|
بين الجمود وبين صمت يرتجى منه الصخب
استشهدت عيناك في بئر الغضب
كانت وما زالت على عيناك أضرحة اليتامى
والثكالي
والمقاصل
حول قبرك تنسج الأحزان من عصر الصليب
لُمّا تلاحم كل أجزاء الجسد
كنت الفدائي بيع في سوق العبيد
صمت فلا خوف على جسد بلا ظل
فقد سرق السواد من العيون
وتساقط كل الورق
متماوجا مع رقصة الشفق الحزين
ضاعت مدائننا وعزتنا
مع الطفل الوليد
النقد والتعليق:
الشاعر والناقد/ محمد الأمين
من حيث الجو العام:
الحقيقة أنني أعدت قراءة القصيدة مرارا حتى تتجلى متماسكة.. فرغم أنها تشي بأن كاتبها له تجارب سابقة وألفة خاصة مع شعر التفعيلة.. تفتقد إلى بعض التماسك.. إلا أن المعنى العام للقصيدة وهو ما عنون لها يتبدى في سطورها... فالقصيدة تعبر عن حالة الإحباط التي يعيشها بعض أفراد الأمة التي تهان ليل نهار فتغضب مرة وتتظاهر لكنها سرعان ما تسكن ويفتر غضبها.. فالمخاطب هنا هو الفرد أو المجتمع أو الشعب المسلم الذي جمد عن أداء دوره وصمت حتى حين كان ينتظر منه أن ينفجر بحمم الغضب.. لم يأت هذا الغضب رغم كثرة من يقتل من اليتامى والثكالى والمقاصل تنسج الأحزان حول قبر هذا المسلم منذ الحروب الصليبية.. وعندما تلاحمت وتوحدت الأمة باعها الخونة... إلخ.
المعنى العام:
من حيث المعاني فقد حاول الشاعر أن يكثف الصورة لكن ذلك جاء على حساب التناسق والتناسب وفي بعض الأحيان الغموض في المعنى.. فمثلا كلمة "استشهدت" في السطر الثاني جاءت غير متناسبة مع المعنى.. إذ كيف تستشهد العينان بين الجمود والصمت؟ فالاستشهاد يشي بمعنى غير الجمود وغير الصمت.. إنه يعني قمة العطاء حيث يثمر الغضب ويقاتل حتى يستشهد.. ثم كلمة "بئر" التي أضيفت إلى الغضب.. فالغضب زلزال وبركان وحمم ليس من شأنها أن تكون في بئر.. فهي حينئذ تكون قد تحولت إلى ماء.. وقد يكون الشاعر يريد أن يعبر عن هدوء الغضب..
في المقطع الأخير:
ضاعت مدائننا وعزتنا
مع الطفل الوليد.
لم أستطع أيضا فهم المعنى المقصود من صورة الانهيار التام مع الطفل الوليد المبشر بالأمل.. وتصوير هذا الطفل الوليد وكأنه بسببه ضاعت المدائن!
ورغم كل ذلك فلا تخلو القصيدة من دفقات شعرية.. كقوله: "فلا خوف على جسد بلا ظل" و"متماوجا مع رقصة الشفق الحزين" لكنها مع ذلك كانت غير مبتكرة.
الوزن واللغة:
القصيدة من شعر التفعيلة التي ولع بها الشعراء المجددون، تعتمد على تفعيلة (متفاعلن \\\0\\0) والتي تنقل إلى عدد من التفعيلات الأخرى عند تعرضها للزحافات من أشهرها الإضمار الذي ينقلها إلى (مستفعلن \0\0\\0).. ولكن الأخ مصطفى خانته سليقته في بعض الأحيان.. فلم يلتزم التفعيلة.. فأصاب الكسر بعض السطور.. كما في السطر 11 :
وتساقط كل الورق
حيث كان ينبغي أن يأتي ساكن بعد طاء "تساقط" حتى يستقيم الوزن.
وكذلك في السطر 8 :
كنت الفدائي بيع في سوق العبيد
حيث لا يستقيم الوزن إذا نطقنا كلمة "الفدائي" بإعرابها وأعطيناها حقها.. وهو النصب على أنه خبر كان.. وربما نطقها شاعرنا بتخفيف الياء وهو ما لا يصح إلا في حالة ورودها في آخر الجملة حيث السكت.
أما الأخطاء النحوية فقد سلم منها إلا في موضع واحد وهو السطر الثالث:
كانت وما زالت على عيناك أضرحة اليتامى
حيث إنه كان من المفروض أن يقول (على عينيك) لأن المثنى يجر بالياء.
وكلمتي الأخيرة للشاعر هي أن يقرأ القصيدة بعد كتابتها مرارا حتى يتأكد من أن كل كلمة تؤدي المعنى المراد منها سواء عن طريق التداعيات الذهنية المرتبطة بالكلمة أو الإيحاءات اللفظية التي ترتبط بوقع الكلمة حين نطقها أو بموضعها في السياق الذي جاءت فيه، وألا يدع التماوج والإيقاع الصوتي للكلمة يخدعه، وأؤكد أن الأخ مصطفى بإمكانه نظرا لملكته أن يكتب قصائد جميلة لو التفت إلى هذه الأمور.
|