English

 

الأربعاء. يونيو. 20, 2001

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

المسلمون في إسبانيا.. مواطنة أم تهميش؟!

المهاجرون العرب في أسبانيا
المهاجرون العرب في أسبانيا
بعد سنوات- قلّت أو كثرت- يكتسب المهاجر في أي بلد شرعية وجوده؛ فيحصل على عمل ثابت، ويصبح له مسكن دائم، ويقيم علاقات مع الآخرين، لكنه يظل غريبًا. ففي إسبانيا يرفض الكثير من المهاجرين العرب- وهم مغاربة وجزائريون في الأساس- والمهاجرين الباكستانيين، الحصول على الجنسية الإسبانية ما داموا قد حصلوا على إقامة قابلة للتجديد أو دائمة، وتصريح بالعمل.

إنها حالة رفض لقيم الآخر وثقافته وعاداته، وفي الوقت ذاته يبذل الرافضون أقصى جهدهم؛ ليصبحوا مقبولين في المجتمع الجديد.

تكاتف الغربة

رفض الذوبان أو (التماهي) في الآخر سبب ونتيجة في الوقت ذاته. إن لم يصل المهاجر العربي أو الباكستاني إلى إسبانيا بمساعده أبناء وطنه، فإنه يبحث عنهم؛ ليساعدوه في الحصول على عمل، وتدبير مسكن، وتوفير الأوراق التي تجعله مهاجرًا شرعيًّا.

على جانبي شارع "رامبلا" الشارع السياحي الأول في برشلونة، أكبر مجمع للباكستانيين في المدينة، فيه يعيشون، ويعملون، ويمتلك معظمهم متاجر خاصة. الحي بأكمله يكاد يكون باكستانيًّا: الوجوه، والمحلات بأسمائها، وأسماء أصحابها، والآيات القرآنية على الجدران الملاصقة لأبواب المحلات وعلى الأبواب الزجاجية ذاتها، ومحلات بقالة صغيرة يمتلكها ويعمل فيها باكستانيون. هذه الحالة قد توحي بأنك في مدينة آسيوية يزورها سياح أوربيون فقط. لافتات المحلات التي توفر المكالمات للهند وباكستان والمغرب، وتعلن عن سعر الدقيقة الذي يبلغ خمسين بيزيتا (ربع دولار تقريبا) -تعيدك إلى واقع المدينة الإسبانية، التي تجمَّع غرباؤها في مكان واحد.

وصلت برشلونة بعد أيام من عيد الأضحى، ووجدتهم ما زالوا يتحدثون عن صلاة العيد، والأضحية، وعن الآباء الموجودين في مكة لقضاء فريضة الحج.

سؤال يحتاج إجابة

هؤلاء الآباء هم الذين يرفضون الجنسية الإسبانية. "لقد ولدت مغربيا أو باكستانيا مسلما، وسأموت كما ولدت".. هذا ما يقوله كل مَنْ تجاوز الأربعين أو الخمسين من عمره.

أما الشباب والمراهقون، الذين وُلدوا في إسبانيا، ولم يعرفوا أرض آبائهم إلا في زيارات قصيرة لا تتجاوز أيامًا، فيقول أحدهم لي بعد أن نخرج إلى الشارع: "أنا لا أريد العودة. أنا إسباني، ولدت هنا، ومعي جواز سفر إسباني؛ فلماذا أعود؟!".

هكذا قال لي "ناصر المغربي" ذو الثمانية عشر عامًا. يتحدث معي بالإسبانية، ومن حين لآخر ينطق بكلمة عربية، يقول: "وكيف الحال في مصر؟ أعرف عادل إمام، أراه في التلفزيون".

عبارات لا علاقة لها بالسياق الذي نتحدث فيه، ربما تكون الرغبة المضمرة في عدم قطع الجذور. ناصر لم يحصل على شهادة، ولن يستكمل تعليمه؛ وإنما ينتظر الوظيفة التي تقدّم للحصول عليها من بلدية برشلونة كعامل نظافة أو بستاني؛ لأن والده لا يمتلك متجرًا، وإنما يعمل في مصنع للملابس.

حكومة إقليم "قطلونية" تحاول حل مشكلة أبناء المهاجرين العرب، الذين ولدوا على أرضها، والذين يحصلون تلقائيا على الجنسية الإسبانية، بعد خمس سنوات من ميلادهم؛ فهي تقوم حاليًا بالإعداد لإدراج اللغة العربية في مناهج التعليم، وتبحث عمّن يستطيعون القيام بالتدريس لهم من بين المهاجرين، وإن لم تجد من بينهم من يصلح لهذا العمل، فسوف تقوم باستقدامهم من البلدان العربية.

الأحياء والتقاليد

تتم عملية الاندماج، رغم قسوتها وصعوبتها، وسوف تظهر نتائجها كما يتوقع القطلونيون مع انتظام أبناء المهاجرين في التعليم. لكنّ هناك نوعا آخر من المشاكل التي تؤثر بشدة على من يولدون لأب عربي أو باكستاني وأم إسبانية، وهي المشاكل الخاصة بالعادات والتقاليد والدين. هذه المشاكل يتوقف ظهورها ودرجة حدتها على العمل ومستوى الحي الذي يسكنونه؛ فالقبول بالحياة مع الزوج في أحياء المهاجرين يعني تلقائيا القبول بطريقة الحياة وأسلوبها في هذا المكان، والعكس صحيح؛ فقبول الزوج بالحياة في الأحياء ذات الأغلبية الإسبانية يعني قبول الحياة الغربية وأسلوبها مع بعض التحفظات الخاصة بالدين؛ حيث توجد حرية الاعتناق.

اللحظة التي تبدأ فيها المشاكل بالظهور والتضخم هي إقامة طرف من طرفي العلاقة الزوجية لعلاقة أخرى.

والمجتمع والقانون الإسبانيان يرفضان تعدد الزوجات، والحل بالنسبة لهما هو الانفصال الودي. لكن أحيانا يقوم مهاجر عربي أو باكستاني بالزواج من أخرى في بلده، أو من مقيمة في إسبانيا، ولا يقوم بتسجيل الزواج مدنيا، وإنما في المركز الإسلامي.

القانون الإسباني يقف عاجزًا أمام مثل هذه الحالات؛ فهو لا يستطيع إجبار الزوج على تطليق الزوجة الأولى، أو بمعنى أدق الانفصال عنها، والمركز الإسلامي لا توجد له سلطة قانونية.

وهناك حالة محددة حدثت فيها هذه المشكلة هي حالة "علي" وهو شاب في العشرين من عمره، وابن لأب هندي مسلم وأم جزائرية.

قام الأب منذ خمسة شهور بالعودة إلى الهند ليتزوج من فتاة تصغره بخمسة وعشرين عاما. الأم تستطيع حسب تأكيدات المحامين الحصول على الانفصال حسب القانون الإسباني، لكنها حسب الشرع الإسلامي ما زالت زوجته، والمركز الإسلامي في "برشلونة" لا يستطيع إجبار الزوج على تطليقها.

الأب لم يعد إلى إسبانيا و"علي" ترك دراسته، وانضم إلى مجموعة من عازفي الشارع، الذين يقومون بالتجوال بين عربات المترو والشوارع؛ ليعزفوا الموسيقى، مقابل القليل من البيزيتات التي يتركها الجمهور في حقيبة أو قبعة.

أين نحن؟

هذه هي المشكلات التي يقف المجتمع الإسباني وحكومة قطلونية عاجزين عن حلها، وهى تحدث بتنويعات عديدة. أحيانا يقوم الأب الذي تجاوز الأربعين أو الخمسين من عمره بشرب الخمر أو إدمان المخدرات أو مرافقة فتيات الليل. مثل هذه المشكلات التي تحدث غالبا في عائلات تحسنت أحوالها الاقتصادية، وبدأ أبناؤها في المشاركة بفعالية في المجتمع- تؤدي إلى تردٍّ حاد في العلاقات الأسرية، وإلى انسحاب الأبناء من جديد إلى هامش المجتمع. كل هذا يؤجل الحضور الفعال للمهاجرين في المجتمع الإسباني، ويجمدهم في وضع الأفراد المهمّشين أو الكائنات الطفيلية التي يرفضها المجتمع.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم