| كنت أحس الكون جميلاً |
كنت قديماً أهوى البحرا |
| أسبح فيه بكل سرورٍ |
لا أستشعر منه الغدرا |
| مالي أراه اليوم كئيباً |
يحمل في طياتهِ أمرا |
| ألمح في أمواجه طولاً |
كاد يكون كطول الشَّجرة |
| فاستشعرت الخوف وقلت |
ذرني قرب الشاطئِ قدرا |
| فوجدت الموج يدافعني |
دفعاً كاد يزيل الصخرا |
| فاستأثرت بأن أتنحى |
وعلى الشاطئِ أن أنتظرا |
| لكنّ صديقي المقدام |
لم يستشعر هذا الخطرا |
| ذهب ينادى الموج وقال |
سوف أغامر لن أصطبرا |
| أخذ يداعب موج البحر |
حتى استعلى الموج وغمره |
| وأنا أنظر في الآفاق |
أستَلهِمُ كَي أكتب شعرا |
| حين فُزِعتُ بصوت صديقٍ |
كان يراقب تلك الصُّورا |
| كان ينادى ماجد يغرق |
قد غطاه الموج وستره |
| فاستنهضني الصوت وقمت |
تتلهب أحشائيَ ذعرا |
| أترقب تلك الأمواج |
تحمل جسد البطل الحُرَّا |
| ثم نفضّت الخوف وخُضت |
في تلك الأمواج الكبرى |
| حتى قمت بحمل صديقي |
أتقدم كي أصل البَرَّا |
| ماجد ماجد هل تسمعني؟ |
هل تسمع أصواتاً أخرى؟ |
| يا من كانت طاعة ربّه |
تبعثُ في طلعته السِّحرا |
| يا من شغل الحقُ حياتَـه |
صلى الليل وصلى الفجرا |
| يا ذا الروح الشابّة الطلقة |
بحرُك خان العهدَ وغدرا |
| ثم استنجدنا بطبيبٍ |
نظر إليه وقال الخبرا |
| شاركنا بالدمع وقال |
أىُّ طبيبٍ يمنعُ قدرا ! |
| ماجد يا ذا القلب الصافي |
أتُراك سندخلك القبرا؟ |
| أتُراك تروحُ بلا عودٍ |
بل ستعيشُ لنا بالذكرى |
| قد أوذينا بموتِ عزيزٍ |
يا الله ألهمنا الصَّبرا |
|
|
النقد والتعليق:
تقول لمياء يس-محرر نادي المبدعين:
الشعر بطبيعته كما نعرف فنُّ صوتي سمعيّ، أجود ما يُتلقى عن طريق الاستماع، إلا أن الجيد منه يحمل ميزة بالغة الخصوصية، ذلك أنه لو قُرئ بالعين فإن موسيقاه تتدفق عفوًا إلى الحيز الوجداني للقارئ؛ فيشعر وكأن هناك صوتًا في ذهنه يتلو عليه هذا الشعر. وعلى هذا فليس من الصعوبة في شيء أن تتعرف على مستوى جودة القصيدة أو رداءتها من أول بيتين فيها؛ فالقصيدة الجيدة يستمر صوتها رغما عن القارئ في إنشاد ما تقرؤه عيناه من أبيات، وهكذا يجد نفسه وقد وصل -عفوًا- إلى نهاية القصيدة. أما الشعر الرديء فإن صوت الوعي لا يستجيب له، وبالتالي يجد القارئ أنه قد عاف القصيدة بعد أول بيتين فيها.
وقصيدتك يا محمد من النوع الأول الذي جعلني أصل إلى نهايتها دون أن أنتبه إلى أنني قد اتخذت القرار بإتمام قراءتها. رغم ما فيها من ملاحظات أرجو أن يتسع صدرك لها جميعًا بحلوها ومرّها، لأنها أولا وأخيرًا إيجابية الغرض.
* أهنئك بصفة عامة على أذنك الموسيقية وعنايتك بالوزن على حداثة سنك، فهناك كثير ممن يفوقونك سنًا ويرسلون إلينا أعمالهم على أنها شعر، لكنها لا تمت إلى الشعر بسبب فقدانها ركن الشعر الأكبر والمميز وهو الوزن، فتكون كلمات جميلة مرصوصة، وربما مسجوعة في بعض المواضع وحسب!.
* كما أهنئك على خلو قصيدتك من أخطاء النحو والإملاء، وهو شيء لافت للنظر في هذه الأيام، وقياسًا إلى سنك كذلك.
* لقد وُفقتَ في اختيار البحر "المتدارك" من حيث أن قصيدتك قصصية؛ فالمتدارك بنغمته ذات الإيقاع الوحيد الذي تتشابه أشكاله (ما بين: فاعلن، فعِـلن، فعْـلُن، فاعلُ) لا تطغى موسيقاه فتلهي المتلقي عن مضمون الشعر. ولكن لي رأيًا آخر في اختيار القصص في مرثيتك هذه سأعرض له فيما بعد...
* رافقَ ضبطَ الوزن عندك مهارةٌ في تطويع الألفاظ لتتسق بين حركات وسكنات البحر بشكل مغاير لشكلها الصوتي المألوف، وهو لعب على أوتار ما يُسميه اللغويون "النبر والتنغيم"، ولأوضح لك أكثر؛ فمثلا المقطع الصوتي بالبيت الثالث "مالي أراه.." قد اتخذ هنا تكوينًا صوتيًا غير الذي يُنطق به خارج الوزن، ألست تقول في كلامك العاديّ "ماليٍ~" باستيفاء الياء، وليس بخطفها كما هو بالبيت هنا؟ وقد يُسكّن هذا المقطع نفسه في قصيدة أخرى من وزن الكامل أو البسيط مثلا؛ لاتسقت في تفعيلة "مستفعلن" بلا أي عناء.
وكذلك القول في ".. طيّاتِهِ أمرًا"، و"قد أوذينا بموتِ..".
* ألف الإطلاق في القافية كانت مناسبة كذلك للقصص من ناحية، ولاستيعاب مشاعر التفجع والحزن.. لو أنك عبرت عنها.
والآن يا صديقي حان وقت الشق الثقيل من الملاحظات، وإني لأرجو أن تتقبله قبولا حسنًا...
* صادفت بعض الهنات في الوزن، وهو ليس بالعيب القاتل، لا سيما أنه لم يحدث إلا في موضعين: أحدهما بالبيت الحادي والعشرين في لفظة "الطلقة" بالتحديد، والآخر في البيت الأخير في لفظة "ألهمنا".
فضلا عن أن هذه الهنات قد تقع في شعر بعض الشعراء ذوي الأسماء اللامعة، ولكننا نربأ بموهبتك الجميلة أن تكتمل على غير سواء.
* التزامك قافية وحيدة أفضى بكَ تارة إلى تكلف الألفاظ أحيانًا لتوافق القافية، وتارة أخرى إلى ليّ عنق ألفاظ أخرى لا تحتمل التطويع لتتسق وقافيتك المختارة، مثلما حدث مع الألفاظ: "الشجرة، غمرَه، سترَه".
* اختيار القصص نهجًا لهذه القصيدة لم يكن موفقًا، لأنه أفضى بك إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن الألفاظ خرجت بالغة البساطة لتوافق أسلوب القصص، حتى صبغت لغة القصيدة بما يشبه لغة قصائد الأطفال القصصية.
وثانيها: أن انتهاج القصة مع إخراجها في صورة "المتدارك" أظهر في القصيدة روحًا أقرب ما تكون إلى المرح منها إلى الحزن والتفجع الملائمين لهذا المقام، فهي في أكثر أبياتها تتقافز بالمتلقي بين أجواء رحلة بحرية جميلة قام بها صديقان، وتكاد نهايتها الحزينة أن لا تُذكر ولا تنال من مشاعر المتلقي، قياسًا بمساحة المرح والمغامرة فيها.
والثالث: أن الرثاء ليس مقامًا للقـَصص، فالرثاء يكون ذكرًا مركزًا للمُتوفـَى وتعدادًا لفضائله الأخلاقية وإحياءً لسيرته الحسنة بين الناس، وهذا لم يحدث في قصيدتك بشكل كافٍ إطلاقًا، لأنه لم يظهر إلا في الأبيات الثلاثة الأخيرة! أما سائر القصيدة؛ فهي تحكي أحداث نزهة لصديقين حملت في بدايتها بعض المغامرة التي انتهت نهاية مأساوية، لم يُعبَر عنها حتى بالشكل المناسب لتبلغ أثرها في نفس المتلقي ومشاعره، بل حتى لتوصل مشاعر الشاعر نفسه، ولا فُصل في ذكر فضائل هذا المتوفى، ولا في وصف معبر لمشاعر الحزن حيال وفاته؛ لذا يصعب أن تعتبر هذه القصيدة مرثية ناجحة، وإنما قصة شعرية تراجيدية النهاية.
خلاصة الأمر.. أريدك أن تقف على نقاط قوتك: اللغة السليمة السلسة ذات القاموس المطواع، السلامة النحوية والإملائية، الأذن الموسيقية بدرجة عالية، والأسلوب القصصي المشوق الذي يحتفظ بالقارئ.
وأن تقف على نقطة الضعف، وهي الحاجة إلى حُسن التوفيق بين الموضوع، والأسلوب، والموسيقى.
وأن تتخذ الإجراء اللازم حيال الأمرين، بتمكين مهاراتك قوة على قوة، وبالقضاء على نقطة الضعف بالمران والمران.
وأخيرًا، أتمنى لك منازل المحترفين من الشعراء أيها "الشاعر" الصغير.
|