| سبحانَ من أبدع الإنسان سـواهُ |
وصيَّر الحسنَ تاجاً من عطاياهُ |
| إني لأهفُ لخلٍ تحفةً خُلقـت |
فهل له في جنان الخلدِ أشباهُ |
| هلاّ يجود بوصلٍ طالَ مطلــبهُ |
وصل المحبِّ نعيمٌ ما أحيلاهُ |
| شوقٌ ووجدٌ مع الآهاتِ يعصفُ بي |
كم كوكب في ظلامِ الليل أرعاهُ |
| من قسوةِ الصدِّ كم دمعاً أكفـكـفهُ |
سيلاً بقلبي وطول الخدِ مجراهُ |
| أفنيت عمـري سنيناً مالها أثـرٌ |
إني لأشـبهُ قيــساً خـلفََ لـيلاهُ |
| فلستُ أذكرُ مـذ أحببتُ واقعةً |
إلا ليـالٍ بها قـد كنتُ ألــقاهُ |
| يا عاذلي لو رأيتَ الخلَ تعذرني |
أَواه مـن منــظرٍ كالـحور أَواهُ |
| ماذا أقولُ إذا الألفاظ عاجـزةً |
والشعرُ يـقـصرُ تبلـيغاً ويـخشاهُ |
| ماذا أقـولُ أمامي كـل قـافـيةٍ |
تعدو لتصبحَ نـظماً في سـجـاياهُ |
| إن قلتُ كالبدر صاح البدرُ مبتسماً |
وأشرقت في بقاعِ الكـونِ أضـواهُ |
| خلٌ رقيقٌ عطوفٌ ناعـمٌ لـبقٌ |
سهلٌ منيعٌ خجــولٌ في محياهُ |
| إن قامَ يمشي سـكرنا مـن تـمايلهِ |
كأنما ملئت بالخـمـر أفواه |
| أو قال لفظاً ذُهــلنا من عــذوبتهِ |
كأنما أَخرَجتْ شــهداً ثنــاياهُ |
| أخشى الوشاةَ وأخشى كلَّ ذي حسدٍ |
إن زدتُ وصـفاً فعينُ اللهِ ترعاهُ |
| إني لأفديه روحاً كـنتُ أو جسداً |
أو كلَّ دنيايَ أُهديها لــدنياهُ |
| إن يشتكي عطشاً اسـقيه من مُـقلي |
أو يطلبَ القلـبَ مأواه أويناهُ |
| يا ليلةَ الوصلِ عودي اليوم مسـرعةً |
لعلَّ يمنايَ تلقى اليــوم يـمناهُ |
| ففي الفؤاد لهيبُ الشوقِ مستـعرٌ |
وأجـجتهُ اللـيالي في حـناياهُ |
| جاء البشير بوصل الخل يخبرني |
قالت نعم بلغاتِ الـحبِّ عيناهُ |
|
|
النقد والتعليق:
أ/ عبد الرافع مجاهد & أ/ عبد العظيم بدران
هذه القصيدة صورة لاكتمال النضج الأولي في حياة مبدع ناشئ؛ فهي لصاحبها كالإجازة لطالب العلم حيث يستطيع أن يمارس مهنته بموجبها، كما يجوز لنا أن نقول لسالم إنك قد استكملت الآن أدواتك، ولك أن تنطلق في أدواح الفكر واللغة والخيال؛ لتعلن قصيدة بعد قصيدة عن مبدع متألق.
والقصيدة التي معنا تسير على سنن القصيدة القديمة في بنائها العام وترتيب أفكارها، ولست أرى مطلعها مناسبا أو متناغما مع جو القصيدة، كما لا أراه يخدم تجربة الشاعر، مع احتفائي بمعناها النبيل.
وبعد مطلعها يأتي النسيب وشكوى الفراق ثم وصف الحبيبة ووصف المشاعر المتوهجة نحو الحبيبة، فالقصيدة يمكن تصنيفها في الغزل العذري إلا بعضا من الوصف الحسي يبين أن سالما لا يمتلك مذهبه، ولم يستبد به من مشاعر الحب أكثر من إعجابه الشديد بمحبوبته وحبه للقائها وشوقه الدائم إليه.
والخاتمة كالاستهلال غير مناسبة وفوق ذلك ضعيفة جدا وتبحث وراء المعنى فيها فلا تجده.
جاء البشير بوصل الخل يخبرني قالت نعم بلغاتِ الحبِّ عيناهُ
ولكنك على كل حال تشعر أن ما قاله سالم ليس هو كل قصيدته، بل ما يقع في نفسك هو أنها جزء من مطولة أو ملحمة سيطوف فيها الشاعر بأدواح أدبية وهموم ذاتية وغيرية، وسينتقل بنا من غرض إلى غرض، والسر في ذلك أن لغته وخيالاته هي مما ألفناه في الغزل الذي يأتي في مقدمات القصائد كالذي نقرؤه مثلا في مقدمة بردة البوصيري.
وإذا تطرقنا إلى المعاني في القصيدة نلاحظ أن أغلبها مكرور، وبعضها قديم أعاد صياغته بكفاءة وألبسه ثوبًا جميلا:
كم كوكب في ظلامِ الليل أرعاه
وطول الخدِ مجراهُ
أخشى الوشاةَ وأخشى كلَّ ذي حسدٍ إن زدتُ وصفاً فعينُ اللهِ ترعاهُ
إن يشتكي عطشاً أسقيه من مُقلي
ومما لم أعاد صياغته لكن لم يوفق في إخراجه ولم يبرع في صنعته:
يا عاذلي لو رأيتَ الخلَ تعذرني
ماذا أقولُ إذا الألفاظ عاجزةً
والشعرُ يقصرُ تبليغاً ويخشاهُ
إن قلتُ كالبدر صاح البدرُ مبتسماً
فما العلاقة بين الصياح والابتسام؟.
وإذا تطرقنا إلى الخيال في القصيدة نجد أنه ليس محلقا ولا معبرا عن لون من ألوان الحب ودرجة من درجاته الخمس، وإنما هو مجرد إحساس رجل أي رجل نحو امرأة أي امرأة، فأين الرومانسية المحترقة المتأوهة الحزينة في هذه الأحاسيس الفاترة والأوصاف التي يغلب عليها الحسية ودعوة الآخرين إلى رؤية المحبوبة كما لو كانت "تحفة خلقت" وصورت للنظارة والمشاهدين.
وعن موسيقى القصيدة ولغتها يضيف الأستاذ عبد العظيم بدران:
لقد نظمت قصيدتك -أو حاولت أن تنظمها- على بحر البسيط، فمثلا إذا قطعنا البيت الأول فسيصير:
سبحانمن/ أبدعال/ إنسانسـَوْ/ واهو *** وصيَّرلْ حسنتا جَنْمنعطا ياهو
/0/0//0 /0//0 /0/0//0 /0/0 *** //0//0 /0//0 /0/0//0 /0/0
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعل *** مُتَفْعِلُن فاعلن مستفعلن فاعل
وجاءت تسمية البحر البسيط من البساطة التي هي السهولة، فلما كان سهلاً في الذوق سمي بذلك. وقال الخليل بن أحمد: سمي بسيطاً لأنه انبسط عن مد الطويل والمديد فجاز وسطه فعلن. وقيل كذلك لكثرة أجزائه مأخوذ من البسطة وهي السعة، أو لشهرته وكثرة استعماله، مأخوذ من البسط وهو النشر.
إلا أن قصيدتك هذه يا سالم لم تسلم حتى النهاية دون عطب.
وأعني بالعطب هنا الخروج على بحر البسيط الذي بدأت به، ومن ذلك مثلا هذا البيت:
إني لأفديه روحاً كـنتُ أو جسداً أو كلَّ دنيايَ أُهديها لــدنياهُ
ويبدو لي أنك كنت بحاجة إلى قراءة قصيدتك مرارا حتى تكتشف مواضع الخطأ العروضي بها، وبالطبع فأنت بحاجة أيضا إلى معرفة الأوزان العروضية وما يمكن أن يعتريها من زحافات وعلل مع محاولاتك المستمرة في نظم قصائدك.
لغة القصيدة:
انتشرت في قصيدتك تعبيرات وألفاظ تغذي الفكرة والغرض الشعري الذين أشرتُ إليهما، وجاء ذلك في مجموعتين:
المجموعة الأولى: تعبيرات وألفاظ الغزل، ومنها:
أبدع - صير الحسن تاجا - (لأهف) - وصل المحب نعيم... إلخ
المجموعة الأخرى: تعبيرات وألفاظ الشكوى، ومنها:
يجود بوصل - شوقٌ - وجدٌ - الآهاتِ - يعصف - قسوة الصد... إلخ
لكني أعتب عليك أيها الشاعر سالم، وأنت من أشرفت على سن الثلاثين، ولديك هذه القدرات الأدبية الإبداعية، أعتب عليك لأن بعض المواضع في قصيدتك لم تسلم من خلل في تراكيبها النحوية، ومن ذلك مثلا قولك:
إني لأهف.. لِمَ حذفتَ الواو من الفعل المضارع بينما اللام قبله لام التوكيد؟
كم دمعا أكفكفه.. لم نصبت (دمعا) هنا مع أنك قلت في البيت السابق: كم كوكب، ولم تقل: كم كوكبا؟ والصحيح ألا تنصب هنا؛ لأن كم هنا خبرية وليست استفهامية.
وأيضا: فلستُ أذكرُ مـذ أحببتُ واقعةً إلا (ليـالٍ) بها قـد كنتُ ألــقاهُ
لماذا حذفت الياء من ليالي مع أنها في موضع نصب، وهي اسم منقوص.. يبدو لي أنك تحتاج لمراجعة بعض القواعد النحوية الأساسية.
وأيضا: إن قلتُ كالبدر صاح البدرُ مبتسماً وأشرقت في بقاعِ الكـونِ (أضـواهُ)
لقد ألجأتك القافية في هذا البيت إلى أن تقول: أضواه، وأصلها أضواؤه. فهل يجوز هذا الحذف؟!.
على أية حال قصيدتك فيها مقدرة أدبية ظاهرة إلا أنها تحتاج إلى صقل ومتابعة، ولعل أفضل ما يعينك على هذا المزيد من القراءة والتعلم. ونحن في انتظار المزيد من أعمالك.
|