافت به الذكرى ؟
عصرت القلب في حب الحبيب المصطفى عصرا
فلا والله لا أنسى وقوفي عنده فجرا
وقلبي خافق بالحب دمعاتي له تترى
وقد شقت على خدىّ من حبي له مجرى
ضعيف القلب هيمان بنور القبة الخضرا
أنا والله يا طه أسير الحب والذكرى
أنا المهزوم من دنيا تكيل الهم والغدرا
تشد السهم من قلبي لترمي مرة أخرى
أنا المهزوم لكني بشرعك أبلغ النصرا
فقد علمتنا الإيمان كيف يكون والصبرا
فيا من أم رسل الله جمعا ليلة الإسرا
نجوم في سماء الخلق كنت إمامهم بدرا
ويا من قد وسعت الخلق عفوا عانق البرا
ويا من جاهد الكفار حتى حطم الكفرا
ويا وجها أضاء النور فيه الحسن والبشرا
ويا قلبا يضخ الحب والإيمان والطهرا
ويا قرآننا يمشي ويا عدلا مضى حرا
كمال لم يزل نبعا لأقلام الورى سرا
ألم يرفع لك الرحمن يا خير الورى ذكرا ؟
ألم يشرح لك الرحمن يا خير الورى صدرا
وفيكم يا رسول الله ماء النور قد أجرى ؟
وما كانت حياة الناس إلا علقما مرا
سقيت القلب ماء النور في كفيك فاخضرا
فصاروا أعظم الأجيال صاروا الآية الكبرى
شدوت الشعر لكني كأني لم أقل شعرا
فما أدركت من بحر النبي المصطفى قطرا
عليك صلاة هادينا إلى أن نبلغ الحشرا
صلاة تستحث الشرب من كفيك في الأخرى
النقد والتعليق:
الناقد والشاعر: محمد الأمين
القصيدة جميلة ودافقة بالشعور والشاعرية العفوية غير المتكلفة، فمن حيث الوزن والقافية يبدو أن الشاعر متمرس فيهما فلم نلحظ أي خروج عن المتعارف عليه من قواعد الشعر العمودي.. والقصيدة من مجزوء الوافر (مفاعلتن مفاعلتن .. مفاعلتن مفاعلتن)، وقد أكسب هذا البحر مع قافية الراء خاصية الترقيص الشجي للقصيدة؛ مما أضفى على القصيدة الجو الذي أراد له الشاعر فكان موفقا في اختيار البحر والقافية.
رغم أن القصيدة لم تخرج في مجملها عن إطار المعاني الطبيعية سواء في الموضوع أو في الأسلوب فإن الشاعر حاول مرارا أن يخرج من أسر المعاني المطروقة والتقليدية وأفلح في بعض الأحيان في ذلك.. ومن التي وفق فيها:
وعـندك في رحاب الطهر جـئتك أعصر الفجرا
لأشرب نخب هذا الصبح تقوى نجبت طهرا
فصورة عصر الفجر لتنتج عصير التقوى صورة مبتكرة.. رغم بساطتها فلها إيحاءات جميلة.
وفي البيت 11:
أنا هيمان يا قومي أما يكفى الهوى عذرا ؟
رغم كون المعنى مطروقا وبكثرة ولا سيما من قبل مداح الرسول والعشاق.. فإن مجيئه بصيغة السؤال (أما يكفي الهوى عذرا؟) أكسبها إيحاءات جميلة وتتجلى فيه صورة العاشق الذي سئم من لوم عذاله وأحاطوه من كل جانب ليقدم تفسيرا لما يقوم به من جنون العشق.. فأعياه الجواب فواجههم بهذا السؤال ليكفوا عنه.. (أما يكفي الهوى عذرا؟).
والشاعر كما يبدو من قصيدته مطبوع بالسليقة.. ورغم معرفته باللغة وقواعدها فإنه وقع في هنات لا تغتفر من متمكن مثله.. فعليه تداركها.. وربما أحوجته إليها أو ساقته القافية وفي غمرة الإيحاء تغاضى أو نسي القواعد النحوية.. ففي البيت الخامس مثلا:
فلا والله لا مالا ولا ملكا ولا درا
ليس هناك موجب لنصب كل من مالا وملكا ودرا.
وعلى العموم فالقصيدة لا بأس بها، ولو لم يستطرد الشاعر ليطول القصيدة، واكتفى بتكثيف المعاني وابتكارها لكان أجدى.. ولكن هكذا جرت عادة الشعراء العموديين أن يسردوا سردا، وكأن الشعر وزن وقافية فقط...
|