English

 

الأربعاء. سبتمبر. 7, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 

في رثاء الملك فهد.. رحمه الله

1 نَبْـكي الزمان بِعَـبْرَة  تَتَرقْرَقُ  والـقلب يا فَـهْد العُلا متمزقُ
2 الموت نادى فاستجبت  مُـكَرَّمًا والعالـمون  مُكَذِّبٌ وَمُصَـدِّقُ
3 والكون أظلم والحوَائِطُ أقْفَرت والريح هاجت حين غابَ الطَّارقُ
4 مَلِكٌ على الأحياء جاد وما قَلَى واليـومَ  بَيْنَ يَدَيْ كَـريمٍ يُغْـدقُ
5 شيَّدْتَ أركان الـمحامد والتُّقى وعلى أكف الجـور سيـفك بارقُ
6 مـن حاد عن شرع الإله رَدَعْتَهُ والتائبون إلـيه - عفوُك سـابقُ
7 يا نَاصِرَ  الإسْـلامِ تلْك تَـحِيَّة فِـي الخَالِدينَ وحَالُ دَهْرِكَ نَاطقُ
8 لَمْلَمْتَ شَـمْلَ المسْلمـين بجمْعِهم لَولا شِـرَاعُكَ كلُّ فُـلْكٍ  غَارقُ
9 يا لـيت أيامي التي لـم ألْـقَهَا مَـدَدًا لعمرك - دُمْتَ حَيًَّا تَـخْفقُ
10 اليومَ نَنْعَاكَ - وذكْـرُكَ خالـدٌ طَـالت أياديكَ - وعـهدك باسِـق
11 يا جـنة الرحـمن ذاك هَـديةٌ للمـحسنين  جِـنَان عـدْنٍ تُـخلقُ
12 قَـدَرٌ  - وذاك عزاؤنا في فَقْــدِهِ - كُـلٌّ سيفنـى - والـخَلائق تُحْدِقُ
13 هل خُلِّد الماضون فيها- أين من سلكوا الرشاد وبالرَّسُولِ تَـخَلقُوا ؟
14 وعـزاؤنا أمـجادُهُ بين الورى فِــي كُـل وادٍ دُرَّةٌ تَـتَـأَلَّـقُ
15 والشمس إن غابت تلا نورُ القمَرْ فَـالضَّـوْء مِـن نور النَّهار يُعَانِـقُ
16 لولا وَلِيُّ العهد ما زال الأسـى لكـن يَلُوحُ مَع الـغُروبِ الْـمَشْرِقُ

النقد والتعليق:

يقول الشاعر والناقد مدحت العراقي:

أخي الحبيب الفاضل: لعلنا نتشابه في حبنا الأثير للغة الضاد، ولو لم تصرح بأنك باحث ومدقق لغوي، لخففت على نفسك، ولكنه (قدر) كما تقول في قصيدتك.. وإليك بعض ملاحظاتي في أربع نقاط:

أولاً- الوزن العروضي:

القصيدة من بحر الكامل، وتفعيلته: (متفاعلن ///0//0) ولا يدخلها غير زحاف واحد هو تسكين الثاني المتحرك، فتصير (مستفعلن /0/0//0)..

وفي القصيدة خطأ عروضي واحد تكرر مرتين في البيت العاشر، وتقطيع البيت:

أَلْيَوْمَ نَنْـ     ـعَاْكَ وَذِكْـ رُكَ خَاْلِدُنْ

/0/0//0       /0///0       ///0//0

طَاْلَتْ أَيَاْ      دِيْكَ وَعَهْـ   دُكَ بَاْسِقُو

/0/0//0      /0///0       ///0//0

وانظر معي إلى التفعيلة الثانية في كل من الشطرين تجدها تحتاج ساكناً، لتصير سببين خفيفين (/0 /0) ثم وتداً مجموعاً (//0) بدلاً مما هي عليه.

في البيت الأول تصريع: قافية المصراع (الشطر) الأول كقافية المصراع الثاني، وهذا جيد.. وكان الأولى أن تقول: يتمزق (فعل مضارع يدل على الاستمرار)، بدلاً من متمزق.

في البيت التاسع: سكن الشاعر ياء (أيامي) وكان حقها الفتح؛ للضرورة الشعرية (ضرورة تغيير: تسكين المتحرك)، وهذا جائز.

ثانياً- القافية:

وحروفها هنا أربعة؛ بيناها في نقدنا لقصيدة "منبر على نعش" على صفحات النادي.

الروي: القاف.

التأسيس: هو ألف بينها وبين الروي حرف واحد صحيح.

وجاء الشاعر بست قواف بها تأسيس (الطارق، بارق، سابق، ناطق، غارق، باسق).. والحرف الفاصل بين الروي والتأسيس هنا هو الراء في (الطارق، بارق، غارق) والباء في (سابق)، والسين في (باسق).. ووجود التأسيس في بعض الأبيات وانعدامه في أخرى، عيب من عيوب القافية، يسمى (سناد التأسيس).

والحرف الذي بين التأسيس والروي يسمى (الدخيل) وهو هنا متنوع، بين الفتحة أحياناً (يغدَق، تخلَق، تخلَّقوا، تتألَّق) والكسرة في بقية الأبيات (12 بيتاً).. وهذا خطأ لا يجوز.

الوصل: حرف المد (الواو) المتولد عن إشباع حركة ضم الروي.

ثالثاً- اللغة:

وبما أنك باحث ومدقق لغوي؛ فإليك هذه الملاحظات:

-  استعمال الألفاظ الغريبة لا يرفع، واستعمال الألفاظ المتداولة (غير الركيكة) لا يخفض، وإنما المعول عليه في هذه أو تلك هو قدرة الشاعر على توظيف هذه الألفاظ، وقدرته على توصيل المعاني في صورة فنية راقية جديدة، وهذا هو الإبداع، أن تستخدم المادة الخام التي يستخدمها الناس في صنع شيء لم يعهده الناس، وهذا سر انبهار الناس بالشعر، وهذا سر إعجاز القرآن الكريم.

-  الإسراف في المدح ـ أياً من كان الممدوح ـ ليس من سمات المسلم؛ وما سكت بعض المخضرمين ـ لبيد ابن ربيعة ـ حين دخلوا في الإسلام، إلا لخوفهم من الوقوع في هذا الشرَك وأمثاله مما اعتادوا عليه قبل الإسلام، ولخوفهم من قوله عز وجل )ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد(، وقوله عز وجل في ختام سورة الشعراء )والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون(.. وأمثلة ذلك:

قولك في البيت الثاني: والعالمون مصدق ومكذب..

قولك في البيت الثالث: الكون أظلم.. والحوائط أقفرت.. والريح هاجت (وهذا جائز من الجهة المعنوية لا الحسية المادية)..

قولك في البيت الرابع: ملك على الأحياء..

وقولك في البيت الثامن: لولا شراعك كل فلك غارق..

قولك في البيت الحادي عشر: يا جنة الرحمن ذاك هدية.. (هذا غير جائز)..

وأسألك: هل قيل ذلك في خير البشر صلى الله عليه وسلم؟!

نحن نجل كبراءنا وأمراءنا وعلماءنا.. وللملك فهد رحمه الله أعمال كثيرة طيبة، ولكن إسلامنا علمنا ألا نتملق أحداً.. ودليلي: آخر بيتين في قصيدتك..

وبالمناسبة؛ فقد كتب أحد الشعراء ـ رحمه الله ـ ديواناً كاملاً في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حزن حزناً بالغاً، وحين سأله صديقه الشاعر ـ رحمه الله ـ عن سر حزنه بعد أن كتب ما لعله يكون سبباً في مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، قال: لقد وعدني الأمير فلان في دولة كذا ـ من دول الخليج ـ إن كتبته، أعطيات وهدايا، لكنه أخلف وعده بعدما بذلت هذا الجهد في كتابة الديوان.

-       أتيت بمجموعة من التعبيرات الغريبة؛ وأمثلة ذلك:

ب1: نبكي الزمان..

والمتعارف عليه بين الشعراء أن الزمان ـ المطلق ـ هو الذي يبكينا، ونحن لا نبكيه؛ فإذا خصصت الزمان فقلت مثلاً: أيام الصبا، الشباب،... فجاز أن نبكيه إذا فقدناه، ولكن كيف نبكي الزمان المطلق (الدهر)، وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: "... فإني أنا الدهر"..

ب3: غاب الطارق..

الطارق لها ثلاثة معان هي: الآتي ليلاً، أو الحادث ليلاً، أو النجم الثاقب..

وأنت تقصد المعنى الأخير، وما ألجأك إلى هذه الكلمة إلا القافية..

ب4: جاد وما قلى..

والمعنى المعجمي لكلمة قلى: أي هجر مبغضاً، وهي قلقة في هذا المكان وغير مناسبة..

ب12: والخلائق تُحْدِقُ..

المعنى المعجمي لكلمة تحدق: أي تُحيط؛ فمن الذي يحيط بالآخر القدر أم البشر؟! ولئن قصدت إلى هذا المعنى؛ فهذا أمر جيد؛ فكلاهما بالفعل يحيط بالآخر، وكلاهما يسعى نحو الآخر حتى يلتقيا..

ب15: فالضوء من نور النهار يعانق..

الكلام غير مستساغ، وغير مريح، ولم تستطع التعبير عن المعنى الذي تريد، وإن كان واضحاً وضوح الشمس..

ب16: يلوح مع الغروب المشرق..

المشرق: جهة شروق الشمس، وأنا أعجب كيف يلوح المشرق مع الغروب، يا أخي الحاذق اللغوي.. لقد ألجأتك إليها القافية..

رابعاً- الصور والتعبيرات الفنية:

لا أجد في القصيدة صوراً جديدة.. ولكن لي ملاحظة ونصيحة:

الملاحظة: هناك هلهلة ـ عدم تماسك ـ في الأفكار والمعاني، ومثال ذلك: (الأبيات 9، 10، 11، 12).. والشعر ليس نظماً ولغة فحسب؛ لكنه صورة فنية في قالب لغوي موزون..

النصيحة: الرثاء دائماً يكون بما يحمد في الميت من صفات وأخلاق وأعمال (كمرثيات الخنساء في أخيها صخر)، ويكون إظهاراً للتجلد والصبر على الفقد والوجد (كعينية أبي ذؤيب الهذلي الشهيرة)، وتخليداً لذكرى الميت (كمرثيات شوقي وغيره)، ويميل الراثي دائماً إلى الحكمة (كما يفعل شوقي، وأبو العتاهية)، والحكمة تكسب الشعر خلوداً، كما قال شوقي: "ما يزال الشعر عاطلاً حتى تسكنه الحكمة، وما تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت الشعر".. وإليك بعض أبيات المراثي فتأملها:

قال شوقي:

ومِثلك يُرْثَى بآي الكتاب   ومثلك يُفدى بنصف البشر

وقال شوقي يرثي مصطفى كامل:

المشرقانِ عليك ينتحبانِ
إن كان للأخلاق ركنٌ قائمٌ
المجدُ والشرفُ الرفيعُ صحيفةٌ
دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
يُزجون نعشك فى السناء وفي السنا
فلو أنّ أوطاناً تُصور هيكلاً
أو كان يُحملُ في الجوارحِ ميت
أو صِيغَ مِنْ غُرَرِ الفضائلِ والعلى
أو كان للذكرِ الحكيمِ بقيةٌ
فلو أنّ بالهرمينِ من عَزَمَاتِهِ
  قاصيهما في مأتمٍ والدانِ
في هذه الدنيا فأنت الباني
جُعلت لها الأخلاق كالعنوانِ
إنّ الحياةَ دقائقٌ وثواني
فالذكر للإنسان عمر ثاني
فكأنّما في نعشك القمرانِ
دفنوكَ بين جوانحِ الأوطانِ
حملوك في الأسماع والأجفانِ
كفنٌ لَبِسْتَ أَحَاسِنَ الأكفانِ
لم تأتِ بعدُ رُثِيتَ في القرآنِ
بعض المَضَاءِ تَحَرَّكَ الهرمانِ

وقال الشاعر: (للأسف؛ لا أعرف صاحب هذين البيتين)

فالناس كلهم لفقدكَ واحدٌ
عجباً لأربعِ أذرعٍ في خمسةٍ
  في كلّ بيتٍ رنةٌ وزفيرُ
في جوفها جبلٌ أَشَمُّ كبيرُ

وفي انتظار فرائدك ويواقيتك وجواهرك، يا زميل درب الضاد..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم