مرارة العيش قد غصت بأنفسنا
ودمعة الطفل آه الأم آذانا
دفنتم العيش في قبر بلا سبب
رغم الحياة وداء الهم أشقانا
وذاك مبدؤنا أن نفتدي بلدا
مهما العدوّ بنهر النار ألقانا
ونحفظ النخل في أرض العراق ظبى
تشقّ خصما وتردي الذئب حيرانا
هذي حضارتكم في كل معركة
قتل النجوم ومن في فلكها كانا
أما كفاك دمارا طاغيا نزقا
زرع الرصاص بنحر الطفل عطشانا
سل عن عراق العلى فخرا ومكرمة
لبى العلى والوفا جودا وعنوانا
تبثّ مجدا وإلهاما إلى أممي
تبني وتنشر عطر السلم ريحانا
هي الجمال إذا ذقتم محياها
بحمرة الورد تضفي الأرض ألحانا
تجابه الريح والجمرات في يدها
تفدي ليبقى صغير الأم جذلانا
عيونها تحضن الأطفال في لهف
تذوب عطفا بلا نار وتهوانا
بغداد بذر من التحنان نزرعها
لنا الثمار بها تجتاح دنيانا
أنا خلقنا لنسقي الأرض أفئدة
إنا خلقنا لنملي الطفّ إيمانا
قم وأطفئ الشر وانسج درع أمتنا
فالشرّ سمّ يزيد القلب نيرانا
مهما سيوف العدى في حقدها انطلقت
لن تردع الجبل المزروع فرسانا
ربّاه صن من تراه اليوم في لهب
واسق العدى حمما نارا وبركانا
ويا شموس الهدى والنور في نجف
هبوا وصوغوا لنا التاريخ ريانا
هنا مقام علي والحسين وقد
بثوا إلى القلب آمانا وإيمانا
وكربلاء الفدى كم قد حكى وشدا
عنها الزمان وصاغ المجد ديوانا
بغداد يا كبدي ويا دما ألقا
أفديك عمري حكاك الزهر ألوانا
بغداد يا مرتع الحسن والتحنان يا طربي
أهواك أغنية ذكرى حكايانا
يا جنة ما سواها جنة جعلت
أرض الصلاة وأرض المجد عنوانا
النصر دوما لأمجاد تظل هدى
مهما سلاح العدى في الحقد أردانا
قومي ولا تركعي هذا العلى فثبي
كي تبلغي الزحل العلياء ميدانا
النقد والتعليق:
الناقد والشاعر مدحت خليل:
أخي الحبيب، رغم ثقتي في قدراتك الفنية والشعرية ـ خاصة كتابتك القصيدة على بحر مركب (من أروع بحور الشعر العربي وأرقها وأجزلها، وله في نفسي ـ شخصيا ـ عبق خاص) ـ فإن هذه القدرة هي التي تجعلني أعتب عليك، ووددت لو استفززت فيك هذه القدرة التي لم تستفزها ـ أنت ـ ولا أدري لذلك سببا، إلا التسرع ..
فاستمع مني ..
أولا : الوزن العروضي :
القصيدة من بحر البسيط، وتفعيلة شطرته : (مستفعلن /0/0//0 فاعلن /0//0 مستفعلن /0/0//0 فاعلن /0//0)
والبسيط : بحر مركب (ذو تفعيلتين) هادئ الموج، جميل منك أن تسبح فيه؛ إذ لا يجيد الكثيرون ذلك، رغم المتعة الشديدة التي يجدها من يكتب على هذه البحور المركبة ..
ثانيا : اللغة :
في القصيدة مجموعتان لفظيتان : الأولى : مجموعة (جراح الطريق) :
مرارة ـ غصت ـ دمعة ـ آه ـ دفنتم ـ قبر ـ الهم ـ أشقانا ـ العدو ـ خصما ـ تردى ـ حيرانا ـ قتل ـ دمارا ـ طاغيا ـ عطشان ـ الشر ـ حقدهما ـ حمما ـ نارا ـ بركانا ـ كربلاء ـ الحقد ـ الزحل .
والثانية : مجموعة (الأمل في النصر) :
الحياة ـ النخل ـ حضارة ـ النجوم ـ زرع ـ فخر ـ مكرمة ـ العلى ـ الوفا ـ جود ـ مجد ـ الهام ـ تنبي ـ الجمال ـ ألحان ـ الثمار ـ الهدى ـ النور ـ أمان ـ إيمان ـ الفدى ـ شدا ـ الزهر ـ أغنية ـ جنة ـ النصر ـ العلياء .
وتجسد الأولى : الجراح والشقاء، وتجسد الأخرى : الأمل في النصر؛ فلا بد للوصول إلى النصر من جراح وآلام ودماء..
ولكن هذه مادتك الخام.. فماذا صنعت بها؟! كيف صَوَّرْتَ الجراح؟ وكيف أَمَّلْتَ النصر؟ وكيف نسجت من هذه الخيوط ثوب قصيدتك؟
ولي سؤال : من تُحَدّثُ في قصيدتك ؟!
ش 3 / دفنتم العيش ...
ش 9 / هذي حضارتكم ...
ش 11 / أما كفاك ...
ش 13 / سل عن عراق ...
ثم بعد ذلك :
ش 27 / قم وأطفئ الشر وانسج درع أمتنا ...
وفي القصيدة بعض الجمل النثرية :
ش 0 / وذاك مبدؤنا أن نفتدي بلدا ..
ش 9 / هذي حضارتكم في كل معركة ..
ش 30 / هنا مقام علي والحسين وقد ..
وهناك ألفاظ مجتلبة للقافية :
القافية الأولى : ش 2 / آه الأم آذانا ..
ق 7 ( ش 14 ) / وعنوانا ..
ش 18 / ألحانا ..
ش 22 / تهوانا ..
ثالثا : التعبيرات الفنية :
الأشطر : 3 / دفنتم العيش ( في قبر )
7 / النخل ظبى ( في أرض العراق )
10/ قتل النجوم ( ومن في فلكها كانا )
11 / دمارا طاغيا نزقا
12/ زرع الرصاص ( بنحر الطفل عطشانا )
16 / عطر السلم ( ريحانا )
17/ ذقتم محياها
20/ نسقي الأرض أفئدة
26/ الشر سم ( يزيد القلب نيرانا )
ولنا هنا ملاحظتان :
الأولى : لا تفترض عبقرية المتلقي؛ فتعمي وتغرق في الرمز.. ولا تفترض كذلك غباءه؛ فتفسر له كل صورة، كما يفعل معلم الصبيان..
فقولك في الشطرة الثالثة: "دفنتم العيش" لا يحتاج تفسيرا بعده "في قبر"، وقولك في الشطرة السابعة "النخل .. ظبى" لا يحتاج بعده "في أرض العراق" وقولك في الشطرة العاشرة "قتل النجوم" لا يحتاج "ومن في فلكها كانا" وكذا "عطر السلم" لا تحتاج "ريحانا"...
الثانية : مدّد الصورة؛ فبدل أن تكون الصورة خيطا، اجعل منها ثوبا مكتملا، اجعل القصيدة كلها صورة كبيرة، تحتوي صورا جزئية صغيرة..
كما خانك التعبير في الشطرة السادسة: "مهما العدو بنهر النار ألقانا" والنهر رمز الخير، وكان الأولى أن تبحث للنار عن تعبير آخر.. مثل "بحر الدم"..
ولديك بعض الأخطاء التصويرية :
ش 16 : تقول : تبني وتنشر عطر السلم ريحانا ..
فكلمة ( تبني ) حشو زائد لا معنى له ..
ش 24 : شطر غريب لا أدري له معنى "لنا الثمار بها تجتاح دنيانا"
ش 48 : "الزحل" عند المنجمين العرب يقابل النحس والشؤم والكآبة والانقباض (كذا في المعجم الوسيط) فلا معنى لأن تبلغه؛ لأن بلوغها إياه يعني شرا مستطيرا..
خلاصة :
أخي الحبيب .. أنا لا أحب أن أَجْبَهَ الشاعر الشاب؛ ولكن لا بد من بعض التساؤلات:
ما فكرة القصيدة ؟! وأين الخيط الفكري الذي يربط أجزاءها؟! وما كل هذا الحشو في ثنايا أبياتك؟!
فقد غصت قصيدتك بحشو زائد لا طائل من ورائه..
ونصيحتي لك أن تضع الفكرة نصب عينيك..
وأن تقتصد في الكلمات قدر الطاقة، كن بليغا (لفظ صغير ومعنى غزير) كلمات مشعة (تقوم الكلمة مقام الجملة) لا تحزن على حذف بيت من القصيدة، ولكن بعد التهذيب، لا يستطيع أحد استبدال كلمة واحدة؛ لأنها صارت ركنا من أركان الفكرة والصورة الكلية للقصيدة.. وراجع قصيدتك قبل إظهارها للنور
|