English

 

الثلاثاء. يونيو. 12, 2001

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

صلاة الجمعة في إيران

فتحي أبو بكر المراغي

المصلون في المسجد الرئيسي بطهران
المصلون في المسجد الرئيسي بطهران
تأثرت فريضة الجمعة في إيران بمراحل تطور الفكر الشيعي، بداية من نظرية الولاية (الإمامية الإلهية)، وما تبعها من نظرية الغيبة والانتظار التي تم بموجبها تعطيل فريضة الجمعة من الناحية النظرية، إلا أنه لم يكن هناك إجماع تام بين فقهاء الشيعة الإمامية على ترك صلاة الجمعة، بل تأرجحت أقوالهم بين عصر وآخر حسب الظروف السياسية، فمنهم من قال بالحرمة التامة في زمن الغيبة، ومنهم من قال بأنها واجب تخييري أي يجوز أداؤها أو أداء الظهر أربع ركعات، ومنهم من قال بجوازها في ظل وجود الفقيه العالم بالأحكام، وهو ما قالت به نظرية النيابة العامة في القرن السادس عشر الميلادي.

بعد انهيار الدولة الصفوية 1763م تقلص دور الفكر السياسي الشيعي المذهبي في الحياة السياسية الإيرانية تحت ضغط التغريب وتأثيرات الفكر الأوروبي إلى أن جاء الخميني وفرض نظرية ولاية الفقيه؛ وهي تقول بأن الفقيه الجامع للشروط هو نائب الإمام، وأن ولايته حق لا ينازعه فيه أحد، وأن جميع الأحكام والحدود تُقام به، فأعاد الخميني إقامة صلاة الجمعة في إيران ولكن على نحو مختلف!!.

صلاة الجمعة بعد الثورة

أقيمت أول صلاة جمعة في إيران بعد الثورة في الأسبوع الأول من شهر رمضان 1400هـ الموافق 27/7/1979م بإقامة "آية الله طالقاني".

حازت صلاة الجمعة في إيران الثورة على أهمية بالغة؛ إذ أحيطت بمراسم مهيبة واستعدادات ضخمة إذا اقتصرت كل مدينة على صلاة جمعة واحدة يؤمها إمام من كبار رجال الدولة، وأصبحت الخطبة فيها تمثل بيانًا رسميًا تُلقيه الحكومة على الشعب وتعرض فيه كافة القضايا السياسية والاجتماعية.

وفي طهران العاصمة اتخذت الثورة جامعة طهران مقرًا لأداء صلاة الجمعة، كرمز لاتحاد رجال الدين مع الحوزة العلمية من الجامعة وأساتذتها.

يبدأ الإيرانيون في القدوم لصلاة الجمعة قبل الأذان بنحو ثلاث أو أربع ساعات، ومن المعتاد أن تجري عمليات تفتيش المصلين بداية من دخول حرم جامعة طهران وحتى المصلى الرئيسي، وداخل المصلى توجد حواجز تقسم المصلين إلى مجموعات منفصلة؛ إذ تكون الصفوف مرتبة من الخلف إلى الأمام على النحو التالي؛ أولاً المصلون من عامة الشعب ثم رجال البسيج والجيش ثم رجال الدين ثم السادات من آل البيت ورجال الدين الأعضاء بالنظام، إلا أن هذه الحواجز لا تأخذ شكلاً مستقيمًا لتتيح للمصلين من كل مجموعة فرصة الاقتراب من الصفوف الأولى القاصرة على رجال الدولة، وبين كل مجموعة وأخرى يوجد أفراد للحراسة والتفتيش، ثم يأتي مصلى الأمام وهو خندق ينخفض عن مستوى المسجد بثلاث درجات يقوم بحراسته اثنان من الحرس لا يصليان وقت صلاة الإمام.

عند موافقة صلاة الجمعة لإحدى المناسبات الثورية تقوم فرقة موسيقى الجيش بعزف بعض الألحان العسكرية داخل المسجد قبل الصلاة، كما يمسك الإمام بندقية أثناء إلقائه للخطبة تعبيرًا عن روح الجهاد والثورة، ويقوم المصلون بالقنوت في الركعة الثانية من كل صلاة جمعة ويكبرون جهرًا ثلاث مرات ويجمعون صلاة العصر مع صلاة الجمعة.

صلاة الجمعة مؤسسة ثورية

اختير آية الله طالقاني كأول إمام لجمعة طهران؛ نظرًا لشعبيته الجارفة، وكونه أكبر مرجع ديني ثوري للشيعة بعد الخميني، لكن سرعان ما حدث خلاف فكري بين طالقاني والخميني كاد أن يقضي على الثورة.

بعدها أدرك الخميني قيمة مؤسسة "الجمعة" ومدى خطورة تأثيرها الجماهيري، فوضع برنامجًا لتنظيمها بدأه بتعيين "آية الله منتظري" إمامًا لجمعة طهران.

عمل منتظري على أن تكون خطبة الجمعة في خدمة مبدأ ولاية الفقيه ونظام الجمهورية الإسلامية، وأن تكون جميعها ذات اتجاه موحد لا يخرج عنه أحد، مع استبعاد كل من لا يلتزم بهذا التوجه من الأئمة. وبعد أن كان الخميني قد عيّن خامنئي ورفسنجاني ومهدي كني، كأئمة مناوبين لإمامة جمعة طهران، استبعد منتظري، مهدي كني لعدم التزامه بالخط العام لخطبة الجمعة، وعين بدلاً منه موسوي أردبيلي.

وقد طلب منتظري من الخميني، تعيين هؤلاء الخطباء رسميًا كأئمة مناوبين لجمعة طهران، بعد أن اعتزل هو الإمامة، وفضّل القيام بالإشراف العام على خطب الجمعة، لكن الخميني أراد أن يكون خامنئي إمامًا دائمًا على أن يعين الآخرون نوابًا عنه في حالة غيابه.

شكّل منتظري أمانة عامة دائمة لأئمة الجمعة، مهمتها التنظيم بين أئمة الجمعة وتحديد الأطر الفكرية التي يلتزمون بها.

عقدت الأمانة العامة لأئمة الجمعة أول مؤتمر لها في يونيو 1983م، ثم المؤتمر الثاني في مايو 1984م، دعا هذا المؤتمر إلى إنشاء شبكة اتصالات بين أئمة الجمعة في الدول الإسلامية، والمطالبة بالاستفادة من صلاة الجمعة باعتبارها عملاً عباديًا سياسيًا، بالإضافة إلى غير ذلك من الأفكار التي أثارت آنذاك ارتياب دول الجوار الإيراني.

خطب الجمعة

إضافة إلى أن صلاة الجمعة تمثل داخل النظام الإيراني منظمة ثورية ذات طبيعة ومهام خاصة، فإن الخطب التي تلقى فيها تعبر رسميًا عن آراء وتوجهات النظام الإيراني، وذلك راجع إلى الرقابة الكاملة للدولة على خطب الجمعة وتوحيد موضوعاتها في سائر أنحاء إيران.

كما أن خطبة الجمعة في العاصمة طهران تعد بيانًا رسميًا للحكومة، وتوضيحًا لآرائها حول سائر القضايا؛ لأن خطباءها هم أنفسهم رجال النظام وأعمدته؛ فآية الله خامنئي كخطيب للجمعة تنقّل بين عدة مناصب بداية من عضوية مجلس الثورة إلى رئاسة الجمهورية ثم منصب الإرشاد والزعامة، وكذلك رفسنجاني من رئيس للبرلمان إلى رئيس للجمهورية، ثم رئيس لمجمع تحديد مصلحة النظام، وطوال هذه المراحل التي خاضاها كانا يداومان على إمامة جمعة طهران بالتناوب.

تنقسم خطبة الجمعة في إيران إلى أربعة أقسام:

خطب ما قبل الصلاة: وتُلقى في خلال الفترة الممتدة من بداية قدوم المصلين إلى الأذان، وهي عادة ما تكون في التاريخ الإسلامي وشرح السيرة والمناسبات الدينية والثورية.

الخطبة الأولى: تتناول موضوعًا عقائديًا مع ربطه بالواقع الإيراني.

الخطبة الثانية: تتناول الرد على الهجمات الإعلامية المعادية وتعظيم ذكرى الشهداء ورجال الثورة.

الخطبة الثالثة: وهي خطبة قصيرة تُلقى باللغة العربية بعد الخطبة الثانية، وتكون موجهة إلى الدول العربية شعوبًا وحكومات، وتنفرد بها جمعة طهران فقط. وبعد إلقاء هذه الخطب تقام الصلاة على النحو السابق ذكره.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم