|
ما ذلك الشدو المرصع بالجراح
يستلهم النفس القديمة
في الزمان المستباح
ويظل ينخر في القبور
بحثا عن الماضي المخبأ تحت أعطاف الرياح
نبض الخلود قصيدتي
جلدي هو السجن الكبير
خلف الظلام شرانق وفراشة
تهفو إلى هالات نور في الصباح
عبق النشيد يهزني
إن الفراشات التي ماتت حزينة
فجأة
وعيونها نحو الأمل
همست إلي
من قبل أن يطوى الجناح
لكن أضاعتني الحروف
تحت أعتاب الوتر
وأنا أدندن بالقوافي
أو أنظم العقد المفرَط
من (عبيدة) إلى صلاح
لكنها الحبات تخزل مخيطي
مثلما خزلت حروف
فتبين لي
وبكفها الحاني الصغير
وبكوخها النائي البعيد
تمحو أخاديد النواح
وتكتسي شمس الزمان
وتسكب الألحان كي
تستأنف الشدو القديم
ذاك المرصع بالنواح
النقد والتعليق:
يقول الشاعر مدحت العراقي:
يبدع المبدع إبداعه على مرحلتين ذهنيتين -ربما تتمان في لحظات-: الأولى: التقليب في مخزونه المعجمي (المفردات)، والثانية: إنشاء تراكيب أسلوبية من هذه المفردات.
وعلى الناقد أن يتأمل التراكيب، ويفككها إلى مفرداتها الأولى، ويضع يده على مواطن القوة والضعف في العمل الأدبي؛ وهذا ما نقوم به هنا بشيء من التبسيط الذي يناسب مقام التعليم والتقويم.. فتعال معي إلى القصيدة.
أولا- الوزن العروضي:
- القصيدة من نوع قصيد السطر الشعري (التفعيلة)، موزونة على بحر الكامل، وتفعيلته (متفاعلن ///0//0)، ولا يدخلها غير زحاف واحد هو تسكين الثاني المتحرك، فتصير (مستفعلن /0/0//0).
القصيدة 25 سطرا، جعلتها أنت 30 سطرا. وتفصيل ذلك:
- السطران 2، 3 في الأصل سطر واحد.. وكذا السطران 11، 12.. وكذا السطران 19، 20.. وكذا الأسطر 26، 27، 28 سطر واحد..
- فالسطر الثاني: يستلهم النفس القديمة: تقطيعه: (/0 /0//0 - /0 /0//0 - //)
يكمله السطر الثالث: في الزمان المستباح: وتقطيعه: (/0 //0 - /0 /0//00)
ذلك أن السطر الشعري دفقة شعورية لا تتجزأ ولا تنقسم.. والأصل ألا تتوزع الدفقة الشعورية على أكثر من سطر شعري واحد.
والأصل أن تقول: يستلهم النفس القديمة في الزمان المستباح.. (هذا سطر واحد، وينبغي ألا توزع كلماته على سطرين).
إن تفعيلات السطر الشعري لا تتوزع في أكثر من سطر إلا إذا كانت القصيدة كلها موصولة، أو تنقسم إلى مقاطع والمقطع كله موصول عروضيا.
- وفي السطر 11: إن الفراشات التي ماتت حزينة: تقطيعه: (/0 /0//0 - /0/0//0 - /0 /0//0 - /0) هذا عند تسكين هاء حزينة.
وهنا لا بد من وصل السطرين 11، 12.. ومن غير المستساغ لغويا ولا بلاغيا أن تقول (حزينهْ.. فجأهْ) لأنه خطأ.
أما إذا تحركت، فستصبح تاء مربوطة، وتنون، وعندها تصير: (/0 /0//0 - /0/0//0 - /0 /0//0 - //0).. وهنا يختل الوزن وينكسر.. لأن التفعيلة ستصبح (//0/0//0)
- السطر 15: تحت أعتاب الوتر: تقطيعه: (/0 //0 - /0 /0//0) وهذا خطأ؛ لأن التفعيلة الأولى تحتاج إلى (/0).
ولا يمكن وصل السطر 15 مع ما قبله؛ لأن التفعيلة ستكون (//0//0)، وهذا لا يجوز في بحر الكامل.
- السطر 17: أو أنظم العقد المفرط من عبيدة إلى صلاح: وتقطيعه: (/0 /0//0 - /0 /0//0 - ///0//0 - ////0//00) لاحظ الحركة الزائدة في التفعيلة الرابعة التي نتجت عن حرف الجر (إلى //0)، وكانت التفعيلة تحتاج إلى (/0) فقط.
- السطر 19: مثلما... (/0 //0) تحتاج التفعيلة إلى ( /0 ) قبلها أيضا..
ثانيا- اللغة:
القصيدة 25 سطرا:
60 اسما، 18 فعلا.. مجموعهما 78 دالا أساسيا (ذا مردود دلالي محدد، بصرف النظر عن الدوال الناقصة الدلالة، كأسماء وأدوات: الموصول والضمير والإشارة، وكذا الاستفهام والتعجب والنفي والشرط..)
ومعدل السطر الواحد من هذه الدوال: ثلاثة دوال تقريبا، مما يدل على اختيار الدفقات الشعرية السريعة.
أما ما نستنتجه من العلاقة الإحصائية بين الأسماء والأفعال (60 اسما، 18 فعلا) فهو أن نظرة الشاعر ثابتة ساكنة؛ لأنها في غالبها غير مرتبطة بالزمن الذي تدل عليه الأفعال (ماضية أو مضارعة).
والعجيب أن الشاعر يتحدث عن (أنشودة الزمن القديم)، وهو ما يستدعي استرجاع ماضٍ ذهب؛ إلا أنه استخدم 14 فعلا مضارعا من بين 18 فعلا (بنسبة 78%).. وليس كل الأفعال المضارعة تعطي انطباعا مستقبليا أو طبيعة استمرارية؛ بل أحيانا يتعامل الشاعر مع الفعل المضارع -الذي يتسم بطبيعة استمرارية- تعاملا له طبيعة تقترب من الثبات واللزوم.
تعامل الشاعر مع صيغ الأسماء (على سبيل المثال):
1 - دائرة التعريف والتنكير:
استخدم الشاعر 60 اسما، من بينها 43 معرفة (سواء كانت معرفة بأل الجنسية -التي تعطي تعريفا شكليا عاما- أو العهدية، وكذا الاسم المضاف إلى ضمير -وهو هنا بلا مرجع يفسره-).
إذن نحن أمام معارف محايدة بين التعريف والتنكير..
مما يدل على أن الشاعر يختار منطقة الدلالة المبهمة ليمارس فيها شعريته؛ فيدفع المتلقي إلى منطقة ضبابية تحتاج إلى الحدس والتخمين أكثر من حاجتها إلى الإدراك المباشر؛ أو بمعنى آخر: تحتاج إلى قليل من التفسير وكثير من التأويل.
2 - دائرة الإفراد والتثنية والجمع:
استخدم الشاعر 12 جمعا و48 مفردا..
وهذا ما يقول عنه أساتذة النقد (الرؤية الإفرازية) التي ترى الكثرة في الوحدة والعكس، وتتعامل مع مفردات الواقع في صورتها الأولية، وتكاد تشبه اللغة -على هذا النحو- لغة الأطفال التي لها قدرة خارقة على استحضار الغائب.
- وننتقل من الحقول اللغوية إلى الحقول الدلالية.. فنرى تردد بعض الدوال التي تنتظم في الحقول التالية (على سبيل المثال):
الحقل الأول: حقل الزمن:
والزمن عند الشاعر زمن مطلق، مفرداته: الزمان ـ الخلود ـ القديم ـ الماضي ـ القديمة..
الحقل الثاني: الشدو: ويقدم اثني عشر دالا..
منها سبعة دوال لمحور النشيد: الشدو ـ النشيد ـ أدندن ـ ألحان ـ الألحان ـ الوتر...
وخمسة دوال لمحور القصيد: قصيدتي ـ الحروف ـ القوافي ـ أنظم ـ حروف...
الحقل الثالث: الحزن، ومفرداته: القبور ـ ماتت ـ النواح (مرتين) ـ الجراح ـ حزينة ـ الظلام...
وهكذا...
الهنات اللغوية:
- كلمة (فجأة): كلمة زائدة لا مكان لها ولا معنى؛ فكل الموت يأتي فجأة؛ فضلا عن الكسر العروضي الذي أحدثته.
- كلمة (تخزل): إن أردتها بالزاي (كما هي في قصيدتك) يكون معناها: تقطع أو تعوق أو تعيب؛ وإن أردتها بالذال يكون معناها: تخلت عنه..
والأولى غريبة على كثير من الناس، وتحتاج -إن استخدمتها- إلى هامش تفسيري..
والثانية معتادة وتؤدي المعنى بالمراد..
الصور والتعبيرات الفنية:
في القصيدة خمسة تعبيرات جيدة هي:
س1: الشدو المرصع بالجراح.
س4: تحت أعطاف الرياح.
س9: عبق النشيد يهزني.. وهذا ما يستحق الحديث عنه؛ فالجميل في هذه الصورة هو (تراسل الحواس)، فالنشيد يسمع بالأذن (ولا يشم بالأنف كالعبق)؛ ولكن الشاعر عبر بحاسة أخرى غير السمع، وهذا ما يسمى في الدراسات الأسلوبية بتراسل الحواس الذي يدل على قدرة فنية عالية لدى الشاعر.
س15: تحت أعتاب الوتر.
س23: أخاديد النواح.
هذه قراءة سريعة؛ وإن كانت القصيدة تستحق التأمل، ويستحق شاعرها التحية..
وفي انتظار أعمال أجود..
|