|
تعرض مسرحية "فات الميعاد الأقوى" للمخرجة "منال إبراهيم" على خشبة مسرح "الهناجر" في دار الأوبرا المصرية، وهي مزيج من نصين مسرحيين أعدهما "يحيى فكري"، الذي مزج بين مسرحية "الأقوى" لـ"أوجست سترنيربرج"، ومسرحية "العبقرية والشر" للشاعر الروسي "بوشكين" عن (الموسيقارين) موزارت وساليري، مرتكزًا على فكرة هيمنة الراهن المزيف في لحظات تاريخية تهيمن فيها السلطة على الجوهري والحقيقي، وأن التاريخ لا بد أن ينصف الأفضل خلال حركته المتقدمة دومًا، وأن إمكانية خداع النفس والآخرين قد تستمر لفترة من الزمن، ولكن لا بد أن يكتشف الحقيقة وقيمتها ضمن صيرورة الزمن، ويصدر حكمه عليها منصفًا من يستحق الإنصاف بعمله وإبداعه الحقيقي، ومسقطًا المزيَّف الذي لا حظ له في البقاء.
بين الماضي والحاضر
ويحدث هذا من خلال لقاء بين ممثلة موهوبة وأخرى محدودة الموهبة، ولحظة شبيهة في التاريخ، مضى عليها أكثر من مائتي عام، جمعت بين "موزارت" الموهوب و"ساليري"؛ ليقدَّم عبرها حُكم تاريخيّ بأن الزائف الراهن زائل، والحقيقي الجوهري في الراهن باقٍ مهما امتد الزمن.
تدور أحداث المسرحية ضمن إطار حوار داخلي لكل من الموسيقار "ساليري" -أشرف فاروق-، والفنانة محدودة الموهبة -إنتصار- كصوتين عاليين تواصلا مع السلطة للحفاظ على موقعهما في مواجهة الموهبة التي تشكل تعبيرًا حقيقيًّا عن القوى الحية في المجتمع الذي يبقى بغالبيته مغيبًا وصامتًا.
يظهر ذلك عندما تفتح مقطوعات موزارت الموسيقية العرض المسرحي، وتُجسِّد عبقريته، فارضةً حضوره المعنوي رغم غيابه الفعلي والمادي؛ حيث تبقى شخصية يصورها الحوار، ويطغى وجودها طوال العرض دون أن تظهر على خشبة المسرح؛ فحديث ساليري -نقيضه- عنه وموسيقاه هما التجسيد الوحيد لوجوده.
يشارك الغياب الحاضر لموزارت حضور غائب آخر للفنانة الموهوبة التي تقوم بدورها الفنانة "آية سليمان"؛ فهي تقدم بصمتها طوال العرض وحضورها العالي كموسيقى موزارت التي جسدت وجوده بغيابه، وجسد حضورها الصامت غيابها.
تُقابل موسيقى موزارت موسيقى أستاذه التي لا يسمعها أحد؛ حيث تدور مقارنة -يقوم بها معلمه موسيقيّ البلاط "ساليري"- بين موسيقى تلميذه الملائكية وموسيقاه التي كان يتعامل معها، كما يقول في حواره الأحادي "كجرّاح يُشرِّح جثة باردة".
وكشف خلال الحوار الداخلي أنه استطاع من خلال موقعه وعلاقته بالبلاط والعديد من الموسيقيين غير الموهوبين المجتمعين حوله أن يحاصر "موزارت"؛ لكونه القادر على أن يفتح أو يعلن الفرصة أمام الموسيقيين الشباب الجدد.
ويُفرَض حديث الممثلة غير الموهوبة خلال الحوار الداخلي الذي تؤديه وحدها على خشبة المسرح، معبرةً عن حالة من العجز، تحسها بمواجهة الفنانة الصامتة الموهوبة التي تحولت -كما تقول- إلى سوسة تنخر روحها فتقلدها في كل شيء ولا تصل إلى مستواها. ولكنها تغلّب علاقاتها العامة مع المخرجين والمنتجين -بما تعنيه العلاقات العامة في هذا الوسط من تنازلات تقدمها الفنانة- على الموهبة بحيث تصبح هي البطلة والنجمة في الوقت الذي تحصل فيه الفنانة الموهوبة على الأدوار الصغيرة.
التناقض الأبدي
ورغم ذلك فإن الفنانة الموهوبة تبهر بقدراتها وموهبتها التي تجسدها في مثل هذه الأدوار الثانوية- المشاهدين، وتعد نفسها بشكل دائم عبر القراءة والتمرين والاستمتاع بالموسيقي لتقدم مثل هذا العطاء، بدلاً من إضاعة وقتها في العلاقات العامة التي قد تقدم نجومية وسلطة، ولكنها لا تقدم فنًّا.
يأتي استخدام المُعِدّ "يحيى فكري" للغة الفصحى في نص "بوشكين"، التي يسترجع بها ساليري ذكرياته مع موزارت- فخامةً مطلوبةً للتدليل على زخم السلطة المفروضة من أعلى في الماضي، إضافة إلى التمسك بالتقاليد التي كانت تفرض هيمنتها بحدود فاصلة بين الطبقة الحاكمة والطبقات الأخرى؛ حيث يشكل الاقتراب من السلطة مجالاً واسعًا للنفاذ.
ويعبر الحوار الذي تؤديه الممثلة (محدودة الموهبة) باللهجة العامية المصرية عن دلالات استمرارية حالة المزيف في انتقاله من الماضي إلى الحاضر، مع زيادة نفوذ ومركزية السلطة التي رَمَزَ لها في هذا النص بالمُخرِج والمُنتِج.
تصبح الفكرة جزءًا من إسقاط تاريخي هام، استُعمِلت فيه اللغة الفصحى في نص بوشكين ليُروَى من خلالها التناقض الذي كان قائمًا بين حرفي الموسيقى المجتهد والجاد "ساليري" كموسيقار للبلاط، وموهبة تلميذه "موزارت" المتدفقة قبل أكثر من مائتي عام، والبعيد عن السلطة، في إشارة إلى سلطة المؤسسة التي تحافظ على فخامة القديم كجزء من آليات الهيمنة الاجتماعية والسلطوية؛ لكونها تحمل أبهته الخاصة التي تميزه عن العامة، إضافة إلى رمزيتها التاريخية في استمرار الحدث في لحظته وامتداده إلى لحظات قادمة بأشكال مغايرة، ومنها الانتقال إلى اللهجة العامية.
وتأتي سيادة اللهجة العامية المصرية التي استخدمتها الفنانة محدودة الموهبة في نص "الأقوى تعبيرًا" عن امتداد الماضي المزيف إلى الحاضر، رغم اختلاف صفات الأبهة وتحول اللغة إلى إطار أكثر شعبية بما يحمله ذلك من تغلغل للسلطة داخل تفاصيل المجتمع دون اعتبارات للفواصل التي كان يحافظ عليها في الماضي ضمن أطر الأبهة والانفصال الثقافي والاجتماعي.
جاءت لعبة الصمت ولعبة الغياب جزءًا هامًّا جدًّا في حوار النص المسرحي؛ حيث كانت المقطوعات الموسيقية، التي عبرت عن الحضور الطاغي لموزارت، والانفعالات التي كانت تظهر على وجه الفنانة الصامتة- أبلغ كثيرًا من الحوار والصوت العالي لساليري والفنانة محدودة الموهبة.
واستطاعت المخرجة أن تقدم عرضًا جيدًا، استند على فكرتيْ المسرحية بالحضور والغياب بشكل يحمل احتجاجًا حاضرًا غير معلَنٍ عنه، رغم أن صوته يدوي في عقول المشاهدين بدون كلمات تُقال، وقد قدمت حالة يصل المشاهد خلالها إلى حكمه الخاص دون أن تقول بصوت عالٍ ما تريد.
ناقد سينمائي
|