English

 

الأحد. فبراير. 27, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بكائية لهارون الرشيد

Image
بلغت الدولة الإسلامية في عهد هارون الرشيد أقصى اتساع لها، حتى إنه كان ينظر من شرفة قصره على نهر دجلة ببغداد -التي كانت- إلى السحابة المارة فوقه ويقول لها: شرقي أو غربي وأمطري حيث شئت؛ فسيأتيني خراجك... أما اليوم..‍‍‍‍‍‍.‍‍!!

( 1 )

غيــــم ٌ... وهارون الرشيد يطل من شرفات قصر التيه...

يبكي نشوة الماضي... ويذبل في الصقيع

وعساكر الإفرنج -كالطاعون- قد ملئوا الأزقة والدروب

و"أسماءٌ" تشق نطاقها

لا تذهبي للغار... لن تجدي الرسول ولا أباك...

وإنما...أقعى هناك بنو النضير...

يبتسمون في صلفٍ...

فهارون ٌ يبيع الأرض واحدة... فواحدة

وليس هناك "حطين"... ولا "عمر"... ولا سيف يذود عن التراب

يا أغنـيات النــــار "بوش" هنا يشــرب

من نيلنـا المــدرار فالـروم لم تـذهـب

.............

( 2 )

غيـــم... أيا غيمٌ... تمهل... لا تفــارق

لا تتجـــه نحـو المشـارق

أي شــرق تبتغي؟

هـل شـرق "هولاكـو"؟

و"هولاكـو" على التلفاز يشرب بحر "قزوين" ويضحك

ثم يضحك... هازئاً منا... ومن عُصُرٍ تولت بين أحضان الدفاتر

نستعيد صحائف الماضي... ونبكي... وهو يضحك

ثم نبكي "الباهلي" على أبواب سور الصين

قد ولت جحافله... وغابت

لم يبق منها... غير ذكرى تنتحب

يا أمــة للعــــــار يا عزنــا الذاهـــب

فـليجــرف التيــــار إيماننـــا الكـــاذب

.............

( 3 )

غيـــمٌ... أيا غيمٌ... توقف... لا تغادر

لا تتجـــه صـوب المغــارب

لم يبـق "أندلــسٌ"...

فصقر قريش قـد لانت مخالبــه...

وصــار الآن يشرب من كؤوس الروم..

ينظر نحــو "قرطبة"... ويبكي: "يا زمان الوصل بالأندلسِ"

يبيع "البيتزا" و"الكافيار" في أسواق "غرناطة"

ينطق لهجة أخــرى

ينسى بيعة الرضوان... ينسى ثأر عثمان... والحسين... وكربلاء

يا أمـة ضحكــــت في حــالك النــــوبِ

............

( 4 )

يا أيهــا الغيـم المســافر

لا تشـــرق... لا تغـــرب... لا تغـادر

لم يعـد شرق لنا... لم يعـد غرب لنا

لم تعـــد أرض لنــا..

فبنو النضير -على دروب القــدس- قـد نصبوا المشـانق

أحرقوا زيتون "غــزة"

فلمن ستمطر أيها الغيــم المســافر؟

ليس فينا من سيحصــد... ليس فينا من يغامــر

فلمن ستمطر أيهــا الغيـم المسـافر؟

لمن ستمطر أيهــا الغيــم المسـافر؟!

النقد والتعليق:

يقول الشاعر والناقد مدحت العراقي:

أخي الحبيب؛ ليست مهمة الشاعر المسلم أن يثبط الناس ويقعدهم، وإنما مهمته دائمًا النهوض بالأمة، وطلب المعالي، وشحذ الهمم، وحشد الطاقات..

والشعر الإسلامي ضوء يهدي الحيرى في ظلمات الدنيا، يُلجئ الضعيف ظهره إليه فيستحيل ضعفه قوة، وتنقلب الموازين بإذن الله، ويفزع الخائف إليه فتَقَرُّ نفسه وتهدأ، ويستحيل الخوف أمنًا، والرعدة تمايلاً وطربًا، والترنح رقصة بالسيف قبيل النزال..

والشاعر المسلم كذلك لا ينطق ببعض الألفاظ أبداً، يقول صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء"، وقد حَذَفْتُ ـ عمدًا ـ ثلاث جمل من قصيدتك، ليس لها أي أثر فني في القصيدة، وهي ألفاظ عَرَّبَها المتغربون، وأكثروا من ذكرها لتصير موحية ودالة، والواقع أنها لا توحي إلا بالتأفف من ترديدها والإلحاح عليها، في مجتمع نسعى جاهدين لتزكيته، ولنعمل بنصيحة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "أميتوا الباطل بترك ذكره"..

وتعال معي لنتأمل القصيدة معاً..

الوزن العروضي:

القصيدة من بحر الكامل، وتفعيلته ( متفاعلن ///0//0 ) ولا يدخله غير زحاف واحد هو تسكين الثاني المتحرك، لتصير التفعيلة ( مستفعلن /0/0//0 )، ولا يجوز أن يدخله أي زحاف آخر، ولا يجوز للشاعر الخلط بين البحور بحال من الأحوال..

أقول هذا لأن الشاعر وقع في مجموعة من الأخطار العروضية غير المسموح بها..

ففي المقطع الأول:

السطر الرابع: يبتسمون في صلف..

وتقطيعه: /0 ///0//0 ///0

فإن كانت هناك حركة واحدة باقية من السطر السادس، تكون التفعيلة الأولى من السطر السابع هكذا ( //0 ) فقط.. فمن أي بحر هي؟!

وفي المقطع الثاني:

أخطاء في الأسطر: 5، 6، 8، 9.

وفي المقطع الثالث:

أخطاء في الأسطر 6، 7، 8.

وفي المقطع الرابع:

أخطاء في الأسطر 3، 4، 6،..

كما أن الشاعر جعل الوزن متصلاً في سطور قصيدته، ولن أعيد ما قلته من أن لهذا شروطاً إن توافرت، زادت من روعة القصيدة..

التشكيل الصياغي للقصيدة:

* تضم القصيدة ( 104 ) اسم، ( 55 ) فعلاً، ومجموعهما ( 159 ) دالاً..

ومعدل السطر الواحد من هذا الكم، يتعدى الأربعة دوال..

ورغم أن العلاقة الإحصائية بين الأسماء والأفعال تدل على ثبات نظرة المبدع وسكونها، إلا أننا لا نرى ذلك في القصيدة، فهناك حدثية مرتبطة بالزمن الماضي والمضارع والأمر..

فنرى في القصيدة ( 13 ) فعلاً ماضياً، منها أربعة أفعال ناسخة [صار، ليس (ثلاث مرات)]..

* ولا توجد أفعال أمر مطلقاً في القصيدة، وإن جاءت ( 8 ) أفعال مضارعة بعد لا الناهية لتفيد الأمر بعدم الفعل في المستقبل..

* وفي القصيدة ( 42 ) فعلاً مضارعاً، وفعل واحد بعد اسم الزمان ( الآن )، والفعل المضارع ( يعد ) تكرر ثلاث مرات بعد ( لم ) وهي حرف نفي وجزم وقلب؛ أي يقلب زمن الفعل المضارع إلى الزمن الماضي..

* إذا فالحدثية موجودة في القصيدة بأزمنتها الثلاثة الماضية والحاضرة والمستقبلة، وإن تداخلت جميعاً حتى صار الماضي والمستقبل كالحاضر؛ فالشاعر يتحدث عن هارون الرشيد، وإلى أسماء ( ماضي )، ويرى التلفاز والبيتزا والكافيار، والأحداث الحاضرة ( حاضر )، ويتحدث في سطور بالمضارع الدال على الاستمرار في المستقبل، خاصة ما جاء بعد لا الناهية، والأسطر الأخيرة من القصيدة..

* وبلغ مجموع الجوامد في القصيدة ( 67 ) جامداً، والمشتقات ( 37 ) مشتقاً، وهذا مستوى طيب من المشتقات التي تعبر عن دلالات أعمق من الدلالات المباشرة..

* ومجموع المشتقات والأفعال في القصيدة ( 92 ) دالاً؛ وهو ما يعني الاهتمام بالحدثية والزمن كما أسلفنا..

وبلغت جملة المعرفات بأل ( 38 ) معرفة، والنكرات ( 66 ) نكرة..

وهذا مؤشر على حاجة القصيدة في بعض مناطقها إلى تأويل أكثر من حاجتها إلى تفسير؛ فالدلالات تغور أحياناً وتطفو أخرى..

* ويغلب على القصيدة الصيغ المفردة ( 66 ) مفرداً، ( 18 ) جمعاً فقط..

فالشاعر -إذا- يتعامل مع اللغة البكر، والدلالات المباشرة..

* وإذا انتقلنا إلى الحقول الدلالية نجد لبعض الحقول حضوراً واضحاً في الخطاب الشعري، ودور مؤثر في الإنتاج الدلالي؛ منها:

- حقل الزمن:

كما ذكرنا فَقَدَ الزمن حدوده في هذه القصيدة؛ فانصهر الماضي والحاضر والمستقبل في هذه البكائية اليائسة..

فالماضي ـ الحاضر يتجلى في المقطع الأول..

والحاضر ـ المستقبل يتجلى في المقطع الأخير من القصيدة..

ولم يستخدم الشاعر أسماء الزمان كثيراً (الماضي [مرتين]، عُصُر، الآن)، ولكنه حشد ما يدل عليه (شخصيات وأحداث وأماكن)..

فشخصيات مثل (الرسول، عمر، عثمان، أسماء، الحسين، الرشيد، قتيبة الباهلي، هولاكو، صقر قريش،.. ) كل واحد منها يدل على سنوات بعينها، وإن كان الشاعر لم يدقق في توظيف هذه الشخصيات لخدمة الحدثية الزمنية في القصيدة..

وأحداث مثل ( بيعة الرضوان، حطين، بنو النضير.. ) تستدعي أزمنة بعينها أيضا..

وأماكن مثل ( الغار، غزة، القدس، كربلاء، غرناطة، الأندلس، الروم.. ) تدل على أزمنة بعينها يستدعيها الذهن إذا ذكر المكان..

والأهم من هذا هو ما يشير إليه الزمن عند الشاعر؛ فالزمن في القصيدة يدق على وترين هما:

1- وتر العزة: وتعبر عنه المفردات التالية: (الرسول، عمر، عثمان، الرشيد، صقر قريش،..)، (بيعة الرضوان، حطين، إجلاء بني النضير،..).

2- وتر الذلة: وتعبر عنه المفردات التالية: (هولاكو، القدس، كربلاء، الأندلس..) رغم علو صوت الانكسار والبكاء والمذلة، وخفوت صوت العزة في القصيدة..

- حقل المكان:

أكثر الشاعر من استخدام الجهات الأربعة (المشارق، المغارب، شرق [ ثلاث مرات ]، غرب، تشرق، تغرب)، واستخدام الأماكن ذات الدلالة، التي أسميها المكان الحدث، أي المكان الذي يستدعي الحدث عند ذكره (الغار، غزة، القدس، كربلاء، غرناطة، الأندلس، الروم، حطين، قرطبة، بحر قزوين،..) حيث تتعدى دلالة المكان هنا الدلالة المباشرة، لتصير دلالة رمزية، وأحياناً دلالة عميقة..

واستخدام الأماكن المطلقة (الأزقة، الدروب، الأرض، التراب،..) وحتى المكان في القصيدة يلعب على نفس الوترين (العزة والذلة).

- حقل الحركة:

والقصيدة كلها متحركة؛ انظر مثلاً المقطع الأول؛ تجد أن:

الرشيد يطل.. ويبكي.. ويذبل..

والعساكر ملئوا..

وأسماء تشق..

وبنو النضير أقعوا... يبتسمون..

وهارون يبيع..

ففي هذا المقطع ( 12 ) فعلاً (3 ماضي، 9 مضارع) في 9 أسطر فقط، وهذا دليل الحركة والتغير المصاحب للأحداث..

وفي المقطع الثاني تجد أن:

يشرب.. ويضحك..

ثم يضحك هازئاً منا..

... ونبكي وهو يضحك.. ثم نبكي..

في هذا المقطع ( 16 ) فعلاً ( 3 ماضي، 13 مضارع ) في عشرة أبيات..

ولكي لا أطيل سأنتقل إلى الصور والتعبيرات الفنية:

فالقصيدة جيدة من ناحية الفكرة والألفاظ و..

ولكنها خالية تقريباً من التصوير الفني.. بل جاءت بعض الجمل تقريرية مباشرة..

ففي المقطع الأول:

وعساكر الإفرنج ـ كالطاعون ـ قد ملئوا الأزقة والدروب..

وأسماء تشق نطاقها..

لا تذهبي للغار.. لن تجدي الرسول ولا أباك..

وكلها جمل مباشرة، هي للنثر أقرب منها للشعر.. ويرددها العامة..

وفي المقطع الرابع تقول:

لا تشرق.. لا تغرب.. لا تغادر.ز

لم يعد شرق لنا.. لم يعد غرب لنا..

لم تعد أرض لنا..

وهذا تكرار لما قيل في مفتتح المقطعين الثاني والثالث..

وفي نهاية القصيدة تكررت: "لمن ستمطر أيها الغيم المسافر "ثلاث مرات دون داع فني..

أخي الحبيب لا شك أن القصيدة جيدة.. لكنني أرى فيك مقومات التميز، فلا تقلل من شأن نفسك، أنت أفضل من هذا بكثير..

فعليك بالمراجعة، والتنقيح ومعاودة النظر في قصائدك، وكثف الفكرة والعبارة والصورة..

وفي انتظار أعمال أكثر تميزاً..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم