|
سنةٌ بلا رأسٍ
وأيامٌ بها داءُ الكساحْ
ومدينةٌ قد خـلـّعـت أبوابها كفُّ الرياحْ
وأنا المجندلُ بين أوراق القصائد..
من هدوء الليل أستجدي الصياحْ
ماذا تبقــّـى يا ترى غـيـر المراثي والنواحْ ؟!
حتى النوارس غادرت شطآنها
والبحـرُ من خوفٍ تـأبـّط موجه العاتي وراحْ
ماذا تبقــّـى يا ترى...؟
ودم المآذن قـد جرى
وتوشـّحـت كلّ الشوارع والأزقــّة بالجراحْ
سنة ٌ بلا رأسٍ
وأحلامٌ مفخخةٌ بلغم الخوف
في كسلٍ ممددةً ظلالُ الصمت فيها
تحت أقدام البواحْ
ومدينة الفرح المكابر
لم تزل - والحزن يسكنها -
تلفّ اللامبالاةَ على أكتافها مثل الوشاحْ
والصبر فيها فوق أرصفة الفجيعة
لم يزل للآن يرقد مثل شحـّـاذٍ
وينتظر الصباحْ
النقد والتعليق:
يقول الشاعر والناقد مدحت العراقي:
في العام الماضي نُشرت قصيدتك (عتاب ونداء) على صفحات النادي، مذيلة بتعليق الفقير إلى الله أيضا، ويجمع بين القصيدتين خطى الحزن والتشاؤم، ومبررات ذلك واضحة لكل ذي عينين.
وما دامت قصيدتك التي بين أيدينا من شعر التفعيلة الذي يناسبه دائما المدارس الحديثة في النقد الأدبي -وعلى رأسها المدرسة التفكيكية- فاسمح لي باستخدامها في نقد قصيدتك.
أولا- الوزن العروضي:
القصيدة من بحر الكامل، وتفعيلته (متفاعلن ///0//0) ولا يصيبها غير زحاف واحد هو تسكين الثاني المتحرك، فتصير (مستفعلن /0/0 //0)، وإذا كانت تفعيلات القصيدة كلها (مستفعلن التي هي تفعيلة بحر الرجز) غير تفعيلة واحدة (متفاعلن التي هي تفعيلة بحر الكامل) تكون القصيدة من بحر الكامل.
وتفعيلة (مستفعلن) هي أهم تفعيلة في البحور العربية؛ حيث تستخدم في سبعة أبحر من البحور الستة عشر الخليلية هي (الرجز، والكامل، والبسيط، والسريع، والمنسرح، والخفيف، والمجتث).
والشاعر هنا مزج بين النمط التقليدي ونمط التفعيلة؛ حيث التزم قافية الحاء الساكنة، والتزم في معظم قصيدته السطور الممتدة، وكأنه بيت مدور (كما في النمط التقليدي) حتى يصل إلى القافية.
فالسطر الأول والثاني يكونان معا سطرا مدورا -إن جاز هذا التعبير- حتى نصل إلى القافية (الحاء)، والأسطر 12، 13، 14، 15 سطر مدور حتى نصل أيضا إلى القافية، وكذا الأسطر 16، 17، 18.. وكذلك الأسطر 19، 20، 21...
وهذا يدل على قوة الشاعر وتمكنه -دون ريب- من أدواته، خاصة اللغة...
فعند تقطيع السطر الأول والثاني، نجدهما:
سنة بلا ///0//0 رأس.. وأيـ /0/0 //0 يام بها /0/0 //0 داء الكسا /0/0 //0 ح 0
فنجد الوتد المجموع من التفعيلة الثانية (وأيـ //0) يكون جزءا من التفعيلة الأولى في السطر الثاني.
وهناك كسر عروضي واحد في السطر (18) وهو السطر المرتبط بالسطرين (16 و17)، وتوضيح ذلك:
ومدينة لـ ///0//0 فرح لمكا ///0//0 بر لم تزل ///0//0 ولحزن يسـ /0/0 //0 ـكنها تلف ///0//0 فللا مبا /0/0 //0 لاة على /0 ///0 أكتافها /0/0 //0 مثل لوشا /0/0 //0 ح 0.
ثانيا- الحقول اللغوية:
استخدم الشاعر (56) اسما، و(15) فعلا، ومجموعها (71) دالا؛ هذا مع التغاضي عن الدوال الناقصة، والأدوات المساعدة.
ومعدل السطر الواحد من هذا الكم يقترب من (3.4) دالاً تقريباً؛ وهو ما يدل على اختيار الدفقات الشعرية السريعة.
والعلاقة الإحصائية بين الأسماء والأفعال تدل على ثبات نظرة الشاعر؛ فالأسماء تقترب من أربعة أضعاف الأفعال، والأفعال عادة تدل على الارتباط بالزمن.
دائرة الأسماء:
في القصيدة (56) اسما، منها (43) جامدا، (13) مشتقا.
واستخدام الجوامد يحمل إلى المتلقي الدلالة الأولى (المباشرة)، أما استخدام المشتقات فيدل على تعامل المبدع مع الدلالات المولدة (الرمزية والعميقة).
دائرة التعريف والتنكير:
استخدم الشاعر (56) اسما، من بينها (26) معرفا بأل.. بخلاف المعارف الأخرى، مثل كلمة (أبوابها) في السطر الثالث التي أضيف إليها الضمير -المعرفة- (ها) فعرفها أيضا.
وعادة ما يكون التضايف (المباشر وغير المباشر) مع المعارف الأخرى -خاصة الضمائر- هو الذي يُعَرِّفُ؛ لأن معظم المعارف لا تتعرف بنفسها.
دائرة الإفراد والجمع:
استخدم الشاعر (37) مفردا، و(19) جمعا.
وإذا كانت الغلبة لصيغة المفرد؛ دل ذلك على تعامل الشاعر مع مفردات الواقع في صورتها الأولية، والرجوع إلى اللغة البكر في وضعيتها الأولى.
ثالثا- الحقول الدلالية:
وإذا انتقلنا من الحقول اللغوية إلى الحقول الدلالية؛ نجد حضورا واضحا لحقول بعينها، كان لها دورها المؤثر في القصيدة، منها:
الحقل الأول: حقل الحزن والخوف:
وهو المسيطر صياغيا، وبلغت مفرداته (21) مفردة، ترددت (23) مرة.
والحقل بهذا الكم له أولوية التدخل في إنتاج المعنى في الخطاب.
وينقسم الحقل إلى مجموعتين دلاليتين جزئيتين، هما:
دلالة الحزن: ومفرداتها: الحزن، النواح، المراثي، المجندل، الفجيعة، محدودة، يرقد، دم...
دلالة الخوف: ومفرداتها: الخوف، لغم، مفخخة، الرياح، الليل...
الحقل الثاني: حقل الزمن:
والزمن يكون مقيدا، مثل: سنة، أيام، الليل، الصباح، الآن.. التي استخدمها الشاعر في قصيدته.
وقد يكون مطلقا، ولا يوجد في القصيدة زمن مطلق (مثل: أزل، أبد...).
فإذا عبر الشاعر بالمقيد؛ دل ذلك على تعلقه بزمن الحضور.
وإذا عبر بالمطلق؛ دل ذلك على تعلقه بالزمن الآتي.
الحقل الثالث: حقل المكان:
ومفرداته: مدينة، البحر، تحت، يسكنها، أرصفة، الشوارع، الأزقة، شطآن...
والمكان عند الشاعر يحمل السعة المفرطة (البحر)، والضيق الشديد (الأزقة).. وهو ما يدل -بالفعل- على اضطراب الشاعر وحيرته تجاه ما يحدث..
في القصيدة (14) واوا، منها: (10) واوات افتتاحية (في مفتتح الأسطر)، وأربعة بين ثنايا الأسطر، وما أظن ذلك إلا دلالة على خوف الشاعر وتلجلجه؛ ويدل كذلك على كثرة مفردات الجنازة التي يتحدث عنها الشاعر.
هنات لغوية:
السطر الثاني يحتاج إلى تكثيف وحذف أكثر من كلمة، لكن القافية ألجأتك إلى التعبير الحالي.
السطر (15) ألجأتك إليه القافية.
السطر (18) ضعيف ضعفاً بيناً، فضلاً عن الكسر العروضي.
في السطر (20)، كلمة (للآن) ألجأك إليها الوزن.
الصور والتعبيرات الفنية:
الأسطر: 1، 4، 8، 10 صور جيدة.
13، و14 فيها صورة ممتدة جيدة، شوهها التقديم والتأخير في السطر (14)، والمط الذي لا داعي له في السطر (15).
نسأل الله أن يعزنا بالإسلام، وأن يعز الإسلام بنا، إنه على كل شيء قدير.
وفي انتظار المزيد يا أخ عامر.
|